غزلان فاهمي من المملكة المغربية



 في سنة 1994 دخلت إلى المنازل المحطات الفضائية، وذات يوم رأيت على إحدى القنوات رجلًا على رأسه عمامة بيضاء، يحيط به بعض الرجال والنسوة، وكان هذا الشيخ صاحب العمامة البيضاء يتكلم الإنجليزية ورجل آخر يترجم ما يقوله إلى العربية، كان كلامهم عن الإسلام، واستغربت أن رجلا يتكلم اللغة العربية بطلاقة يستمع بخشوع إلى صاحب العمامة البيضاء ويتعلم منه أمور دينه! لم أفهم أن رجلا أعجميا يعلِّم العرب الإسلام، ومع بداية اللقاء يقبّل يده ويخاطبه تارةً بأمير المؤمنين وتارةً أخرى بالخليفة. كثيرا ما كان حديثهم عن المسيح الناصري، وكيف أن الله قد بعث المسيح الموعود والمهدي المعهود في الهند، البلد الذي كانت جميع المذاهب الدينية موجودة فيه وقد اتحدوا جميعهم ضد الإسلام ورسوله، فبعثه الله ليكسر الصليب رمز الديانة المسيحية ويقتل الخنزير رمز الخبث. تتبعتُ جميع الحلقات التي كانت تذاع آنذاك من الساعة الرابعة إلى الخامسة بالتوقيت المحلي وكان هذا التوقيت مناسبا. فكنت أستقبل هؤلاء الضيوف على التلفاز وعقلي منتبه إلى حوارهم. كان صاحب العمامة البيضاء يتكلم كثيرا وكانت البسمة لا تغادر محياه، والجميع يستمع إليه وفي بعض الأحيان أرى أحدهم يبكي من الخشوع وكنت أنتظر الترجمة بشوق لأعرف لماذا كان يبكي وكنت أنا بدوري أبكي لسماع الترجمة لدرجة أنني أحيانا أبكي أو أضحك قبل سماع الترجمة وذلك لتفاعلي معهم.
في آخر البرنامج كانوا يذيعون عنوانا للمراسلة، فأرسلت لهم سؤالي الأول، وكان عبارة قصيرة "من أنتم؟" لم أنتظر كثيرا حتى جاءني الجواب عن طريق المسؤول عن القسم الفرنسي في هذه القناة، حيث أرسل إلي بعض المطبوعات التي تعرِّف بهذه الجماعة باختصار ودون دخول في التفاصيل. سرني كثيرا هذا الموضوع، خصوصا أنني كنت على يقين بأن الإسلام الجريح اليوم لا يمكن أن يُترك هكذا من قبل العلي القدير. إيماني بالله وقدرته وكتابه الذي صرح فيه أكثر من مرة أنه سبحانه ينصر الذين ينصرونه جعلني أطمئن على ديني، وأن الإسلام ليس بجريح والحمد الله، إنما هم المسلمون الذين ضيعوه من بين أيديهم، فبعث الله -الذي يستمع إلى تضرع الصادقين- من يجدد لهم أمور دينهم ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

ذهبت إلى إحدى صديقاتي أشاركها هذا الأمر، وكان أبوها إمام مسجد وهي جد متدينة فسألتها عن الجماعة الإسلامية الأحمدية، لكن هذا الاسم لم يكن يوحي إليها شيئا فسألتْ والدها الذي أخبرها بأن هذه الجماعة هي الجماعة القاديانية وأنه يجب نبذها فهي وليدة الاستعمار الصهيوني وتسعى إلى خراب الإسلام، وأن مؤسسها يدّعي النبوة... حذرتني صديقتي أن أعود إلى هذه المحطة وأن من يستمع إليها أو يتبع هذه الجماعة فهو كافر.
فذهبت إلى المكتبة لكي اسأل عن الكتب التي تتطرق إلى هذا الموضوع، وسألتهم عن الأحمدية، لكن لم يسمع أحد بهذا الاسم، ولما سألتهم عن القاديانية قال لي أحدهم "آه المتنبي الكذاب" فأعطاني بعض الكتب، كان من أبرزها: "موقف الأمة الإسلامية من القاديانية" كان مؤلفو هذا الكتاب من العلماء الأفاضل وكان اسمهم يبدأ بـ"المولوي"، فقلت في قرارة نفسي؛ هذا الكتاب سأجد فيه ضالتي إن شاء الله.

قرأت الكتاب بلهفة وسرعة فائقتين، كان على شكل بحث علمي مع إدراج المراجع بطريقة دقيقة، وهذا الأسلوب هو المحبذ عندي، فقلت الحمد لله الذي هداني لهذا الكتاب قبل أن أسقط في هذا الفخ المريع، وأخذت على نفسي أن لا أنظر إلى برامج هذه القناة مرة أخرى.

وعند الساعة الرابعة وهو موعد لقائهم المزعوم مع العرب قلت في نفسي؛ لأستمع إلى هؤلاء المساكين لعلّي أجد مسعى لكي أكاتبهم وأهديهم إلى الصراط المستقيم. لكن ما أن تسقط عيني على صاحب العمامة البيضاء حتى يقشعر جسمي ويخفق قلبي ويستهويني حديثه باللغة الإنجليزية التي لا أفقه منها شيئا، وعند الترجمة أقول لنفسي لا يمكن أن يكون هؤلاء بالبشاعة المكتوبة في هذا الكتاب. فقررت أن أرسل إليهم الاعتراضات لكي أعرف وجهة نظرهم. استقيت أكثر الاعتراضات إحراجا لأرسلها إلى البرنامج. لكني تورعت في الأسلوب وجعلته أقل حدة، وذلك للرهبة التي كانت تنتابني عند رؤية صاحب العمامة البيضاء، لدرجة أنني كنت أخاطبه بأمير المؤمنين أو حضرة الخليفة كما كان يخاطبه الرجل العربي المترجم!

وكان ذو العمامة البيضاء يستحسن الأسئلة، ومرة مدح واضعها، وقد كان لهذا وقعٌ شديدٌ على قلبي. كلما تذكرته رحمه الله تذكرت جوابه وصدره الرحب في الأجوبة حيث كان حضرته يسترسل في الجواب لمدة طويلة لدرجة أن المرحوم الحاج محمد حلمي الشافعي "الرجل العربي المترجم" كان يسأله أن يتيح له وقتا للترجمة حتى لا يضيع جميع الأفكار ويكون أمينا في الترجمة جهد المستطاع.

أتذكر جيدا سؤالا طرحته عليه رحمه الله حول ملك سليمان وما كان له من معجزات التي تحولت في بعض الأحيان إلى خرافات، وكان جوابه رحمه الله ينزل بردا وسلاما على قلبي، فلطالما رفضت كلام الهدهد مع سليمان لأن عقلي لم يقبل هذا إطلاقا، فاستيقنت آنذاك أن الله قد هداني إلى الصراط المستقيم، وأن صلاتي وتضرعي لم تذهبا سدى.

كان مرزا طاهر أحمد رحمه الله، صاحب العمامة البيضاء، رغم الأسلوب المقنع الذي يتكلم به يطالب المستمع دائما بالدعاء والاستخارة إلى الله الحق سبحانه، إيمانا منه أن الله هو الهادي وما هو إلا وسيلة من وسائل رحمته يسَّرها لعباده، إن الدعاء قبل أن يكون وسيلة يتقرب بها العبد لخالقه فهو شكر وامتنان لله سبحانه أن هدى عبده لهذا وما كان ليهتدي لولا أن هداه الله. ولم أكن أكثرت كثيرا لهذه النصيحة، فطالما أن عقلي يتقبل الأمر فلماذا أدعو الله إذن؟ ولكن حضرته كان يختم لقاءه بالإلحاح على الاستخارة والدعاء، ونظرا للمكانة التي أصبحت لحضرته عندي، استجبت لنصيحته واستخرت الله بما علمني رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وإذا بي أرى في المنام رجلا وحيدا في خيمة كبيرة وطويلة، وكان مهموما قلقا، فإذا برجل آخر يسأله عن حالته، فأجابه إنني أنا المسيح أدعو الناس إلى الله ولكن لا يصدقونني، فقال له السائل أنا أصدقك، إنني رسول الله.
كان وقع هذا الحلم كالزلزال على كياني ولم أعد أكثرت لأي شيء، كيف وقد جمع لي بعد استخارة الله، الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والمهدي عليه السلام... فبايعت مباشرة وتحجبتُ.

ولكن هنا بدأت معاناة أخرى ألا وهي معارضة المقربين إلي.. زوجي (د.عصام الخامسي) لم يكن يعرف شيئًا عن الدين ولا عن واجباته الإسلامية، وكان كعامّة المسلمين مسلمًا لأن أبويه كانا مسلمين. وبالتالي كان الفقيه أو المولوي كما يسمى في الشرق هو مرجعيته في الأمور الدينية، حيث كان يؤمن بالاختصاص، فما دام الإنسان يذهب إلى الطبيب عند علة جسده ففي الأمور الدينية يجب أخذ رأي الفقيه فهو أدرى وأعلم. وعندما سأل فقيهه نهاه أشد النهي وأغلظ في ذلك حتى أن زوجي أضحى يعارضني في كل شيء حتى في ما ليس له به علم. فكنت أدعو له في كل صلاة، رغم الانتقادات المتكررة. وبعد سنتين بايع زوجي فأصبح من خيرة خدام هذا الدين، فلله الحمد والمنة.

ثم جاء يوم اللقاء مع أمير المؤمنين، سافرت أنا وعائلتي إلى لندن، لنشارك في الجلسة السنوية التي تعقدها الجماعة برئاسة الخليفة، فكانت تجربة أخرى تتطلب صفحات للحديث، فما رأيته كان أعظم مما تصورت، وما زالت تلك الذكريات تراودني وحنين اللقاء مع الأحبة يدعوني بشوق.. اسأل الله أن يوفقنا لذلك.

كانت الجلسة تنعقد في خيمتين كبيرتين، فتذكرت الرؤيا، فخفق قلبي وحمدت ربي على هذه النعمة، وكم أنا محظوظة أن منَّ الله علي بالإسلام.
حضرت إثر ذلك اللقاء إلى البيعة العامة على يد أمير المؤمنين رحمه الله، وشاهدت كيف أن تلك الألوف المؤلفة قلوبها تردد الشيء نفسه مرة بالعربية ومرة كلٌ بلسان قومه فتختلط تلك الذبذبات الصوتية فيضيع الكلام وتبقى رجفة القلب هي المعبّر الوحيد، وتبكي الرجال...