غصون المعضماني من سورية



لقد كنت بعيدة عن الدين كل البعد وقضيت معظم طفولتي وشبابي بالمدرسة الداخلية للمعاقين جسديًا ولم أعط للدين أي اهتمام، وكانت عائلتي تدللني لسببين: أولا ﻷنني وحيدة من جهة اﻹناث وثانيا لأنني مجتهدة في دارستي وأعيش طيلة الدوام الدارسي بعيدة عنهم فعندما كنت آتي إلى البيت بالعطل الرسمية كنت أصبح محط اهتمام الجميع، مما جعلني أمتلك شخصية قوية وشجاعة ولكن للأسف مغرورة ومتكبرة على الآخرين وأخفي بداخلي حب الله تعالى وأشعر بقربه وحنانه، فقد كانت رأفته جل وعلا تلازمني وكنت أستغفره وألجأ إليه دائمًا لكني لم أكن أظهر للناس إﻻ الغرور وكنت أحب آل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) حبًا كبيرًا لكني لم أكن أتمنى أن أكون من الشيعة وكنت أحب المسيح عيسى بن مريم ووالدته عليهما السلام حبًا جماً وﻻ أريد أبداً أن أكون من النصارى. ومن بين الناس الذين حولي كنت أحب عمي شقيق والدي يوسف المعضماني رحمه الله وأعتبره مميزاً وأعلم أنه أحمدي لكن ﻻ أعرف أكثر من لفظ الكلمة ولم أسمع منه شيئاً عن الدين ...وعندما كنت طفلة رأيت عدة رؤى ومنها أنني رأيت نفسي أمشي برفقة أخي "محمد" وهو أصغر مني سنًا، ﻷزور بيت عمي يوسف المعضماني "اﻷحمدي" وعندما طرقنا الباب فتحت لي السيدة مريم العذراء عليها السلام ومسحت بيدها على رأسي وأطعمتني بيدها قطعة خبز ثم استيقظت.

لم أعرف تأويل هذه الرؤيا ولكن زوجة عمي محمود وهي مسيحية نصحتني بزيارة الدير"دير السيدة في صيدنايا" وفعلاً زرت الدير ومضت اﻷيام وبقيت على غروري وتكبري وأجريت جراحة فاشلة أبقتني طريحة الفراش إلى اليوم وبعد وفاة عمي يوسف الأحمدي قرأت كتابًا من الكتب التي كانت عنده وكانت عن وفاة عيسى عليه السلام وقد اقتنعت بما قرأت حول وفاته عليه السلام لكني لم أهتم باﻷمر فالدين لم يكن يعنيني أبدًا .. وذات مرة رأيت رؤية غريبة أن الدنيا عبارة عن مكان للعبور له مدخل ومخرج وعند المدخل بضع درجات وعند المخرج مثلها أيضًا للنزول والمكان يشبه سيارات التجميد الكبيرة وكان الناس يتزاحمون لدخول هذه الدنيا وعبورها إلى الطرف اﻵخر وأنا بسبب إعاقتي كنت أزحف على اﻷرض ﻷدخل مع الناس وكانوا جميعا حفاة وأقدامهم متشققة ووسخة ويتراكضون بالدخول، وعندما دخلت تفاجأت أن أرض المكان مليئة بأوراق القرآن الكريم والكتب القيمة والناس تدوس وتركض باتجاه المخرج دونما مباﻻة ففزعت ولم أدس أبداً ووقفت ملاصقة للجدار خلفي وصرت أمشي بحذر كي ﻻ أدوس على الكتب وعلى كلام الله عزّ وجل، وفجأة رأيت رجلًا يقف أمامي مرتفعًا عن الأرض وشعرت أنه شخص مهم عند الله، نظر إلي فقلت بفزع أنا لم أدس أنا لم أفعل مثلهم! فأشار إلى القرآن الكريم والكتب التي على الأرض وقال اقرئي سورة النور ...انتهت الرؤية ولم أعرف من هذا الرجل وما المقصود من سورة النور! وبعد البيعة علمت أنه اﻹمام المهدي عليه الصلاة والسلام .

وخلال مراحل حياتي وبالمصادفة كنت أرى شاباً اسمه "ذوالفقار أورفه لي" وهو أيضًا معاق مثلي فلذلك كنت أصدفه إما زائرا لمدرستي أو في الشارع أو بدار المسنين حيث كان يتردد على دار المسنين من باب خدمة الخلق وأنا كنت أزور إحدى النزيلات هناك وكان كلما أصدفه يلقاني باﻻبتسامة والسلام، ولكن من شدة تكبري كنت أرد السلام بغرور. وذات مرة زارنا لقضاء خدمة لوالدتي فطلبت مني أمي أن أستقبله معها في بيتنا فرفضت، وقلت: ﻻ! هو جاء ليقدم لك خدمة وليس لي، وهو ليس صديقي! ولم أستقبله معها ومضت اﻷيام وتعرفت إلى عائلة طيبة وملتزمة دينيًا وكانوا يستضيفونني في بيتهم لعدة أسابيع وكنت ﻻ أعود إلى البيت إﻻ أيامًا قليلة وقضيت قرابة العام على هذا النحو ولكن حدثت مشكلة بين هذه العائلة وبين عائلتي وانقطعت عنهم وكانت أمي تريد اصطحابي لزيارة بيت الله الحرام وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم فجهزت نفسي للعمرة وكنت أرى السفر للعمرة نزهة أو رحلة دينية ترفيهية..

وعندما وصلت المسجد الحرام ووقعت عيني على الكعبة المشرفة كانت الصدمة الكبرى ودعوت بالنظرة الأولى "اللهم اجعلني مستجابة الدعاء فيما ترضاه يارب العالمين" وأخذت أبكي بلا انقطاع ليس سرورًا برؤية الكعبة المشرفة وﻻ خشوعا وإنما بكيت خجلا من عظمة الله الواحد اﻷحد وخجلا من حقارة (أنا) العبد وكرم الرب ...

وقضيت طيلة فترة العمرة أستغفر، فأين أنا أمام عظمة الله عز وجل فلا ملجأ منك إﻻ إليك يا الله، وفي فترة العمرة تذكرت العائلة الملتزمة دينياً وكنت أعلم أن علاقتي بهم انقطعت وأنا أحتاج للصحبة الصالحة التي تأخذ بيدي إلى الله تعالى، وبينما كنت مستلقية بأرض الحرم المكي الشريف (طبعا مستلقية بسبب وضع إعاقتي) أتكلم مع الله عز وجل ووعدته جل في علاه أن أبقى أحبه وأن أسير إليه وأن أتعرف على جلالته، دعوته باكية: "اللهم أجرني في مصيبتي -أقصد خسارة العائلة الملتزمة -واخلف علي خيراً منها، رب ﻻتذرني فرداً ودلني عليك يا الله واغفر لي واعف عني فأنا عبدتك الحقيرة التي ابتعدت عنك وجئت بي إلى بيتك العتيق فيارب اقبلني ودلني عليك واجعل مسيرتي إليك يارب العالمين"

وبعد عودتي من العمرة بدأت أتابع القنوات الدينية، ولكني لم أجد ضالتي، وإذ فجأة جاءنا زائراً الأخ ذو الفقار أورفه لي الذي كنت أصدفه سابقاً وكنت أتكبر عندما ألقاه، ولكني بعد العمرة حاولت جاهدة أن أتغير فاستقبلته بكل محبة، وخلال حديثي معه سألني عن أبناء عمي المرحوم يوسف فأجبته بكل سرور عن حالهم وأحوالهم وفجأة انتبهت فقلت له: "كيف تعرف أبناء عمي؟ فأنت تعرفني ﻷنني معاقة أما هم فكيف تعرفهم؟! فقال أنا صديق عمك يوسف رحمه الله فقلت: كيف؟!! فقال: كلانا من الجماعة الإسلامية الأحمدية. فصرخت بفرح شديد أحقًا أنت أحمدي؟ قال: نعم، فقلت وهل عندك كتب؟ قال نعم! فسألته أتعيرني إياها؟ فقال إن شاء الله تعالى سأعطيك كتبًا لتقرئيها.

وبدأت أقرأ وأول ماقرأت كان كتاب "نبوءات وحقائق إسلامية" للمرحوم الأستاذ نذير المرادني، وجن جنوني عندما قرأت أمر الناسخ والمنسوخ.. وأمورًا كثيرة فقلت: إن كان الإسلام يرى بأن الناسخ والمنسوخ علمًا وله أهميته فأنا ﻻ أريد هذا الإسلام وإن كانت الأحمدية التي يعتبرها الناس ارتدادًا تقول إن القرآن الكريم كاملاً وﻻيأيته الباطل أبداً فأنا أول المرتدين واتصلت بذي الفقار وقلت له نفس الكلام وأبديت رغبتي بالبيعة فقال تمهلي واقرأي أكثر.. وفعلاً بدأت رحلة القراءة..

ومرة وأنا أقرأ كتاب "فلسفة تعاليم الإسلام" قال لي أحد أقاربنا هل أصبحت أحمدية؟؟ فقلت: نعم، فقال هؤﻻء كفار! فقلت أعلم ما تدّعونه من أننا نصلي إلى الشرق وأننا نتلقى أموالًا من بريطانيا و.. وإلخ فقال أنت حرة وبعد أن ذهب صليت قيام الليل، وبينما كنت أريد النوم نزلت دمعتي وقلت يارب أﻻ يوجد دليل مادي نسكتهم به؟ وفجأه رأيت أنني دخلت قاديان قرية المهدي عليه السلام وجلست على اﻷرض وكانت دمعتي على خدي ومن بين البيوت جاء رجل في الخمسينيات من عمره يرتدي الزي الباكستاني ويضع على رأسه عمامة وله لحية مهذبة. جلس متربعا على اﻷرض ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى ويده اليسرى على ركبته اليسرى وابتسم لي وفهمت من نظرته وابتسامته أن تفضلي بالكلام فقلت له بحرقة أﻻ يوجد دليل مادي نخرسهم به؟ فأشار بسبابته اليمنى إلى مكان ما وقال :

لو أنهم رأوا جثة المسيح الموعود عليه الصلاة السلام ولم تتفسخ بعد لن يؤمنوا! فابتسمت ووقع بنفسي قول الرسول صلى الله عليه وسلم "حُرم على اﻷرض أن تأكل أجساد اﻷنبياء والشهداء" ولم أكن قد سمعت بهذا الحديث من قبل وابتسمت وفتحت عيوني من الرؤية مبتسمة ومسحت دمعتي ولم أعد أهتم لكلامهم. وبعد أن بايعت رأيت ذلك الرجل الذي رأيته في الرؤيا..

وفي شهر نيسان من عام 2003 رأيت بيتاً جميلا دمشقيا على أنه قسم للشرطة وأن الحرس يقومون بعملهم على أكمل وجه ولكن هناك لصوص وقطاع طرق يريدون التعرض لقسم الشرطة ﻷن رئيس الشرطة غير موجود منذ ثلاثة أيام وكان الحرس يقومون بمنعهم وإبعادهم، فقلت لهم: هل تظنون إن كان رئيس الشرطة غير موجود أن بإمكانكم نشر الفوضى واستغلال اﻷمر؟ ﻻ أنتم مخطئون فنحن سنكون أقوى وأفضل وسوف ترون! وعندما استيقظت اتصلت بذي الفقار وأخبرته بما رأيت فقال لي قبل ثلاثة أيام انتقل لرحمته تعالى موﻻنا أمير المؤمنين طاهر أحمد رحمه الله، ولم أكن أرسلت بيعتي بعد ..

وبعد فترة أخبرت اﻷخ ذو الفقار أنني أريد أن أبايع وكنت ألح دائمًا في طلبي لكن كانت بيعتي دائمًا تتأجل وطلبوا مني أن أستخير فرفضت ﻷن قلبي مطمئن، لكنهم أصروا فقبلت واستخرت ورأيت في المنام أن المسيح الوعود عليه السلام يقف في شرق الأرض وأنا أقف مع جمعٍ من الناس ووجهنا إلى الشرق وكان حضرته عليه الصلاة والسلام واقفا بين السماء واﻷرض ووجهه إلى الجنوب أي إلى الحجاز والخليج العربي وكتفه اليمين إلى جهة الشام ورأيت أن هناك انحناءًا بين كتفيه وقلت بنفسي هذا من ثقل الأمة، فقال رافعا سبابته اليمنى إلى اﻷعلى: أنا المسيح الموعود أحمد عليه السلام وﻻ كذب ..... حقاً هم جماعة آخر الزمان هم الآخرين حقا هم الآخرين هم الفرقة الناجية" انتهت الرؤية ....

وبعدها بايعت بفضله تعالى في تموز 2003 م وعندما كنت أبايع أمام عائلتي واﻷخ ذو الفقار أورفه لي واﻷخ عبد القادر عودة أثناء قراءة شروط البيعة وصلت إلى الشرط السابع وقرأت أول كلمتين منه "أن يطلق الكبر والزهو" فبكيت ودعوت الله تعالى أن يطهر قلبي من الكبر، وبعد بيعتي رأيت الخليفة الخامس مسرور أحمد نصره الله على التلفاز فعرفت بأن هذا هو الرجل الذي رأيته بالرؤيا قبل بيعتي عندما دخلت إلى قاديان، وحينها لم يكن حضرته خليفة للأحمديين بعد، وبعد البيعة كنت أشعر أن الأخ ذو الفقار ملاكًا في الطاعة والأخلاق وكان ينصحني ويقول: نحن بشر نخطىء ونصيب ولسنا ملائكة، فأقول له: ﻻ أنت شخص غير عادي، لكنه كان يجيب: أنا أقلهم شأنًا، وفي تلك الفترة رأيت في المنام أني مستلقية على الفراش كعادتي، ويجلس جاثيا على ركبتيه حضرة المسيح الموعود عليه السلام أمام رأسي من جانبي الأيمن وكان النور يشع من محياه، فقلت في نفسي: "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم" فسمعني وقال في نفسه عليه السلام: وآخرين منهم ليسوا سواء، وقد سمعته، ففهمت أننا بشر في نهاية المطاف وقد لا يكون الجميع على سوية واحدة.

ومن فضل الله وقف أبي وأمي وشقيقي الأكبر موقفاً طيباً من بيعتي وأما بقية أشقائي فقد ﻻقيت منهم الويلات وكانوا يتشاجرون معي ويبكونني، وكان شقيقي اﻷصغر أشدهم معارضة لي وقد طردني من الغرفة الكبيرة وقال انتقلي إلى الغرفة الصغيرة حيث لا يوجد تلفاز فلا نريد الجلوس معك وﻻ مشاهدة قناتكم فلسنا مضطرين لذلك وأنت تقيمين بغرفة التلفاز وهذا يزعجنا! ففعلت كما أراد أخي ورزقني الله تعالى تلفازا صغيراً وكنت أناقش أفراد عائلتي دون ملل أو كلل رغم عدائهم لي، وأجيب على تساؤﻻتهم واعتراضاتهم، وأدعو لهم في القيام وطلبت لهم الدعاء من حضرة موﻻنا أمير المؤمنين نصره الله وسبحان الله السميع المجيب اﻵن هم جميعهم أحمديون بفضله جل وعلا.....والحمد لله رب العالمين.