النجاحُ والإنجازُ الحقيقي



 في عالمٍ صارَ الواقعُ الافتراضيُّ فيهِ حقيقةً قائمة، نُـــواجَهً يوميًا باستعراضاتٍ شتّى؛ بدءًا من شهادةِ تقديرٍ مدرسيةٍ لابن الروضة إلى صورِ المولودِ منذ دقائق إلى مشاهِدَ مباشرةٍ من العمرة إلى إعلانِ ترقيةِ العمل وما بينها..

وبشكلٍ لا شعوري يتبادرُ إلى ذهنِ الأنثى أفكارٌ ومقارنات، وتشرعُ في تقييمِ إِنجازاتها قياسًا على النجاحاتِ المعروضة. وما يحدثُ في الواقع، أنّ غالبية النساء -وليس كلَّهُن- يبدأْنَ في تقليد ما يشاهِدْنَه وما يتأثَّرْنَ به، ويبدأنَ هُنّ أيضا في نشرِ إنجازاتٍ على نفسِ النمط. المشكلةُ ليست في أنْ تُعلِني للناسِ ما أنعمَ اللهُ تعالى عليكِ به من فترةٍ إلى أخرى، المشكلة أنْ يصيرَ الإعلانُ هو الغاية، وأنْ يُصبحَ مِعيارُ الإنجازِ عندَكِ هو المعيارُ الذي يـُملى عليكِ من الآخرين ويصبِحَ النجاحُ عِندكِ هو منشوراتُك.

أولستُ جزءًا من مجتمعٍ وينبغي أن تُسايرَ معاييري معاييرَهُ؟
كلا.

إنّ معيارَ النجاحِ والإنجاز ينبغي أنْ يكونَ ما حدّدهُ القرآنُ الكريم والسنةُ النبويةُ الشريفةُ التي وضّحَها المهديُ عليه السلام والخلفاءُ من بعده. هذا هو معيارُ الـمُسلمةِ الأحمدية، التي عرفتْ إمام زمانها وسارَتْ على الـهَدْيِ القويم.

وحتى نفهَمَ التعريف القرآنيَّ للنجاحِ والإنجاز، نبدأُ باللفظ القرآنيَّ الدالّ على هذا المفهوم، إذْ جاءتْ في القرآن الكريم كَلِمَتيْ "فلاح" و "فوز" للتعبير عن هذه الحالة.

الفلاحُ لغةً يعني الفَوْز، يُقال فلاحُ الدّهْرِ أي بقاؤه. فكأنّ الفلاحَ الذي يوَجِّهُنا القرآنُ الكريمُ إليهِ هو فوْزٌ دائمٌ وليس حالةً عارضةً أو إنجازًا مؤقّتًا. والفَوزُ لُغةً هو النجاح أيضًا؛ يُقالُ فازَ فلانٌ بالشيءِ أي ظفَرَ به.
وَرَدَتْ كلمةُ فلاحٍ في القرآنِ الكريم ثلاثَ مراتٍ في المواضعِ التالية:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [سورةُ الأعلى]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ [سورة الشمس]
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المؤمنون]

وكما نرى بوضوحٍ، فقد حصرَ القرآنُ الكريمُ الفلاحَ بتزكيةِ النّفس وبالإيمان الذي فُصِّلتْ مدارِجُهُ في سورةِ [المؤمنون]، وبالتزكيةِ التي لا نستطيعُ لها وصولا بغير سُنّةِ المصطفى صلى اللهُ عليهِ وسلّم.

وأمّا الفوزُ والغنائمُ التي يريدنا الـهَدْيُ الربّانيُّ أنْ نحوزَها فهي:
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾[المؤمنون]
﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُون﴾ [النور]
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر]
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة]
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾[الأحزاب]
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الفتح]

نلاحظُ أنَّ الآياتِ الكريمةَ التي تناولتِ الفوزَ والتي لم أُورِدها كلَّها، أنّ الفوزَ بالصبرِ وطاعةَ الله تعالى ورسولهِ صلى الله عليه وسلّم ونِعمةَ التقوى، هي المؤهلةُ للفوزِ بتكفيرِ الذنوبِ والخطايا، ثم بالربح الأكبر ألا وهو رضوانُ الله وجنّته.وهذا الفَوز والنجاح ليس مِنَ النّوعِ الذي يمكنُ تصويرهُ وعرضهُ على أي وسيلة تواصل اجتماعي في هذا العالم! لكن لن تضيعَ عليكِ اللقطة؛فقد صورتها الملائكةُ في سجلّ أعمالكِ الذي تَلقَيْنهُ منشورًا في اليوم المعلوم. وبإذنِ الله سيكونُ خيرَ منشورٍ ونِعمَ الجزاء. وستنالين إعجابَ المؤمنين.

أنا وأنتِ وكلّ أحمديةٍ محظوظاتٌ حقًّا أنَّنا بايعنا إمامَ الزّمان، ومحظوظاتٌ بالخلافة. فلا تزكيةَ بغَيْرِ الخليفةِ الذي يعلمنا كتابنا ويختصرُ علينا طريق نيلِ الحكمةِ فنرى النجاحَ والفلاحَ الحقيقي. فَلْيَكُنْ مشروعنا فلاحًا دائمًا ونجاحًا حقيقيًّا بمعاييرِ القرآنِ الكريم.