مقتبسات من خطاب أمير المؤمنين حضرة ميرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) الذي ألقاه في الاجتماع الوطني السنوي للجنة إماء الله في المملكة المتحدة يوم 24/09/2017



فهم تعاليم الإسلام يجعلنا نقدر مكانة المرأة العالية في الإسلام:

نتيجة فهم تعاليم الإسلام الحقيقية، فإن أبناء الجماعة بفضل الله تعالى يقدّرون المكانة العالية جدا للمرأة في الإسلام. هذه المكانة التي لا يدركها ولا يفهمها معظم المسلمين غير الأحمديين وغالبية غير المسلمين.

هل هناك تمييز في الإسلام ضد المرأة؟ وهل خلقت المرأة من ضلع الرجل؟:

ثمة اعتراضٌ يثار كثيرًا ضد ديننا وهو أنه يميز ضد المرأة، أو يعتبرها أقل من الرجل. ولكن هذا يناقض تماما تعاليم الإسلام الحقيقية. ففي الآية الثانية من سورة النساء في القرآن الكريم ذُكر خلق الجنس البشري، وذُكر أن الله قد خلق الإنسان من نفسٍ واحدة. وبعد ذلك مباشرة، يقول القرآن الكريم: "وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا".

وفي الكتاب المقدس، حين تم ذكر خلق الرجل والمرأة، فقد تمت الإشارة إلى الزوج أيضا، ولكنه ذهب إلى القول بإن المرأة قد خُلقت من ضلع آدم. وهذا يتناقض مع تعاليم القرآن الكريم التي توضح أن المرأة لم تُخلق من جسم الرجل أو من ضلعه، بل يوضح القرآن أن الرجال والنساء قد خُلقا من نفسٍ واحدة، وهما من نفس النوع والفصيلة. وهكذا، حيث يقول القرآن " وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا " فهذا يدل على أن الله تعالى قد خلق الرجال والنساء بنفس الطريقة ولا يمكن أن يقال إن أحدهما مهيمن على الآخر.

وعلاوة على ذلك، عندما قال الله سبحانه وتعالى "وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" أي أنه خلق المرأة بنفس الطريقة التي خلق بها الرجل، ويتضح من ذلك أن الله تعالى قد خلق قلوب وعقول النساء بنفس الطريقة التي خلق بها قلوب وعقول الرجال، ولا توجد أي إشارة إلى أن المرأة قد خُلقت من ضلع الرجل، بل أشير إلى أوجه التشابه والمماثلة.

ومع ذلك، وعلى مر التاريخ كان هنالك مناسبات سعى فيها الرجال إلى منع النساء من تحقيق إمكانياتهن وأداء مسؤولياتهن. وفي مناسبات أخرى، سعت النساء إلى منع الرجال من أداء واجباتهم ومسؤولياتهم سواء كان ذلك بسبب عقدة التفوق، أو عقدة النقص. وفي بعض الأحيان يعتبر الرجال أنفسهم مختلفين في الجوهر عن النساء، أو تعتبر النساء أنفسهن مختلفات جوهريًا عن الرجل. غير أن القرآن الكريم يدحض هذا المفهوم بشكل قاطع بالقول إن الرجال والنساء من نفس النوع. وأوضح أن للرجال والنساء نفس المشاعر والعواطف. وحيث أن كل رجل سيُسأل أمام الله عن أفعاله، كذلك تمامًا فإن كل امرأة ستكون مسؤولة أيضًا عن أعمالها أمام الله.

اختلاف مسؤوليات الرجل عن مسؤوليات المرأة أمر متوافق مع الطبيعة:

صحيح أن الإسلام قد أعطى مسؤوليات مختلفة وقسم العمل بين الجنسين وأعطى كل من الرجل والمرأة أدوارا مختلفة. ولكن لا ينبغي أن يساء فهم ذلك على أنه يعني أن المرأة غير قادرة على فهم المسؤوليات الملقاة على عاتق الرجل. هذه الفكرة عن اختلاف المسؤوليات عادية تماما ومتوافقة مع الطبيعة فحتى بين الرجال هنالك اختلافات.
اليوم، يمتلك الناس مهارات وقدرات مختلفة. على سبيل المثال بعض الرجال يعملون أطباء، والبعض الآخر مهندسين أو معلمين أو علماء وغيرها من المهن والوظائف الأخرى. ومع ذلك، وبغض النظر عن مدى مهارة الطبيب، فهو ليس متفوقًا على المهن الأخرى أو في المجالات الأخرى أيضا. وبنفس الطريقة، وللحفاظ على التوازن في العالم، فإن الله سبحانه وتعالى، بحكمته اللامحدودة، أعطى دورا مختلفا للرجال والنساء، وكلاهما سيسألان أمام الله حول ما يتعلق بالوفاء بمسؤوليات كل منهما.

كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته:

قال النبي (صلى الله عليه وسلم) كما أن واجب الراعي حماية خرافه، فبالمثل من واجب كل رجل وامرأة أداء الواجبات الملقاة على عواتقهم. وبالتالي، حيث ألقى الله تعالى على المرأة مسؤولية ضمان التدريب الأخلاقي والديني لأطفالها، وضمان حمايتها لمنزل وممتلكات زوجها، فيجب أن تولي اهتماما لذلك لأنها وحدها ستكون المسؤولة عن هذه المسائل. وبالمثل حيث كلف الرجل بتوفير حوائج عائلته ماديا، ورعايتهم، وتلبية احتياجاتهم، فإنه سيحاسب على ذلك.

هل اختلاف واجبات المرأة عن واجبات الرجل يعني أنها أقل شأنًا منه؟

كون الإسلام قد خصص واجبات مختلفة للرجل والمرأة، فهذا لا يعني أن المرأة لا تملك القدرة على القيام بعمل الرجل، أو أنها أقل شأنا بأي شكل من الأشكال... قد تم تنظيم هذا الاجتماع من قبل عضوات اللجنة، وهذا مثال رائع على القدرات الممتازة والمهارات التنظيمية لنسائنا الأحمديات... هذا الاجتماع مظهر لاستمرار العمل والتقدم الذي تحرزه لجنة إماء الله.

هل على المرأة المشاركة في النشاطات الدينية؟

أي رجل يعتقد أن المرأة لا ينبغي لها أن تشارك بنشاط في الشؤون الدينية، أو أن تقدم التضحيات لدينها، وأنها يجب أن تبقى بعيدة عن الدين وتكون مجرد زينة لمتعة زوجها فهو مصاب بالجهل الشديد، وبالمثل، إذا كانت أي امرأة تعتقد أنه بسبب مسؤولياتها المنزلية لا تحتاج إلى المشاركة في الشؤون الدينية، أو لتقديم التضحيات لدينها وأمتها، فهي أيضا مخطئة ومذنبة في تقويض مكانة المرأة.

لماذا سميت لجنة إماء الله بهذا الاسم؟:

من أجل جعل النساء الأحمديات يتفهمن مسؤولياتهن ولإزالة أي شك حول ضرورة إشراك المرأة في الشؤون الدينية وغيرها من الأنشطة، أنشأ حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) لجنة إماء الله بحيث يمكن لكل سيدة أحمدية أن تصبح عضوة نشطة في الجماعة. وقد قال حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) شيئًا جميلًا جدًا وهو أن أفضل اسم للرجل هو عبد الله، وبالمثل أفضل اسم للمرأة هو أمة الله، لأن على كل رجل أن يطمح قبل كل شيء أن يكون عبد الله وخادمه في حين أن على كل امرأة أن تطمح لأن تكون أمةً لله وخادمته.
في الواقع، في القرآن الكريم، من بين كل صفات النبي (صلى الله عليه وسلم)، قد ذكر الله سبحانه وتعالى واحدة وهي أنه "عبد الله" أي عبد الله الحقيقي وخادمه. لذلك يجب أن تكون أقصى رغبة لأي سيدة مسلمة أن تكون خادمة مخلصة لله، وهذا هو السبب وراء تسمية منظمتكن المساعدة بلجنة إماء الله. وبناءًا على ذلك، يجب على كل امرأة أحمدية أن تسعى بصدق لأن تكون خادمة لله حتى يرثن أفضاله بدلا من أن يرثن غضبه. وبالتعبير الدنيوي، فإن الذي ينجز واجباته بأفضل طريقة يُعرض على الملك من أجل أن يُكرم ويُكافأ. في حين يُقدم المجرم إلى السلطات لينال العقاب. وفي حين تلاحق النظرات الحاسدة الشخص الذي ينال التكريم، يُنظر إلى المجرمين نظرة الاشمئزاز والشفقة. وهكذا على كل سيدة أن تسعى لفهم واجباتها وأن تجاهد لتكون من بين مَن يرثون أفضال الله سبحانه وتعالى.


واجبات المرأة المسلمة الدينية:

من حيث واجباتكن نحو الجماعة والدين، يجب أن تتذكرن أن المسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتق الرجال والنساء هي نفسها في نظر الله ويجب أن تكنّ على استعداد للوفاء بعهودكن وأن تقدمن التضحيات من أجل الإسلام.

كيف نصرت النساء الأنبياء؟

في حديثه عن التضحيات العظيمة التي قدمتها النساء في العصور القديمة، أعطى حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) مثالا عن النبي عيسى (عليه السلام) حيث قال: كان هنالك نساء بين أكثر تلاميذ المسيح صدقًا وإخلاصًا، كنّ يمضين أيامهن ولياليهن في نشر رسالته بلا كلل وقد سُجلت تضحياتهن في التاريخ المسيحي كمصدر للفخر. في الواقع، عندما أُنزل المسيح (عليه السلام) من على الصليب، وخرج من التابوت والقبر الذي وضع فيه بعد ذلك، كانت النساء أول من حييّنه وساعدنه، في حين فرّ تلاميذه الذكور خوفًا من الحكام. وقد سُجّل أن مريم المجدلية وامرأتين أخريين قد طَردنَ مخاوفهن حول سلامتهمن الخاصة، ووصلن إلى المسيح في الساعات الأولى من الصباح. وبهذه الطريقة، أظهرن شجاعة كبيرة وإيمانا راسخا يفوق مستويات الرجال.

كان هذا مثالا من زمن المسيح (عليه السلام)، ولكن من بين جميع الأنبياء، كانت بالطبع حياة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) التي تم توثيقها وحفظها بأكبر قدر من التفصيل، وبلاشك وصلت تضحيات النساء المسلمات في عصره المبارك إلى القمة، وكانت بمستويات لم يشهدها أبدا أي منعطف آخر من التاريخ. وفي الواقع، عندما نقرأ عن التضحيات التي قدمنها من أجل دينهن، لا يمكن إلا أن تغلبنا العواطف. خلال تلك الفترة المبكرة من الإسلام، تعرض النبي (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه لمستويات شرسة من الاضطهاد وواجهوا فظائع لا توصف.
وفي حين أن جميع المسلمين الأوائل قد تعرضوا للاضطهاد، إلا أن معاملة العبيد المسلمين كانت أكثر وحشية ولاإنسانية. على سبيل المثال، كان من بين الصحابة زوج وزوجة، وكانا عبدين عند رجل غير مسلم وقام سيدهما بإلحاق وحشية فظيعة ومروعة بهما بحيث أن مجرد قراءة ما ارتكبه بحقهما تترك المرء يرتجف حتى العظم.

لقد كانا يُرغَمان على الاستلقاء على الرمال الساخنة الحارقة ويُضربان بلا هوادة على صدريهما وجسديهما. وكانا يُتركان يحترقان لدرجة تغور فيها عيونهما وتتورم جدًا. ومع ذلك لم يُبدِ سيدهما أي ندم أو رحمة. وفي إحدى المرات، بعد رؤية كيف تعرضا للتعذيب وكيف أُلقيا على الرمال المحرقة، تأثر الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) جدًا وانتابه حزن كحزن الأب الذي يشهد تعرض أطفاله للضرب أمام عينيه. لقد رأى كيف سعى سيدهما لإرغامهما على تكذيب الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وقبول معتقده في أن هناك العديد من الآلهة الأخرى غير الله سبحانه وتعالى.

وحيث تغلب عليه الحزن، أناب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الله وظل يدعو لبعض الوقت، ثم قال (صلى الله عليه وسلم) بأسىً شديد للزوج المسلم وزوجته: صبرًا صبرًا، سيزول عنكما هذا الألم قريبا وإن موعدكما الجنة.
ونتيجة للتعذيب المستمر، لم يمض وقت طويل حتى لفظ الزوج أنفاسه الأخيرة. فهاجم المالك بوحشية السيدة المسلمة وبقر بطنها بحربة فانضمت هي الأخرى إلى قافلة الشهداء.

لم يكن لهؤلاء العبيد أي مكانةٍ دنيوية، ولكن بسبب قبولهم للنبي (صلى الله عليه وسلم) ومعاييرهم الإيمانية التي لا تشوبها شائبة قد وصلوا إلى أعلى القمم الروحية وسجلهم التاريخ إلى الأبد. لقد كانوا من قدم كل التضحيات الممكنة وتحمل كل شكل من أشكال التعذيب في سبيل إيمانهم بالله الواحد.
واستمر اضطهاد المسلمين في مكة بلا هوادة. وأخيرا، عندما تجاوز الأمر كل الحدود حيث واصل أعداء الإسلام مؤامراتهم الشريرة، أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وعلى هذا، احتج الصحابة وسألوا: كيف يمكن لهم أن يهاجروا للعيش في سلام، في حين أن إمامهم الروحي الحبيب، النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يزال في خطر، ويواصل مواجهة أبشع الفظاعات!. وردا على ذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) إن الله لم يأمره بالهجرة بعد. وإذا جاء ذلك اليوم فسيهاجر أيضا. ولكن في الوقت الحاضر يجب أن يذهب أتباعه بدونه.
كان من بين الذين قرروا الهجرة سيدة مسلمة، فقامت في الساعات الأولى من صباح أحد الأيام بجمع أمتعتها ووضعها على الجمل استعدادًا للرحيل. وبالصدفة مرّ بها حضرة عمر (رضي الله عنه) الذين لم يكن قد أسلم بعد، وبعد أن راقب كيف أن هذه السيدة مضطرة لمغادرة مسقط رأسها باكرا، شعر بالحزن والذنب فقال مخاطبًا هذه السيدة بصوت يرتجف من التأثر: "يبدو أنك تستعدين للسفر". وردا على ذلك قالت السيدة المسلمة "لم يعد بإمكاننا أن نتحمل القسوة والألم الذي أصابنا. ولم يعد لدينا أي خيار سوى الرحيل. ما الذي فعلناه بكم حتى تعاملونا بهذه الوحشية وتعاقبوننا بهذه القسوة؟ كل ما نقوله هو أن الله واحد، ولكن لا يمكنكم تحمل هذا وهكذا علينا الرحيل ". هذه الإجابة اليائسة والحزينة من السيدة جعلت حضرة عمر الذي كان لا يزال معارضا شديدًا للإسلام ورجلا لم يظهر أي رحمة في معارضته للمسلمين، تغلب عليه العاطفة حتى انهمرت الدموع على خديه، ولم يستطع قبل أن يبتعد سوى أن يقول لها بأسى "وداعا وبالتوفيق!".

وبالمثل، هناك حادثة شهيرة متعلقة بأخت سيدنا عمر (رضي الله عنه). ففي إحدى المرات حيث كان لا يزال معارضا للإسلام، همّ حضرة عمر والسيف في يده يقصد قتل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) ووضع حدٍ للإسلام مرة واحدة وإلى الأبد. وفي الطريق، سأله رجل إلى أين يذهب؟ وعندما قال له مقصده قال الرجل إن عليه أولًا أن يرى حال عائلته، فإحدى أخواته قد قبلت الإسلام. وهكذا، ذهب حضرة عمر (رضي الله عنه) مباشرة إلى منزل شقيقته وطرق الباب بقوة. كانت شقيقته وزوجها يتلوان القرآن، وعند علما بوصول حضرة عمر (رضي الله عنه)، خبأا معلمهما وكذلك صحيفة القرآن الكريم. ومع ذلك، كان حضرة عمر (رضي الله عنه) قد سمعهما لذلك سألهما لما دخل عليهما عما كانا يقرآنه فأجابت شقيقته أنهما كانا يقرأان القرآن الكريم. فقال حضرة عمر (رضي الله عنه) إنه سمع أنها صبأت مع زوجها بمعنى أنهما باتا يؤمنان بما لا يؤمن به أهل مكة. وفي موجة الغضب هذه تقدم حضرة عمر (رضي الله عنه) إلى الأمام محاولًا ضرب زوج أخته، ولكن بتحدٍ كبير وشجاعة تقدمت أخته لحماية زوجها وقالت "نعم نحن مسلمَين. وإذا كنت تريد أن تقتلنا، فلتفعل! " لم يتمكن حضرة عمر (رضي الله عنه)من سحب يده في الوقت المناسب، لذلك ضرب أخته بغير قصد عن طريق الخطأ في وجهها بقوة كبيرة فأصيبت وسال الدم من أنفها. بعد رؤية كيف تقدمت شقيقته مضحيةً بنفسها لحماية زوجها، أصيب حضرة عمر (رضي الله عنه) بالدهشة. وعلى الرغم من كراهيته للإسلام، كان رضي الله عنه حسن الطوية فبعد أن رأى دم أخته شعر بالخجل والأسف لأنه بدلا من حماية شقيقته كما هو واجبه قد تسبب لها بإصابةٍ مؤذية. ومع شعوره بالارتباك والذنب تغيرت لهجته العدوانية فجأة وسأل شقيقته باستحياء أن تجلب له صحيفة القرآن الكريم ليقرأها. عند هذا ظهر إيمان شقيقته الكبير عمليًا، وكونها قد ضُربت من قبل شقيقها لم تعد امرأة بلا حول ولا قوة بل تحولت إلى لبوءةٍ شجاعة. ودون أي خوف قالت له: لا! لا يمكنك مس القرآن فأنت لست نظيفًا ولا طاهرًا ولا يمكنني وضع القرآن في أي مكان بالقرب منك وأنت في هذه الحالة. وحيث أدرك ما فعله، شعر حضرة عمر (رضي الله عنه) بالخجل فسأل شقيقته بهدوء كيف يمكنه تطهير نفسه كي تسمح له بقراءة القرآن. وردا على ذلك قالت له شقيقته إن عليه أن يذهب ويغتسل أولا وينظف نفسه، وعندها فقط ستسمح له بأن يلمس القرآن الكريم.

وكما أُمر ذهب حضرة عمر (رضي الله عنه) واغتسل ثم عاد، وعندها أعطته أخته القرآن، وبعد أن قرأ بضع آيات فقط ذاب قلبه من جمال ما قرأ وانهمرت الدموع من عينيه.

على الفور شعر بالاشمئزاز والخجل من كفره السابق بالإسلام. ونظر مباشرة إلى حياته الماضية بازدراء وقرف. وهو في هذه الحالة العاطفية سأل أين النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)؟ عند سماع هذا شعرت شقيقته بموجة من الحب تجاه شقيقها ودعت بإخلاص أن يقبل الإسلام. ولكنها شعرت في الوقت نفسه أنه لا يمكنها أن تغفر لنفسها إذا تسبب شقيقها بأي ضرر للنبي (صلى الله عليه وسلم). فأمسكت بتلابيب حضرة عمر وبانفعالٍ كبير لا يمكن أن يحركه إلا الإيمان الحقيقي والحب للنبي (صلى الله عليه وسلم) قالت: "أقسمْ أولا أنك لن تقترب من محمد (صلى الله عليه وسلم) بنية سيئة" فأجاب حضرة عمر (رضي الله عنه) بتواضع: "قصدي الوحيد هو أن أسلم". على هذا فرحت شقيقته وأبلغته بمكان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم).

اقترب حضرة عمر من النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) وقبل الإسلام في حالة خضوع كامل. هكذا كانت التضحية العظيمة التي قامت بها امرأة أذابت قلب شقيقها، ونتيجة لذلك احتفل المسلمون ورفعوا هتافات حمد الله وصاحوا "الله أكبر".

وهناك مثال آخر عن الإيمان يتعلق بمعركة أحد. خلال تلك المعركة، كُسرت أحد أسنان الرسول (صلى الله عليه وسلم) المباركة وأشيع خبر استشهاده. وعندما وصلت هذه الأنباء إلى المدينة، خرجت النساء المسلمات من منازلهن وركضن نحو ساحة المعركة لمعرفة حقيقة ما جرى لسيدهن. وفي الطريق، سألت امرأة مسنة باضطراب أحد الصحابة ما إذا كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) على قيد الحياة. وردا على ذلك، قال الصحابي: "يؤسفني أن أخبرك بأن زوجك قد قتل في المعركة". فقالت السيدة "أنا لا أسأل عن زوجي. أنا أسأل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال الصحابي:"يؤسفني أن أخبرك بأن أخيك قد قتل أيضا" لما سمعت ذلك قالت له السيدة: أنا لا أسألك عن أخي بل عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)." ثم قال الصحابي:" يؤسفني إخبارك بأن ابنك قد قتل أيضا."على هذا قالت السيدة بيأس: "أنا لا أسألك عن ابني. سألتك إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم على قيد الحياة؟ "وأخيرا، أبلغها الصحابي أن الشائعات المتعلقة بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) كاذبة وأنه على قيد الحياة. فقالت السيدة في حالة من الاطمئنان التام "لا أشعر بأي خسارة أو ألم أو حزن على كل من توفي من عائلتي لأن سيدي الحبيب، النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، لا يزال على قيد الحياة".

هذا هو الحب الخالص والإخلاص الذي أعلنته النساء المسلمات في ذلك الوقت نحو الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم). هؤلاء هنّ النساء اللواتي كنّ مستعدات لكل تضحية من أجل الإسلام، وقد تم تسجيل أسمائهن في التاريخ كقدوة حتى آخر الزمان.
التضحية بالأبناء في سبيل الدين:
أُخبرتُ مؤخرًا عن سيدة أحمدية، تعيش في إحدى الدول الغربية إنها قالت إنها عندما تأتي إلى اجتماعات اللجنة وتردد العهد، فإنها تردد الكلمات المتعلقة باستعدادها للتضحية بحياتها ومالها ووقتها من أجل دينها وأمتها ولكنها قالت إنها عندما تصل إلى الاستعداد للتضحية بأولادها، فإنها تلتزم الصمت لأن أولادها هم الشيء الوحيد الذي لا يمكنها التضحية به أبدا. هذا مثال على ضعف الإيمان. وفي نهاية المطاف، سيضعف إيمان هذه المرأة أكثر، وفي الحقيقة لن تكون قادرة على التضحية بحياتها أو وقتها من أجل الإسلام. تذكرن، عندما نتعهد في بيعتنا بإيثار ديننا وإيماننا على جميع المسائل الدنيوية. فهذا يعني أن حبنا لله، والنبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) ولديننا يجب أن يكون أكبر من حبنا لأي شيء أو شخص آخر. وعلاوة على ذلك، قال المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) إنه في هذا العصر بعد إنشاء الحب الحقيقي لله وللرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، على أتباعه أن ينشئوا أيضا رابطة معه.

ضرورة الوفاء بشروط بيعة المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام):

وهكذا إذا كنتن ترغبن في أن تبقين جزءا من جماعة المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام)، فعليكن أن تبرهن على حبكن له من خلال الوفاء بشروط بيعته والبقاء مطيعات لتعاليمه. قال المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام): "أود أن أرى في جماعتي تحولا روحيا، يميز الأحمديين عن البقية".

فإذا كنا مثل المسلمين الآخرين، فما الفائدة من بيعتنا؟ وإذا كنا ضعفاء وكسولين في صلواتنا كالمسلمين الآخرين، فما هي الفائدة؟
وإذا كنا ضعفاء وكسولين في قراءة القرآن ولا نتبع تعاليمه، فما هي الفائدة؟ وبالتالي، وفقا لتعليم القرآن الكريم، إذا لم تكنّ محتشمات في ملابسكن ولم تتمسكن بمتطلبات الحجاب، فما الفائدة من بيعتكن؟ إذا كنتن لا تفين بمسؤولياتكن داخل بيوتكن، فما الفائدة من بيعتكن؟ وإذا كنتن لا تتبعن عمليا تعاليم الإسلام، ولا تسعين لنشرها، فما الفائدة من أن تكن أحمديات؟ وهكذا على كل سيدة أحمدية أن تفكر بعمق بعهد اللجنة حول إعطاء الأولوية للإيمان وإيثاره فوق جميع الرغبات المادية. على كل واحدة منكن أن تحلل باستمرار وتفكر ما إذا كان لديها نفس الروح والتفاني لخدمة دينها الذي كان موجودًا عند صحابيات الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)؟ اسألن أنفسكن، إذا كان لديكن نفس الحب لله سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) كالذي أظهرنه الصحابيات؟ وما إذا كان لديكن المعرفة الدينية والبصيرة اللازمة للوفاء بواجباتكن؟ فكرن إذا كنتن نموذجا حقيقيا لأطفالكن، وإذا كنتن تربينهم بنفس الطريقة الصالحة التي ربت الصحابيات بها أطفالهن؟ إذا كان الجواب على هذه الأسئلة هو لا، فعليكن أن تقلقن جدا، بل إن هذا مصدر قلق كبير للجماعة بـرمّتها أيضًا.

ليكن واضحًا، أنكن - نساءنا وفتياتنا الأحمديات - لا تعشن حياة بلا هدف. بل لديكنّ جميعا أهداف كبيرة جدًا، والتي آمل وأدعو أن تفهمنها وتسعين لتحقيقها.

كيف تقوم السيدات الأحمديات بالتبليغ؟
في هذا العصر، أحد أهم أهداف اللجنة هو التبليغ. ولتحقيق هذه المسؤولية، يجب عليكن أولا إصلاح أنفسكن روحيا. يجب أن تقدمن شخصيا أفضل مثال، وأن تؤدين واجبكن في تربية أبنائكن أخلاقيا. ويجب أن تكنّ قدوتهم، وتقمن بربطهم بالجماعة من سن مبكرة. عندها فقط، يمكنكن الوفاء بمسؤولياتكن في مجال التبليغ.

وفي هذا العصر، هناك حاجة ملحة لنسائنا لتمثيل الإسلام وتعاليمه، ونشره بين القاصي والداني دون أي خوف أو عقدة دونية. عليكنّ نشر الإسلام من خلال تطبيق تعاليمه.

إذا كان أحدهم يدعي أن الإسلام لا يعطي حرية المرأة أو أنها مضطهدة من قبل الرجال فمن واجبكن أن تظهرن للعالم أن الإسلام أعطاكن الحرية الحقيقية والتحرر والتنوير الحقيقي. ومن واجبكن أن تظهرن للعالم أنه عندما تكون هنالك قيود فأنتن لا تُجبرن عليها من قبل الرجال، بل تلتزمن بها بطيب خاطر وحرية بعد أن عرفتنّ التعاليم الرائعة للإسلام. إذا كنتن لا ترغبن بالاختلاط بحرية مع الرجال، أو الجلوس جنبا إلى جنب معهم، فهذا اختياركن الخاص من أجل الحفاظ على شرفكن وكرامتكن. وإذا كنتن لا تخترن مصافحة الرجال، فذلك لأن قلبكن يطالبكن باتباع تعاليم الإسلام الحقيقية التي تصون الكرامة الحقيقية للمرأة.
وهذه الممارسات لا تستند على مطالب الرجال، بل هي نتيجة لحريتكن في اتخاذ قراراتكن الخاصة، وهي رمز للاستقلال الحقيقي.

ما هي الحرية الحقيقة؟

تذكرن، أن اتباع الغالبية، والخضوع إلى تأثير المجتمع ليس بحرية، بل الحرية الحقيقية هي أن تتمتعن بالقوة لاتباع معتقداتكن والعمل بموجب قناعاتكن. مالم تصدح قلوبنا بصوت الله عز وجل أو صوت النبي صلى الله عليه وسلم أو صوت شقيقة عمر، أو السيدة المسنة التي استشهد زوجها وشقيقها وابنها، لا يمكننا التأثير في العالم الأوسع ولا يمكننا أن نحقق هذا التقدم الروحاني المقدر له الحدوث.

واجبات النساء الأحمديات في هذا العصر:

في هذه العصر، على نسائنا نشر الإسلام، ولاسيما فيما يتعلق بقضايا المرأة، حيث يكون التأثير أكبر بكثير فيما لو ردت المرأة على مثل هذه الأمور بدلًا من أن يقوم الرجل بذلك نيابة عنها. فينبغي على كل امرأة أن تولي اهتماما خاصا لهذا الأمر وأن تسعى لاكتساب المعرفة بأمور دينها حتى تتمكن من دحض الادعاءات الموجهة إلى الإسلام وتكون مستعدة لكل تضحية في سبيل دينها. وبالتالي أطلب منكن جميعا أن تفهمن وتتحملن مسؤولياتكن وأن تفينَ بعهدكن بتربية الجيل القادم أخلاقيا على أفضل وجه وأن تقرّبن أطفالكن من الجماعة. أطلب منكن جميعا أن تكن مستعداتٍ لنشر تعاليم الإسلام من خلال التبليغ داخل دوائركن الخاصة ولا سيما للنساء.

إذا فهمتن مسؤولياتكن، فأنا واثق من أنكن ستثبتن أنكن نساء ناجحات ونساء مسلمات أحمديات ناجحات مستعدات للتضحية من أجل إيثار إيمانكن وإعطاءه الأولوية على جميع المسائل الدنيوية. إذا فهمتن واجباتكن، أنا واثق من أنكن ستكن ناجحات في نشر رسالة الأحمدية -الإسلام الحقيقي- على نطاق واسع وعندها فقط سوف تتمكنَّ من الوفاء بمتطلبات والتزامات الدين.