"أنا دعوةُ أبي إبراهيم"



 قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "أنا دعوةُ أبي إبراهيم" (مسند أحمد ابن حنبل، ج4،ص 127)

يقول المصلح الموعود (رضي الله عنه) في تفسيره للآية "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (130: سورة البقرة) في التفسير الكبير:

لقد تضمَّن القرآن الكريم كل الأحكام الضرورية المتعلقة بتزكية النفس وتفاصيلها، فقام بتزكية الأعمال والعواطف والأفكار الإنسانية. وهذا لا نجد له مثيلا في أي دين بالعالم، مما يشكِّل دليلا قويا على تحقق دعاء إبراهيم (عليه السلام). لقد دعا إبراهيم ربه أن يبعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، فاستجاب الله دعاءه وبعث محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أولاد إسماعيل، فقام بكل ما تمناه إبراهيم في دعائه. لقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنا دعوةُ أبي إبراهيم) وبذلك بيّن بنفسه أنه ذلك الإنسان الذي بعثه الله تعالى لإصلاح الناس استجابة لدعوة أبيه إبراهيم (عليهما السلام). فهذا دعاء عظيم يحمل برهانا كبيرا على صدق الإسلام ونبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.
(إنك أنت العزيز الحكيم) .. ذُكرت هنا صفتان من صفات الله تعالى .. هما العزيز والحكيم، ذلك لأن جزءا من دعاء إبراهيم يتعلق بصفة العزيز، والجزء الآخر يتعلق بصفة الحكيم. فقوله (يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب) متعلق بصفة العزيز، فالإله العزيز الغالب هو الذي يصل إلى عباده ويتداركهم، لأن العبد بجهوده الذاتية لا يستطيع أن يصل إلى الله، ثم إن من حق الإله الغالب العزيز أن يُصدر الأوامر والأحكام. أما قوله تعالى (.. والحكمة ويزكيهم) فيتعلق بصفة الحكيم، لأن الحكيم هو الذي يعلِّم الآخرين الحكمة. والتزكية أيضا تتم بالحكمة، فلو أراد أحد فرض أوامره بدون ذكر الحكمة وراءها فإن القلب لا يطيعها، وإنما تطيع القلوب وتتأثر إذا عرفت الحكمة وراء الأوامر. ولا تتم التزكية إلا إذا تأثرت القلوب.