تضحيات المسلمات الأحمديات الأوائل (الجزء الثاني)



 في عام 1934، قام حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه بإطلاق مشروع التحريك الجديد، ليتم من خلاله نشر القرآن الكريم في جميع أنحاء العالم، وبناء المئات من المساجد ودور الدعوة والمدارس التعليمية والمستشفيات الطبية لعامة الناس في جميع أنحاء العالم. الغرض الأساسي من هذا المشروع هو إرساء وحدانية الله، وشرف ومكانة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ورفع راية الإسلام في جميع أنحاء العالم.
في 23/11/1934، في خطبة الجمعة، قدّم حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه مطالب "التحريك الجديد" الأساسية، وقدم بعض المطالب المحددة من النساء. قال في هذه الخطبة:

"في هذه التضحية نحتاج إلى تعاون النساء، وإلا فإن تضحياتنا ستظل تضحيةً بالكلمات فقط، لذا فإنني أوجه انتباه النساء بشكل خاص إلى حقيقة أنهن بحاجة للتركيز على تقديم التضحية والتعاون مع الرجال في هذه الأمور. يجب أن تتذكر نساءنا أنه كان هناك نساء في السابق قدمن تضحياتٍ مذهلة ".
وكان في مطالب التحريك الجديد، التضحية بالنفس وكان أكثرها خاص بالنساء، فقد طالب حضرة ميرزا بشير الدين محمود أحمد (رضي الله عنه) بتغيير معايير الطعام والشراب والملابس لمدة ثلاث سنوات. كان الطلب الأول هو تناول الطعام البسيط وكان الطلب الثاني البساطة في الملابس فقد أعطى حضرة الخليفة تعليماته بعدم شراء ملابس باهظة، وإنما الملابس التي تلبي احتياجات المرء فقط ويجب على المرء استخدام الملابس الموجودة عنده سابقًا قدر المستطاع ووجه بعدم شراء أي مجوهرات جديدة، ونهى بشدة عن حضور دور السينما والمسارح.
بناء على طلب حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه، وخلال اجتماع لجنة إماء الله، قامت نائبة الرئيسة، زوجة عبد الحافظ روشان علي (رضي الله عنه)، صحابي المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) والذي كان عالماً عظيماً أيضًا، بتقديم القرار التالي:
"نزولًا عند رغبة أمير المؤمنين، نجيب بالوعد بأننا سنبذل قصارى جهدنا من أجل أن نعيش حياة البساطة في هذه السنوات الثلاث وفقاً لأقوال حضرته وأن نلتزم بالبساطة في الملبس إن شاء الله. وبالمثل، نحن على استعداد دائما لخدمة ديننا وسنضحي بحياتنا وممتلكاتنا لخدمة ديننا، وبسعادتنا راحتنا وزينتنا وسلامنا وكل شيء يكمن فيه تقدم الإسلام. لذلك، من الضروري أن نضع في الاعتبار هذا الوعد الذي قدمناه لأمير المؤمنين، إمام المتقين، حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه، أثناء البيعة بأننا سنعطي الأسبقية لديننا فوق جميع الأمور الدنيوية. لقد حان الوقت لأن نفي بالوعد بأننا سنفضل ديننا على جميع أمورنا الدنيوية لأن هذا يشمل جميع الأخوات سواءًا كنّ غنياتٍ أو متوسطات الحال أو فقيرات".
ثم وقّعت 117 أخت على هذا القرار وقدمن خدماتهن لحضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه.

ذُكر في كتاب "تاريخ اللجنة"، المجلد الأول أنه خلال هذه الأيام، شهدت الجماعة تضحيات غير عادية وأصبحت معايير النساء في الطعام والملابس والموضة وتزيين منازلهن في غاية البساطة.

لقد أنتج التحریك الجديد مثل هذا الشغف للتضحية في النساء وقد ذكر ذلك حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه في خطبة الجمعة يوم 30/11/1934:
"قالت لي بعض النساء إننا أيضًا نرغب في المشاركة في هذه المهمة، لكننا غير قادرات على تقديم حتى 5 أو 10 روبيات"
قال حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه:"إن في بلادنا تقليد أنه، فيما عدا العائلات الحضرية، لا تعطى النساء عادة المال نقدا، بل يتم شراء الطعام والملابس وتوفيرها لهن. لذا، ليس هناك شك في أن هناك العديد من النساء اللواتي لا يستطعن حتى إعطاء خمسة أو عشرة روبيات، لكنهن عبرن عن رغبتهن في الحصول على فرصة لنيل الأجر من الله"

وقال حضرته إن رغبتهن هذه تستحق الشكر والاحترام، وقدر (رضي الله عنه) ذلك واقترح أن يشاركن في جمعية بحيث يتم جمع التبرعات تحت اسمائهن. (الفضل، 11/12/1934)

وهكذا وبناءً على اقتراح حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه، انضمت سكرتيرة لجنة إماء الله إلى عشر نساء وخططت لتشكيل هذه الجمعية، وكان على كل امرأة أن تساهم بروبية شهريًا، وعندما تحصل على عشرة روبيات تقوم بالتبرع بها.

التفكير في هذا الحادث يدعونا للتأمل، لا سيما بين أولئك الذين يميلون إلى اتخاذ نقص الموارد عندهم ذريعةً لتجنب خدمة الدين. إذا كان لدينا شغف في خدمة الدين، فإن الله سيمهد لنا الطريق ويوفر لنا الوسائل لذلك. إن الوعود التي قدمتها نساء الأجيال السابقة إلى حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه، والتي أوفين بها بأقصى ما لديهن من قدرات، تدعونا إلى السير على خطى تلك النساء العظيمات، وأنه كلما دُعينا لتقديم التضحية علينا أيضًا أن نعطي الأولوية لديننا فوق جميع أمورنا الدنيوية إن شاء الله.

عندما بدأ إرسال دعاة الجماعة الإسلامية الأحمدية إلى الدول الأجنبية، أظهرت النساء أمثلة رائعة على التضحية. في ذلك الوقت، كان الوضع المالي للجماعة لا يسمح للدعاة بالعودة إلى ديارهم بعد سنتين أو حتى ثلاث سنوات، ولم يكن بإمكان أقربائهم زيارتهم في البلد الذي عُينوا فيه. وفي هذه الظروف، أظهرت زوجات الدعاة صبرًا هائلًا فقد دعمن أزواجهن وعشن بدخلٍ صغير ولم يشتكين أبداً. وبسبب هذه التضحيات، كان الدعاة قادرين على خدمة الإسلام براحة تامة وسلام.

كان الحكيم فضل الرحمن ممن ضحوا بحياتهم وخدموا الإسلام في إفريقيا لمدة 21 عامًا. وعاد بعد السنوات السبع الأولى من خدمته، وتزوج، وبعد بضع سنوات، تم إرساله إلى غرب إفريقيا. وظل هناك لمدة 14 عاما متواصلة مشغولًا بالشؤون الدعوية وقد وصل إلى سن الشيخوخة وأصبحت زوجته مسنة أيضا. وقرر حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه أن يعيده بسرعة. وقال:

"لقد كان الحكيم فضل الرحمن خارج البلاد لفترة طويلة ولم ير حتى وجوه أطفاله. وقد سألوا كيف يبدو والدهم؟"
وعن قصة داعية آخر، قال حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) إن ابن هذا الداعية، وكان قد كبر قليلًا قد قال شيئًا مؤلمًا جدًا لأمه إنه إذا مرض أحد من أقاربنا فإن آباهم يقوم بتفقده.. لماذا تزوجت من والدنا الذي لا يتفقدنا أبداً؟ وقال حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه إنه من المؤلم أن يكون والدهم بعيدا لفترة طويلة ولا يمكننا أن ندعوه مرة أخرى" (تحريك الأحمدية، المجلد 10، ص 201).
لقد قوبلت تضحيات هؤلاء الدعاة بالفعل بتضحيات النساء اللاتي قضين عمرهن دون رجالهن، وخدمن الدين بصبرهن.

هناك العديد من الأحداث التي تصف العمل الشاق والتضحية بالوقت التي قدمتها النساء المسلمات الأحمديات.
كانت حضرة مريم الصدّيقة (رضي الله عنها) إنسانة مباركة ورائعة وقد كتبت السيدة مهر أبّا (رضي الله عنها) في مقال حولها عند وفاتها:
” لقد أدت عمل اللجنة من خلال عدة مناصب فكانت رئيسة لها، وسكرتيرة عامة، وعامل متواضعة في آن واحد. خلال هذا الوقت، وبسبب جهودها فقط، بدأ العمل في الانتشار والاستمرار. عندما كان يطلب أمير المؤمنين شيئًا كانت تقوم بإنجازه على الفور. لقد رأيناها تعمل طوال اليوم. كانت تخيط على ماكينة الخياطة وتضع نساء أخريات في مهمة خياطة البطانيات والملابس على 80-90 آلة، لقد أشرفت على الخياطة النسائية وخاطت بنفسها كذلك. كانت تنجز هذا العمل بأكمله بمساعدة النساء اللواتي يرغبن فقط في خدمة البشر وخدمة هذه الجماعة برغبتهن الخاصة".
(سيرة حضرة السيدة أم طاهر، صفحة 221)

في عام 1947، عندما اضطرت الجماعة المحلية للهجرة من قاديان إلى ربوة في باكستان، عانت الجماعة من قيود ومشاكل مالية شديدة. رغم أنه في تاريخ الجماعة عندما كانت تمر بمثل هذه الأوقات كانت المرأة تظهر شجاعة عظيمة دائمًا إلا أنه في وقت الهجرة، لم يكن الجميع حزينًا على مغادرة قاديان فحسب، بل أيضًا قلقًا للغاية بشأن سلامتها، بسبب الأحداث المروعة والحالة غير الآمنة للبلاد. وخلال هذه الأيام، أظهرت النساء المسلمات الأحمديات أمثلة رائعة على الشجاعة ونصحن أبناءهن وأزواجهن وإخوانهن بعدم إظهار الضعف خلال هذا الوقت الحساس وإنما عليهم إظهار أمثلة عالية من التضحية.

كتبت السيدة أمة الحفيظ بيغم إلى ابنها الدكتور محمد أحمد، وأخوه الأصغر نعيم أحمد وصهرها محمد رفيق وابن أخيها عبد الرشيد:
"لقد حان وقت امتحانكم جميعا، امضوه بشجاعة. أدعو لله تعالى أن يبقيكم ثابتين ويعطيكم فرصاً أكبر لخدمة الدين. (تاريخ اللجنة، الجزء 2، ص 23)

وكتبت السيدة مسعودة بارلاس لأخيها ميرزا ألطاف الرحمن:
"لا تقلق علينا وواجه كل المشاكل بصمود حتى ترث بركات الله. كن جزءًا مفيدًا للأحمدية. نحن سعداء وفخورين بأن أخانا الوحيد قد مُنح فرصة خاصة من الله لخدمة الأحمدية وحظي بالثبات. لا يمكننا أن نفخر بذلك بما فيه الكفاية. أمي ترسل لك دعواتها". (تاريخ اللجنة المجلد 2، ص 23).
وكتبت السيدة أمة اللطيف بيغم من لاهور لزوجها الدكتور محمد أحمد:
"نصيحتي ونصيحة أمي هي أن عليك البقاء هناك واثقًا بالله. وسيحميك الله تعالى هناك أيضًا ولن يترك إيمانك يضيع فلا تحاول الحصول على إذن للعودة. اتركنا لرحمة الله لأنه الحارس للجميع، طالما أنه من خلقنا فسوف يحمينا ويطعمنا. إذا أراد أن يبقنا على قيد الحياة فسوف يفعل ذلك بكل الطرق ويساعدنا، وإذا كان الموت مقدرًا لنا، فمهما حاولنا الاختفاء فلا مفر منه. لا تقلق علي، أنا لست جبانة وإيماني قوي بالله سبحانه وتعالى. إذا جاء الامتحان، فيجب أن يأتي على أية حال لذا ادعو الله أن يبقينا صامدين في كل شيء وأن لا يهتز إيماننا أبداً." (تاريخ اللجنة، المجلد 2، ص. 21)

وكتبت زوجة السيد مستري نور محمد، غانج موغالبورا، إلى ابنها محمد لطيف الأمرتسري الذي أقام في قاديان لحمايتها:
"الجهاد اليوم هو البقاء في قاديان. استمر في حماية المركز بثبات وشجاعة. إذا كان عليك أن تتخلى عن حياتك لهذه المهمة، فلا تتردد في القيام بذلك. تذكر أننا سنكون سعداء بك فقط عندما تظهر مستوىً عال من التضحية في حماية المكان المقدس لحضرة المسيح الموعود (عليه السلام) وهو أمر يفخر به كل أحمدي. لا تقلق. سوف يحميك الله. ونحن، والديك، ندعو من أجلك أن يمنحك الله سبحانه وتعالى ثباتًا. آمين." (تاريخ اللجنة، الجزء الثاني، ص. 19)

كانت عضوات لجنة إماء الله الأوائل يعملن في كل مجال وفقا للإرشادات التي قدمها المصلح الموعود (رضي الله عنه) سواء كان ذلك في خدمة القرآن الكريم أو افتتاح مسجد جديد، أو في العمل التبليغي أو التضحية بوقتهن أو أموالهن أو أبنائهن.
لقد سرن على الخطى المجيدة لصحابيات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وعرضن نماذج عظيمة من الإخلاص والتضحية التي يجب تذكرها دائمًا. وبفضل الله، من تلك المجموعة الأولى من ثلاث عشرة امرأة، تم تأسيس فروع للجنة إماء الله في أكثر من 190 دولة في العالم وكل يوم، تواصل المرأة الأحمدية تقديم تضحيات كبيرة في خدمة الإسلام ماليًا وعمليًا.