إذا كان الله موجودًا لماذا تسود المعاناة والمصائب الأرض؟



 يؤرق مضاجع الكثير من الملحدين اليوم وربما غير الملحدين السؤال التالي "إذا كان الله موجودًا، لماذا تسود المعاناة والمصائب الأرض"؟ ففي هذه الأيام خصوصًا، أينما يقلّب الإنسان نظره في هذا العالم لا يرى سوى الحروب والصراعات والمجاعات والتشرد والفقر والأمراض وغيرها من المصائب، فلماذا لا يتدخل الله لإنهاء كل هذا إذا كان موجودًا حقًا؟ ولماذا يسمح بهذه المعاناة؟
في الواقع، لقد منحنا الله تعالى حرية الاختيار، وأرسل لنا على مر العصور الأنبياء ليرشدونا إلى الطريق المستقيم الذي ينقذنا من شرور الدنيا ويجعلنا نعيش حياة الاطمئنان والسكون مهما كانت ظروف حياتنا.
ولكن وعلى الرغم من هذه الإرادة الحرة إلا أن الإنسان اختار أن يحارب أخيه الإنسان، فالناس هم المسؤولون عن إراقة الدماء وليس الله وهم الذين سلكوا هذه الطريق بمحض إرادتهم الحرة.
أما عن المجاعات، فالإنسان مرة أخرى هو المسؤول عنها وهو الذي يتسبب فيها من خلال الحروب أو من خلال تكاسله وتقاعسه عن استثمار الموارد التي منحها الله لبلاده أو من خلال الطمع بثروات الأمم الأخرى، بينما يأمرنا الله في القرآن الكريم بأن لا نمد أعيننا إلى ما أنعم به على الآخرين: "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ" (سورة طه: 132).
وكذلك أمر الله الأغنياء بمساعدة الفقراء والمحتاجين بحيث لا يقاسي أحد الجوع والعطش، وفي الواقع هناك طعامٌ وماءٌ أكثر من كافٍ في هذه الأرض، ومع ذلك هناك أناسٌ يتضورون جوعًا! وهناك أموالٌ تكفي الجميع في العالم ولكننا للأسف خلقنا بأنفسنا الفقر وعدم المساواة، وبالتالي فإن الحروب والفقر والمجاعات جميعها من صنع الإنسان حيث أساء استخدام الإرادة الحرة التي منحها الله إياها وبالتالي فهو المسؤول أيضًا عن وضع حدٍ لهذه المظالم.
وقد يسأل سائل إذا كان الله يعلم أن الناس سوف يسيئون استخدام "حرية الإرادة والاختيار" فلماذا منحهم إياها؟
لنتخيل للحظات الحياة بدون القدرة على الاختيار؟ لن تكون أفعالنا عندها جيدة ولا سيئة وسنتبّع ما يملى علينا فقط.
البشر كائنات عاطفية مليئة بالمشاعر والأحاسيس وإن أُخذت منهم الإرادة الحرة سيتحولون إلى ما يشبه الروبوتات الآلية، لذلك إذا أردنا التخلص من المعاناة التي تسببها الإرادة الحرة، فإن الحل الحقيقي يكون باستخدامها بالشكل الصحيح.
على أية حال، هناك نوعٌ آخر من المعاناة التي لا دخل للإرادة الحرة بها كالأمراض والإعاقات الجسدية والكوارث الطبيعية وفقدان الأحبة وما شابه، وكل هذه الأمور تصيب حتى الصالحين والطيبين من الناس!
في الواقع، لا يعلمنا الإسلام أن المعاناة لا تصيب بسهامها إلا شرار الناس، وإنما يعلمنا أن مدى صلاحك وتقواك تُعرف بكيفية تعاملك مع معاناتك ومعاناة الآخرين، ويعلمنا أيضًا أن نتمسك بأهداب الصبر في أي محنة أو معاناة نمر بها. فعندما يتأذى المرء بأية وسيلة، عليه إن كان يرغب بنيل رضا الله والتقرب منه، أن يخرّ على عتباته تعالى ويظهر الصبر والجلَد. فعلينا في الظروف الصعبة والمؤلمة أن نرضخ لإرادة الله سبحانه وتعالى وأن نسأله أن يمدنا بالصبر وأن يكشف عنا هذه الغمة فما من أحدٍ سواه يمكنه ذلك "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ" (سورة النمل: 63).
ويعلمنا الإسلام أيضًا أننا عندما نرى معاناة الآخرين، علينا القيام بما في وسعنا لمساعدتهم، وبالتالي بدون المحن والاختبارات ستكون الأخلاق مجرد نظرية لم تعرف التطبيق.
ووفقًا للإسلام، فإن كل أنواع الخسارة سواء كانت خسارة للثروة أو الوظيفة أو خسارة الأحبة أو أيًا كان، جميعها في الواقع أمورٌ تذكرنا بأن هذه الدنيا وكل ما فيها عابر وزائل، وأن على قلوبنا أن تتعلق بمن هو أبدي فقط "الله تعالى" الذي لا تصيبه خسارة ولا يأتي عليه الفناء، وعلاوة على ذلك، يعلمنا الإسلام أنه مقابل كل معاناة أو محنة تصيبنا، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر من خطايانا وتقصيراتنا ويعوضنا خيرًا:
عنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه" (صحيح البخاري)
ويقول المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام):
"إن الذين يبتليهم الله بالمصائب في هذه الدنيا، والذين يتحملون المصائب لوجه الله سيجزيهم الله في الآخرة. الدنيا دارٌ فانية ليست للبقاء. إذا كان أحد يملك كافة أسباب السعادة فهي ليست مدعاة للسعادة بل هذه الأفراح والأتراح كلها فانية وبعدها سيأتي عالَم دائم. والذين يرون تفاوتا بسيطا في خَلق البشر ويحسبونه نتيجة ذنوبهم من ولادة سابقة مخطئون جدا ولا يدرون أن ولادة أخرى في الآخرة موشكة، والذين جعل الله عيبا في خَلقهم أو الذين ألقَوا أنفسهم في المصائب لنيل رضا الله - عز وجل - سينالون أجرهم بعد مغادرتهم هذا العالم. هذا العالم بمنزلة بذر البذرة وهو مفيدٌ لاستغلال الفُرص التي يرضى الله بها. (الملفوظات)


قد يقول قائل: "لماذا لم يخلقنا الله متماثلين متطابقين؟ فهذا إنما يدل على عدم عدالته" [والعياذ بالله]
لنتخيل للحظة أننا خلقنا متطابقين ولدينا نفس اللون ونفس العيون والأنوف ونفس الطول والقامة .. إلخ، وأننا جميعًا نتمتع بنفس مستوى الذكاء ونملك نفس الثروات والملَكات والقدرات.. لنتخيل أننا جميعًا نعيش حياة هناءٍ وسعادة لا يشوبها ألمٌ ولا قلق ولا يصيبنا فيها مرضٌ ولا همٌ من أي نوع، وأننا جميعنا سنعيش نفس العمر لنقل مثلا ثمانون حولًا بحيث عندما نصل لعمر الثمانين نعلم بأنه آخر أيام حياتنا..
ألن تكون الحياة مجرد ملل؟ فلن يكون هناك أي أمل ولا طموح، ولن يكون هناك أخطاءٌ نتعلم منها، فبدون تذوق طعم المعاناة أو فهم ما تعنيه، فإن الشعور بالراحة والارتياح سوف يتلاشى، وبدون تجربة الألم والحزن سوف يفقد الفرح والسعادة كل معنى، وفي الواقع، حتى الحياة نفسها ستفقد كل طعم، وسوف نبقى دائمًا في نفس المستوى دون أي أملٍ في التقدم.
إن تقدم الإنسانية كان مبنيًا في الواقع على المعاناة، فما كان التقدم في الطب والتكنولوجيا والعلوم وغيرها إلا رغبةً بالتخلص من المعاناة، فالشعور بالبرد أفضى بالإنسان إلى اكتشاف النار، وصعوبات السفر قادت الإنسان لاختراع العربات ثم وسائل النقل الحديثة. فمعاناتنا قد قادتنا ولا تزال تقودنا نحو التطور والتقدم في كل المجالات.
بدون ألم لا يمكننا اختبار السعادة، ففيه نجد في أنفسنا القوة.. فالنجاح لا يبنى على النجاح وإنما يبنى على الفشل وعلى الخوف من الفشل.. وكما يقال "يجب أن تسقط أحيانًا لتتعلم كيف تقف".
إذن، تلعب المعاناة دورًا رئيسيًا في تطورنا الروحاني والأخلاقي والمادي. يقول خليفة المسيح الرابع (رحمه الله):
"إن المعاناة تكون محل اعتراض فقط لو كانت قد خُلقت كذاتٍ قائمة بنفسها، دون أن يكون لها دور معنوي تؤديه في تدبير الأمور الدنيوية. فبغير الإحساس بالمعاناة .. أو بغير الإدراك لما تعنيه، سوف يختفي أيضا الشعور بالراحة والفَرَح. وبدون مواجهة الألم وتجربة البؤس، لا بد أن يفقد الفرح والسعادة كل معنى. بل في الواقع إن الحياة نفسها سوف تفقد كل معنى، ولن يكون لها هدف، وسوف تتوقف عجلة التطور.. وتجمد خامدة في مكانها. وعلى هذا .. خلال تطور حواسنا الخمسة، لعب الإحساس بالكسب والخسارة دوره الهام في الحياة، تماما مثل عجلتي العربة التي تتحرك عليهما، انزعْ إحدى العجلتين وسوف تفقد الأخرى أيضا معناها، وبالتالي تتوقف العربة على الفور.
إن الصراع بين الحياة والموت الذي ينتج عنه الألم والمعاناة، يخلق أيضا البهجة والسعادة. وهو العامل الأول في قوة الدفع التي تزود عربة التطور بالطاقة اللازمة للتقدم إلى الأمام دائما" (الوحي، العقلانية، المعرفة والحق).
ويقول القرآن الكريم إن هذه الحياة لن تخلو من المشقات والصعوبات، بل إن هذه المصاعب ضرورية لتحقيق هدف حياتنا المتمثل في التقدم في معرفة ومحبة خالقنا وتحسين أخلاقنا باستمرار، لذلك وحيث أننا نتمتع بالإرادة الحرة لا بد أن نمر بالمحن والاختبارات لإثبات إن كنا نستحق فعلا أفضال الله وبركاته، إن كل نوعٍ من المعاناة هو في الواقع خسارة لبركة من البركات التي حبانا الله تعالى بها، على سبيل المثال فقدان طفلٍ يجلب على أهله الحزن الشديد وهذا بسبب ما يجلبه وجود الطفل من بركاتٍ وسعادة.
عندما نتفكر بآلاء الله التي حبانا بها، ندرك أنها أكثر بكثير من ما يلم بنا من محن، لذلك يعلمنا الإسلام أن معاناتنا وآلامنا ليست بلا معنى بل إنها تحقق هدف حياتنا، حيث يقول القرآن الكريم: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" (البقرة: 156-158)
إذن إن فقدان نعمة من نعم الله يذكرنا أن هذه الأمور الدنيوية زائلة، وأن علينا بالتالي أن لا نتعلق بها ولا نتفرغ لها فقط، بل علينا أن نعلق قلوبنا بالله وحده لأنه السرمدي الوحيد، وهو رازقنا ورازق أحبتنا في هذه الدنيا وفي الآخرة.
إن حياتنا الدنيا ليست سوى طرفة عين، وهي مجرد امتحان علينا اجتيازه بنجاح عن طريق عبادة الله وشكره في السراء والضراء، ومن خلال أداء حقوق عباده، يقول الله تعالى:
"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ* سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" (الحديد: 21-24)
تعلمنا هذه الآيات أن علينا أن لا ننظر إلى أمور الدنيا الزائلة وأن لا نفخر ولا نعتز بما لدينا من ثروات أو أولاد أو غيرهم فالله لا ينظر لثرواتنا ولا يهتم بإنجازاتنا الدنيوية ما لم تكن مقرونة بالتقوى والصلاح.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" (صحيح مسلم).
الخلاصة إذن هي أن غالبية المعاناة من صنع الإنسان، أما الأنواع الأخرى منها فهي جزء من هذه الحياة على الأرض، وعلينا أن لا ننظر دائمًا إلى المعاناة نظرة سلبية، لأن المعاناة هي التي تكشف معدننا الحقيقي ومدى تقوانا واتكالنا على الله، فندعو الله أن يمكننا من الإنابة إليه في السراء والضراء، ومن اللجوء إلى بابه وحده وقت المحن متحلين بالصبر والثبات حتى ننال رضاه تعالى، آمين.