سارة عبد الستار - ألمانيا



 مسألة الإمام المهدي عليه السلام بدأت معي لما كنتُ صغيرة ولأني أكبر أخواني فكنت أعلّمهم دومًا أن يدعوا الله سبحانه وتعالى أن نكون من أتباع الإمام المهدي، لأننا نعرف أنه ليس من السهل أن يكون المرء تابعًا للإمام المهدي ولا نعرف لماذا. وكنت أخبرهم أيضًا أن الزمن الذي سيأتي به الإمام المهدي هو الأفضل على الإطلاق لانه سيملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجوراً. كان والدي صوفياً من أتباع الطريقة العلية القادرية الكسنزانية لأكثر من عشرين سنة من حياته وكان الأهم عنده هو الإمام المهدي وبأن يكون من أتباعه، وأنا لما صار عمري ١٥ سنة أصبحت صوفية وكنتُ ملتزمة بتسابيح وأوراد وأذكار وصلاة. والصوفية في العراق هم أفضل أشخاص على الإطلاق من حيث الأخلاق والالتزام والمعتقدات. في ٢٠١٠ وبالصدفة رأى والدي قناة وعليها صورة مكتوب أسفلها الإمام المهدي والمسيح الموعود؟!! استغراب شديد وانتظار ومتابعة للقناة وتحقق من الأمر عدة أسابيع من خلال الموقع بقراءة كل مايتعلق بمسألة الإمام المهدي عليه السلام، وإذا كان الأمر صحيحًا فستذهب كل تلك السنين التي أمضاها في انتظار الإمام المهدي سدى فقد ظهر ومات منذ ١٩٠٨ ولم نعرف ولم يخبرنا أحد. ولما استخار والدي الله في بيان حقيقة الإمام رأى حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم من أول مرة وأول استخارة وهو طول عمره في التصوف لم يره واضحًا كهذه المرة. أخبرني بذلك وكنت في السنة الثالثة من المرحلة الجامعية، وقلت معقول الإمام ظهر منذ زمن ونحن ندعوا أن نكون من جنوده وهو ميت الآن! كان والدي يشرح وهو في أشد التعجب والاستغراب لما لم يخبره أحد! وكان لدى أصحابه بالتصوف علم بذلك وقد أغلقوا القناة وأمروه بذلك لكنه رفض وقال إنه الحق وهذا الإمام الذي أمرنا الرسول بمبايعته ولو حبواً على جبال الثلج، عندها ترك الطريقة ولم يرجع لها أبداً لكنه ظل ينصحهم ويحثهم على قراءة كتب الإمام وأن يستخيروا الله لأنه الإمام الحق، ومحرومٌ كل من عرفه ولم يتبعه وهو في ضلال إن صار ضده.
أما أنا فلم أكن مدركة لحجم الأمر حقيقة، ولانشغالي بالدراسة لم أتابع أو أقرأ، لكن أعطاني والدي كتابين لحضرة الإمام المهدي وهما "مواهب الرحمن" و"كرامات الصادقين" قرأت شيئًا بسيطًا منهما، لكن الشيء الذي لفت انتباهي أثناء مطالعتي البسيطة واليسيرة لها، أنه لا يوجد أي مصادر أو مراجع اقتبس منها الكاتب ومن أول كلمة إلى آخر كلمة منه عليه السلام! كيف ذاك والمكتوب فيهما شيء عظيم وكبير جداً لم ولن يستطيع أي إنسان مهما بَلَغَ من العلوم ومعارف اللغة أن يتمكن من أن يكتب بهذه الطريقة الرائعة السلسة واللغة العربية الفصحى والتي كان من الصعب علينا جدا ونحن عرب أن نفهمها! إلا أن يكون وحياً من الله لذلك الشخص ويتكلم الله معه حقيقة. الشيء الثاني الذي جعلني أوقن أن هذا الإمام صادق ١٠٠٪ هو رؤيتي للأحمديين على التلفاز، وفي المرة الأولى التي أرى فيها القناة كان يُبث برنامج الحوار المباشر وكان الموضوع عن الشيعة ووالدي هو من ناداني لمشاهدة القناة..... استغربت جدا جدا - استغراب، تعجب، فرح وسعادة - وقلت بنفسي ما شاء الله لم أر مشايخ وعلماء يتكلمون عن الدين مثل هؤلاء. سبحان الله!!! ماهذا النور الذي يملأ وجوههم وكلامهم ومجلسهم. سبحان الله!!! ماهذا الأسلوب اللطيف الجميل البريء الذي يتكلمون به، والرقي الذي يتصفون به خلال مناقشتهم للآخرين، كيف ذاك؟ لابد أن يكون هذا الإمام الذي يتبعونه صادق ومُرسل من الله عز وجل. فحقيقتهم وجوهرهم واضح وظاهر للعيان، عيونهم ووجوههم وكلامهم وقلوبهم النقية تنطق بالصدق. هؤلاء هم المسلمون الحقيقيون وهذا هو الإسلام الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. لم أر في حياتي مثلهم لأني كنت كثيرًا ما أتابع وأسمع لمشايخ السنة وعلماء وسادة الشيعة وشيوخ الطريقة الصوفية.
خلال هذه الحلقات وقبل أن أرى القناة كان والدي قد اتصل ليشارك بالبرنامج، وحدث طارىء فخرج من البيت وترك الهاتف وقال لي إن اتصلوا من قناة الأحمدية فتكلمي معهم فالموضوع عن الشيعة، وذهب. أنا لم أسأل والدي أي شيء، وقلتُ كيف أتكلم في القناة وأنا لا أعرف ما هي المسألة أصلاً ولم أتابع حوارهم. وفعلا اتصلوا ورددتُ أنا وطلبوا مني الانتظار حتى يحين وقتي، ولما حان دوري حييّتهم ودعوتُ لهم وطلبت منهم الدعاء. ففي إعادة الحلقات طلب والدي أن أشاهد الحوار وعندها شاهدتهم لأول مرة وتعجبتُ وقلتُ هل أنا تكلمتُ مع هؤلاء؟! منذ ذلك العام٢٠١٠ وأنا مؤمنة وفرحة بالأحمدية ومنتمية للجماعة. لم أُبايع رسمياً الا بعد أن تخرجت من الجامعة وسافرت إلى سوريا ٢٠١١ مع والدي، وقابلنا عائلة السيد ناصر عودة التي عرّفنا عليهم المركز.
بايعت والدتي وأخوتي بعد أن سمعوا الأدلة وشاهدوا القناة ولم يعارضنا الأقرباء لكنهم لم يقتنعوا ولم يؤمنوا.
مسألة نزول عيسى عليه السلام لم أتطرق إليها في حياتي، لأنه كان لديّ الكثير من التساؤلات حولها وكنت أرى أن الله فقط يعلم الإجابة؛ كيف ولماذا صعد إلى السماء وكيف سينزل ولماذا سينزل؟! لكن الشيء الوحيد الذي كنتُ مسرورة به هو أنه سيصلي خلف الإمام المهدي أي سيكون من أتباعه ولربما سيحض المسيحيين على اتباعه أيضًا. أما مسألة الجن ففي الصوفية كانوا يقولون لنا "شيخ الإنس والجان" ولم أعرف كيف شيخنا في الطريقة هو شيخ الجان؟ ولما سألت والدي لم يعرف ولما سأل من هم أعلى منه مكانة في الطريقة لم يعرف أحد ولم يجبه أحد إجابة شافية. أما عن خاتم النبيين فمفهوم الصوفية مشابه لمفهوم الأحمدية، وأيضا أخلاقهم وتواضعهم والتزامهم بالأخلاق الحسنة.
لما كنتُ في مرحلة المدرسة الإعدادية كان الصوفيون قلّة، فكنت أتساءل إن كانوا هم من يمثلون الإسلام الحقيقي فكيف سيعرف المسلمون جميعًا بهم؟ لم أتوصل إلى جواب وكنت أقف حائرة فأترك الأمر ولا أفكر فيه.
كنت أتابع القنوات الدينية السنية والشيعية وقرأت بعضًا من كتبهما؛ كان نصف حديث الشيعة عن مقتل الإمام الحسين عليه السلام فتتحول المحاضرة أو البرنامج للتركيز على ذلك، وتخلو من أي تعليم لأخلاق الإسلام وجوهره الذي كان على نهجه الحسين وآل البيت عليهم السلام، وهم قد تخلوا أيضا عن الطرق التي على المسلم اتباعها ليسمو بنفسه ويطهرها من أدرانها ودنسها حتى يصل عتبة الخالق سبحانه.. لم ولن نسمع من حديثهم ما يوصلنا إلى ربنا وكيفية ارتقاء الروح والعيش حياة الأولياء والعارفين. أما السنة فكانوا يتكلمون عن الإسلام وأخلاقه التي أُمرنا أن نتحلى بها وكيف تحلى بها الصحابة وضربوا أروع الأمثلة، وكانوا يشوّقون السامع للاستماع فكل شيء يقولونه صحيح ١٠٠٪ فكنت أسأل نفسي إن كانوا مخلصين في ادعائهم وطيبين وأنقياء لهذه الدرجة لماذا أتباعهم من السنة والسلفية والوهابية لايتحلون بهذه الأخلاق الجميلة الرائعة للإسلام؟!! ولماذا لايزدهر الإسلام على يدهم وليس فيهم من يمثل الإسلام الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟!! هل ترك الله عز وجل دين الإسلام بعد أن أرسل حبيبه المصطفى ليقيم هذا الدين؟ فهل هذا هو الإسلام الذي أقامه الرسول طيلة حياته وعانى ما عانى من أجله؟ وقُتل الإمام الحسين عليه السلام وأهله وأصحابه وأولاده بعده؟! كانت علامات استفهام كثيرة تواجهني حتى ونحن متصوفة، لكن هناك نقص وخلل كبيرين في كل مفهوم ومعتقد وكل ما يقع تحت اسم الإسلام وحتى المسلمين. كنا لانعرف شيء عن الله لكني كنت أتكلم معه تعالى بخصوص كل تلك المخاوف وكنت على يقين أنه يسمعني ويراني وهو قادر على كل شيء لكني لا أعرف بعدها هل ممكن أن يغير أو هل سيستجيب الدعاء أو هل ممكن أن يكون قريبا منا ويتكلم ويجيبنا ويحفظ الإسلام؟. وكنا كثيراً ما نتابع الشيخ اللبناني المتخصص بالإمام المهدي فقط وهو علي الكوراني وكنا متشوقين لبعثة الإمام.
كذلك لما كنت أقرأ في القرآن الكريم عن عذاب جهنم كنت أقول في نفسي: هل من المعقول أن يكون الله سبحانه وتعالى بهذه القسوة ويُعد سنين عذاب مهين وأليم ومخيف للكفار وللذين يعملون سيئات كبيرة وصغيرة! وكنت أُجيب نفسي قائلة: حاشى لله أن يكون هكذا فهو الرحمن الرحيم، اللطيف، الودود، الرؤوف الذي يحب العبد ويخاف عليه أكثر من خوف الأم الرَؤوم على طفلها الرضيع، وأن الله ليس بهذه الصورة، وكان القرآن بمثابة كلامٍ مقدس لي وهو معجزة الرسول والإسلام لكن ما معنى فحواه؟ لا أعرف، قرأت مرة في كتاب تفسير القرآن الكريم لشيخ الإسلام محي الدين بن عربي في تفسير سورة الفاتحة يقول: نحن علينا التفسير والمهدي سيأتي بالتأويل الباطني للقرآن الكريم. استوقفتني هذه العبارة وقلتُ في نفسي أن القرآن يحتوي من العلوم الإلهية والمعارف الربانية والأسرار الدفينة التي لا يمكن لنا أن نعرفها من القراءة المجردة وعلينا أن ننتظر الإمام المهدي عليه السلام فهو من سينورنا بتلك المعارف وبهذه المعجزة التي لا نعرف عنها شيئًا بالمرة. لما كنت أفكر بالإسلام وأمر المسلمين، كنت أتساءل هل سيأتي يوم نُنقذ فيه من هذا الضياع الذي نعيش فيه؟كل هذه التساؤلات استمرت معي من سن ١٦-٢١ عاما. والحمدلله أن هدانا سبحانه وتعالى إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية بمشاهدة والدي للقناة بالصدفة عام ٢٠١٠م، حيث بعد انضمامنا للأحمدية أُنقِذنا من الضياع وأحسستُ أن الله تعالى لم يترك الإسلام مبعثرا، لانه لاتزال هناك جماعة أنشأها الله بنفسه لحفظ دين الإسلام دين محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأيضا لما قرأت تفسير سورة الفاتحة في كتاب كرامات الصادقين تذكرت قول الشيخ ابن عربي رحمه الله في أن المهدي سيأتي بالتأويل الباطن للقرآن والحمدلله اطمأننت جدا بتفضل الله علينا بمعرفة الإمام المهدي الذي هو ضالة الباحث عن الحقيقة والباحث عن الله، صرت أحُب القرآن كثيراً وعلمتُ أنه كتاب حيّ ليس مجرد كلمات، صرت أقرأه وأعلم في داخلي أن في كل حرف منه بركات عظيمة كما علمنا المسيح الموعود عليه السلام، وكل شخص يغترف منه حسب طاقته ومستواه الأخلاقي وصفائه ورُقيِهُ الروحاني. عرفتُ أن عذاب النار هو نار الندم والحسرة والخسران وسيعيش من يستحقها في الدنيا بهذه النار وهي نار الحقد والحسد والغصب وأفعاله المشينة والسيئة ستتمثل له وسيتعذب بها من شدة قباحتها وشرها يوم القيامة، أما الجنة فسيعيشها من يستحقها هنا في الدنيا أولا قبل الآخرة وهي تتمثل في أعماله الصالحة وأخلاقه الطيبة وقربه من الله تعالى. شعرتُ بأننا سعداء جدًا لأن الله سبحانه استجاب دعواتنا في رؤية الإمام المهدي وجعلنا من أتباعه. أحسسنا بالفضل والمنة العظيمة له سبحانه لأنه حفظنا من الضياع ونظر بعظمته وجلاله إلينا ونحن صغار وضعاف ولسنا حتى بتلك المعرفة الكبيرة وحقق لنا كل ما نتمناه...
إنه تعالى يراقب حتى أفكارنا وأحاسيسنا ويعطينا ويرزقنا أفضل مما نطلب أو نسعى إليه. سبحان الله والحمدلله، ازداد حبي لإلهي وخالقي وربي الذي يراني كل وقتٍ وحينٍ وآن، وهو معي دائما ويحبني ويخشى عليّ أكثر من حُب أمي لي وخوفها عليّ، وحتى مشاعرنا التي في داخل نفوسنا ولايكاد يطّلع عليها أحد فهو يخشى أن تؤذى تلك المشاعر.. أعني أنه سبحانه يخاف علينا كما الأم التي تخشى أن تُجرَح أو تتأذى مشاعر ابنها ولو بشيء بسيط، فهي تخاف عليه وتتمنى أن لا يتألم أبدا في حاله وحياته وجسمه وحتى في مشاعره وأحاسيسه - أيقنت بشدة أن كل خير يصيبني هو من عنده سبحانه، وأن كل شر أو سوء يصبني فهو من نفسي ومن سوء تدبيري؛ تيقنتُ أن الله يحب المؤمن ويدبر له جلّ أموره، وأنه تعالى ما منع شيئًا كنتُ أتمناه إلا ليرزقني أفضل منه فله كل الْحَمْد والثناء، فهكذا يجب أن يكون حال المسلم المؤمن.. كل أمره لله تعالى وعندها لن يُذَل ولن يُخزى. هذه عقيدتي بعد أن صرت أحمدية والتي أعيشها كل يَوْم، ووالدي يحثني وأخوتي دائمًا أن نتشبث بالله بقوة ونُسّلم كل أمرنا إليه ونتمسك بأهداب الأحمدية فإن حدث وضعفنا يومًا فإنه ووالدتي -جزاهما الله عنا كل الخير- كانا يرجعاننا لمعتقدات الأحمدية ويدعماننا ويسانداننا بقوة لنبقى على ذلك الطريق.. طريق الإيمان القوي والإسلام الحق. في شهر فبراير من العام ٢٠١١ قَرر والدي السفر إلى سوريا من أجل التعرف على الأحمديين خارج شاشات التلفاز، ففرحنا جداً لأننا سنتعرف أخيراً على أتباع الإمام المهدي ونلتقي بهم. بعد يومين من ذهاب والدي، وكنتُ حينها في السنة الرابعة والأخيرة من دراستي الجامعية، اتصلت بي والدتي وقالت لي بأن أبي اتصل بها وطلب أن نتصل بالجماعة عن طريق الإنترنت أو الهاتف ليعطونا أو يدلونا على الجماعة في سوريا لأنه لم يجد ما يخص الجماعة أبداً ولم يقابل أي أحمدي وهو في غاية الحزن والإحباط. أجبتُ والدتي سأرى ما يمكنني فعله، بحثتُ في الإنترنت وفتحت الموقع فلم أجد عنوان أو رقم هاتف، بحثت عن شيء بخصوص الجماعة في سوريا لكني أيقنت أنني أبحث عن إبرة في كومة قش. تساءلت ماذا عساي أن أفعل؟ أبي في سوريا ولم يتعرف على الأحمديين وهو قد ذهب للتعرف عليهم؛ كنتُ أحتفظ بهاتفي بأرقام قناة الأحمدية التي تظهر على الشاشة فاتصلت بهم من هاتفي النقال وكان الوقت بحدود ١٠ بتوقيت غرنيتش ورد عليّ شخص يتكلم الإنجليزية، فقلت له ماتعريبه: السلام عليكم أنا سارة من العراق هل يمكنني أن أتكلم مع أي شخص يستطيع التحدث بالعربية؟ فقال لي انتطري لحظات لو سمحتِ. وأحسستُ أنه ترك سماعة الهاتف وذهبَ مسرعًا وبعد نصف دقيقة أو أكثر بقليل رفع شخص سماعة الهاتف وقال السلام عليكم معكم منير عودة تفضلوا. عرفت أنه جاء مسرعًا لأني سمعت أصوات وقع أقدام الأخ غير العربي تبتعد مسرعة فجزاه الله خيرًا وذلك حتى لا يبقيني أنتظر فترة طويلة، وكذلك جاء الأستاذ منير عودة بسرعة خشية أن أكون انتظرت طويلاً، أعجبتُ جدا بأسلوبهما الأخلاقي الراقي هذا وكيف لبّيا طلبي دون تأخير.. فقلت له السلام عليكم أنا سارة عبد الستار من العراق، والدي في سوريا الآن وقد سافر من العراق ليرى الأحمديين فقط ويتعرف على الجماعة في سوريا ومنذ أن وصل لم يلتقِ بأيّ أحمدي ولم يجد أي مركز للجماعة هناك. فقال أنا سأتكلم مع الشخص المعني وهو سيتابع الموضوع إن شاء الله، فقلت له أرجوك فليس لدى والدي أي عمل هناك وذهب للتعرف على الأحمديين فقط. ثم اتصلتُ بأمي وأخبرتها باتصالي بالقناة وتكلمي مع منير عودة وكم كنتُ مسرورة بذلك.
في الواقع، أبي لم يترك العراق أبداً رغم كل ما حدث فيه من قتل وعنف وطائفية، ولكنه لما عرف الإمام المهدي والأحمدية قال عليّ أن أسافر لألتقي بجماعة الإمام ولو تتطلب مني الأمر أن أترك بلدي نهائياً بحثاً عن جماعة المؤمنين جماعة الإمام المهدي وخليفته وأستركه ولن أبالي.
المهم، اتصل بوالدي الأخ عبد القادر عودة وقال له إنه سيأتي بالليل لأخذه ليلتقي بأحمديين آخرين وكان أبي فرحاً جدا وسُعدنا جدا والحمدلله عند سماعنا أنه أخيرا التقى بالجماعة الأحمدية. بعد لقاء والدي بالأحمديين بيوم واحد فقط رجع إلى العراق لأنه كان قد حجز للعودة قبل لقائه بالأحمديين، والحمدلله رب العالمين. أحسسنا بفضل الأحمدية قد جاء إلى العراق بعد مجيء والدي إلينا، وحدث أن اتصل الأستاذ عبد القادر وقال أن ابنته تود أن تتكلم معي فتكلمتُ معها وهي صديقتي وأختي -نور عبدالقادر عودة- كانت غاية في اللطف والجمال، واتصالي بها استمر دائمًا فكان لا يمر أسبوع او اثنان إلا ونتصل ببعضنا بالرغم أنها كانت تصغرني بست سنوات فهي كانت في المدرسة وأنا في المرحلة الأخيرة من الجامعة. أحببنا بعض حباً كبيراً ولم نر بعضنَا، حمدتُ الله كثيراً جدا لأنني منذُ الصغر كنتُ أتمنى أن يكون لي صديقات من خارج بلدي وبالأخص من سوريا، وفلسطين ولبنان والحمدلله كثيرا فحتى هذه الأمنية البسيطة حققها لي. تمنيتُ كثيراً أن ألتقي بها وبعائلتها فأخبرني والدي أنه لما أنتهي من دراستي بالجامعة سنذهب إليهم؛ وبالفعل وفي يوم ميلادي بالتحديد يوم الرابع والعشرون من يوليو من نفس السنة ٢٠١١ سافرتُ إلى سوريا وألتقيتُ بأجمل وأروع أناس رأيتهم في حياتي وصادف أنه اليوم الأخير من جلسة بريطانيا السنوية لعام ٢٠١١ وكان دخولنا إليهم وقت البيعة العالمية، وكان أول شخص رأيته هو خالد ناصر عودة عم نور ورأيت رئيسة لجنة إماء الله في سوريا والسيدة بارعة عودة ثم التقيتُ بنور وبكل بنات العائلة وكن طيبات لدرجة يعجز اللسان عن وصف ذلك، الحمدلله رب العالمين على نعمه وأفضاله العظيمة علينا حقاً التي ما كنا نستحصلها أبدا في غير الأحمدية ونحن جد شاكرين له ويستحيل علينا أن نوفيه شكره. وبعد ثلاثة أيام قرأت استمارة البيعة أمام الجميع وبايعت رسميا وملأتُ استمارة البيعة، أنا مبايعة للإمام منذ بداية ٢٠١٠ ومؤمنة به وأحسست بالفضل العظيم وبركة الأحمدية منذ ذلك الوقت. كانت عائلة الأستاذ عبد القادر من أخوة وأخوات وأبناء فرحين بنا جدا وببيعتي للأحمدية واحتفلوا بنا في ذلك اليوم المبارك يوم البيعة. بعد ذلك بيوم رجعنا إلى العراق وحكينا لوالدتي وأخواتي عن جمال الأحمديين، وكانت والدتي وأخواتي مؤمنات بالإمام منذ ٢٠١٠ لكنهن لم يرسلن استمارة البيعة وتمنين أن يذهبن إلى سوريا للبيعة ورؤية الأحمديين.
والدي استمر بدعوة وتبليغ أخوته وأخواته وأولادهم وأقربائه وأصدقائه وزملائه وكل من يعرفه، لكن لا أحد مطلقا صدقهُ أو أيده وكان ديدنهم المعارضة فقط حتى وإن رأوْا كل آيات صدق الإمام. ولاقى أبي المعارضة الشديدة والمقاطعة والسخرية وعدم الاحترام من الجميع وهكذا استمر هذا الحال حتى تركنا بيتنا في نهاية ٢٠١٤. كنا على تواصل مستمر مع الأحمديين في سوريا ولكن عند نشوب الحرب انقطع الاتصال ولمدة طويلة جدا ٩-١٠ أشهر واتصلنا بكل الأرقام التي كنا نتصل بهم إليها حتى عجزنا فلا يوجد عندهم أي تغطية، قلقنا جدا جدا بشأنهم وأين ممكن أن يتواجدوا في هذه الظروف، وصرنا ندعوا كثيراً أن يكونوا بخير، وعند مجيء عيد الفطر المبارك، كان هناك برنامج على قناة mta3 يقدمه الأستاذ أيمن المالكي مختص بتهاني العيد، فاتصلت لين وماريا عبدالقادر عودة من غانا ليقدمن التهنئة فلم أصدق أنني أسمع صوتهن من جديد وأنهن بخير ومتواجدات في غانا الآن، فركضت مسرعة إلى والدي وأهلي لطمأنتهم على سلامة أهلنا السوريين ودخلت الفرحة أعماق قلوبنا لأن أولئك الأعزة بخير وأصبح عيدنا عيدًا حقيقيًا، وبعدها بفترة تم الاتصال معهم، والحمدلله كثيراً على سلامتهم. في ٢٠١٢ تم اختياري لدراسة الماجستير في الكيمياء لكن ليس في بغداد إنما في محافظة صلاح الدين، مدينة تكريت. لما ذهبتُ هناك وبحكم بعد هذه المدينة عن بغداد حيث أسكن، ولأن اختصاصي يحتاج الكثير من الدراسة، سكنتُ في قسم داخلي تابع لجامعة تكريت تقطنه الطالبات اللواتي أتين من مناطق بعيدة شمال وشمال غربي العراق، كان الناس هناك محترمون جدا والبنات بحكم تواجدي معهن في نفس المكان كنّ أكثر تقبلاً للرأي واحترماً للشخص المقابل من الناس في بغداد. تكلمتُ مع عدة صديقات منهن بشأن الإمام المهدي وواحدة ناقشت الأمر وقالت كيف يكون قد خرج ولم يعرفه الناس؟ ومنهن من طلبت الوقت لتدرس وتتحقق من الأمر، ومنهن من كانت تسمع فقط ولما أسألها ماذا تعني الأحمدية؟ فتجيبني: الإسلام الحقيقي. كل من سمع مني عن الإمام وأن عقيدتي مخالفة له ظل يحترمني، كان هذا هو الفرق بين الناس في تكريت وفي بغداد حيث في بغداد يسخرون ويستهزئون ويقاطعون ويكّفرون أيضا وهم أكثر تعصباً وتشدداً للمذهب والعقيدة.
في السنة الثانية للماجستير كان هناك برنامج يتضمن ابتعاث طلبة الدراسات العليا إلى دول العالم لتكملة أبحاثهم التخصصية. منذُ المدرسة كنت أتمنى أن أكمل الجامعة أو الدراسات العليا في دولة أوروبية ولما عرفتُ الأحمدية وأن حضرة خليفة الإمام المهدي موجود في لندن، صار كل أملي أن أحصل على هذه البعثة لكي أرى خليفة الإمام المهدي أيده الله بنصره العزيز والجماعة في لندن. في تلك السنة تخصصتُ في إحدى فروع الكيمياء "العضوية" وهو الفرع الأكثر حباً وقرباً إلى نَفْسِي وصار عندي أستاذة مشرفة على عملي وبحثي، سألتها عن الأمر فقالت لا أمانع وأتمنى أن تكملي بحثك في الخارج.. عندها بدأت أسعى وأسعى ودعوت لله سبحانه وتعالى بحرارة وكنتُ أقول له: يارب سهل لي سفري إلى بريطانيا لكي أرى حضرة أمير المؤمنين، وأعيش مع الأحمديين هناك، وأحدث في نفسي ذلك التغيير الطيب الذي أراده منا الإمام المهدي عليه السلام ثم أكمل بحثي العلمي على أكمل وأتم وجه لكي أرفع سمعة بلدي. كان هذا الدعاء يرافقني ليل نهار وفي كل خطوة أخطوها كنت أطلب الدعم والمساعدة من الله عز وجل، كان الكثيرون يقولون سوف تتعبي فقط ولن تحصّلي شيء! حيث كان من الصعوبة البالغة أن يحصل طالب على بعثة للخارج.
لما أنهيت الأوراق اللازمة من الجامعة وذَهبت إلى وزارة التعليم العالي والحث العلمي العراقية، بعدها بعدة أيام اتصلت بي مشرفتي لتخبرني أن الوزير قد وافق على البعثة وعليكِ أن تذهبي إلى الوزارة لتكملة الإجراءات. كل من علم بالأمر كان يسأل مشرفتي: كيف حصلت طالبتك على البعثة البحثية؟ فمن المحال أن يحصل عليها أي طالب ما لم يكن أحد في الدولة يسانده! وحتى مشرفتي انتابها الشك رغم أنها تعرف جيدًا كل خطوة أقوم بها وتعلم جيداً أنه لا يوجد من يساندني ويعينني غير الله وحده سبحانه، وسألتني: هل يوجد من ساعدك بالأمر، أنا أعرف كل شيء عنك لكن إن وجد أرجو أن أعرف. فقلت لها: لا والله يادكتورة لايوجد أي شخص ساعدني فقط الله وحده كان معي في كل خطوة وهو من ساعدني لأنني دعوته كثيراً أن يسهل لي الأمور والحمدلله أنه يساعدني وييسر لي الكثير. عندها بقيت مشرفتي صامتة وقالت: أنا لا أصدق أنه يوجد إنسان هنا في العراق متوكل على الله إلى هذه الدرجة ويدعوه ويؤمن به إيماناً قوياً بأنه سيستجيب دعواته وأنه سيسهل له كل أموره. فقلت لها بلى دكتورة أنا طلبتُ من الله سبحانه وأنا على ثقة عالية به أنه سيستجيب دعائي. فقالت لي منذُ أن عرفتك وكل يوم أكتشف شيئاً جديداً فيكِ سلِمت يدا أبويكِ على هذه التربية فنعمَ ما أنجبا وربّيا. شكرتها على دعائها لأبي وأمي، جزاها الله وجزى والدّي عني كل الخير.
بعد أن أنهيتُ الإجراءات الطويلة بشأن البعثة وكان أهلي معي بكل خطوة وتعذبوا معي كثيراً وبالأخص والدي، قدمتُ أخيراً على تأشيرة المملكة المتحدة وكان الرد يأتي بعد ٣-٥ أسابيع. كنتُ قد أرسلتُ لحضرة أمير المؤمنين رسالة طلبتُ منه الدعاء بالتوفيق من الله وتسهيل وتيسير كل الأمور، عندها اتصل رئيس الجماعة الإسلامية الأحمدية في بغداد بوالدي وأخبره أن رسالة وصلت إلى سارة من حضرة أمير المؤمنين وقد دعى حضرته لها. أرسلتُ إلى المكتب العربي فيما إذا يتواجد في مقاطعة ويلز/ مدينة بانكر أحمديين أم لا، لأني أود أن أسكن مع عائلة أحمدية ولا أرغب بالعيش مع غير الأحمديين. فردوا علي إنه لا يوجد أي أحمدي يعيش هناك، فأرسلت لهم رسالة أخرى كيف سأسكن إن لم يوجد أحمديين في المنطقة التي سأدرس بها؟ وبعد ذلك بأسبوعين وصلتني رسالة من الأستاذ عبد المؤمن طاهر جزاه الله يقول فيها: إنه رفع رسالتي لحضرة أمير المؤمنين وأنه قال بعد أن أمر المسؤولين بمتابعة الأمر وتبين عدم وجد الأحمديين هناك عليّ أن استأجر غرفة قريبة من الجامعة وأسكن فيها. فرحتُ كثيراً من جهة لأن حضرة أمير المؤمنين بنفسه يتابع أمري ويطلب مني أن أستأجر قريبا من الجامعة، سبحان الله! يا لتواضع هذا الخليفة يترك كل أموره ويتابع أمر أحمدية واحدة من مكان بعيد يدعى العراق! ازداد حبي وإعجابي بحضرة الخليفة كثيراً. وحزنتُ من جهة لأنني لن أستطيع أن أقضي كل وقتي مع الأحمديين. أرسلتُ مرة أخرى للمكتب العربي فيما إذا كنتُ استطيع رؤية حضرة أمير المؤمنين نصره الله، وردّوا عليّ: نعم تستطيعين ذلك. عندها استغربتُ جدا أنه بالرغم من انشغالاته الكثيرة الدينية والدنيوية من لقاءات واجتماعات بالمسؤولين والبرلمانيين وأعضاء المجالس، سوف يخصص جزءًا من وقته الثمين لرؤية أحمدية أو من أصبحت أحمدية قبل سنوات قليلة جدا ولا تقدم أي خدمة للدين وهي غير معروفة أصلا عند حضرته! سبحان الله ما عظمة هذا الإمام المهدي وعظمة خليفته وتواضعه. أخبرت أهلي وأنا في غاية السعادة وهم سعدوا جدًا أيضا.. سألت المكتب العربي مجددا عن مكانه ومكان مسجد الفضل فردوا على جميع إيميلاتي وأخبرتهم أنني أود أن أرى حضرة الخليفة والأحمديين قبيل ذهابي إلى الجامعة، فردوا طالبين مني أن أرسل تفاصيل رحلتي ليأتوا بي من المطار! كل يوم أتعرف على خلقٍ عظيم لجماعة الإمام المهدي فبتُ شاكرة لله كل حين، اتصلتُ بصديقة لي وهي كردية من كركوك شمال العراق، وهي تعرف عن الأحمدية من خلالي وهي من تقول عنها "الإسلام الحقيقي"، وكانت تتابع موضوع سفري وكنتُ أخبرها بكل شيء أتلقاه من الجماعة، فأخبرتها أن أناس هم من علماء الأحمدية يردون على رسائلي، والأكثر من ذلك أن حضرة أمير المؤمنين بنفسه طلب ان استأجر قريبا من جامعتي لعدم وجود الأحمديين هناك. وليس هذا فحسب بل سألتهم عن إمكانية مقابلة حضرته فقالوا لي نعم وبكل سهولة، قلت لها سبحان الله هذا الشخص الذي يجتمع بالرؤساء والوزراء والملوك ويخطب في البرلمان الأوروبي والكابيتول هيل الامريكية وغيرها ويلتقي بالشخصيات العالمية والدولية والسياسية؛ لديه وقت ليقابلني أنا! بنت أحمدية ومن العراق!!؟ فقالت طالما أنه شخص متدين فهو لا بدّ متواضع جدا، فقلت لها نعم هذه هي الأحمدية وهذا هو خليفة الإمام المهدي عليه السلام. وتمُرُ الأيام.. والسفارة البريطانية منحتني تأشيرة دخول وحجزت للسفر وتأزمت الأوضاع الأمنية في بلدي وساءت جدا وانقطع الإنترنت ولم أستطع إرسال إيميل للمكتب العربي أخبرهم بموعد سفري. ودعتُ أخوتي وأقربائي قبل يومين من سفري، لأن الطرق كانت قد قُطِعت من قبل الجيش العراقي ومنع الجميع من الخروج والدخول من المدن وفُرضَ حظر التجوال حتى إشعارٍ آخر بسبب الحرب على داعش وعصابات القتل والتكفير. خرجنا مع والدي ووالدتي لغرض المكوث في بيت عمتي القريب من مطار بغداد، لأننا قد لانستطيع الذهاب إلى المطار بسبب المعارك وعندها سوف لن أتمكن من السفر، وبالفعل سُدَّت كل الطرق وتكلم والدي مع قائد الجيش الموجود آنذاك ليسمح لنا بالمرور فسمح لنا.
عند وصولنا إلى بيت عمتي رتب والدي مع والدتي أمتعة سفري وفي يوم ١٧ يونيو ٢٠١٤ صباحاً باكراً أوصلاني إلى المطار وودعا ابنتهما التي لأول مرة تسافر بعيداً هكذا وظلا ينتظران ثلاث ساعات إلى أن حلّقت الطائرة. بعد أن ودعتُ أبي وأمي أكملت الطريق وحدي، وانتظرتُ بعد إنهاء إجراءات السفر بحدود ساعتين قبيل الإقلاع، عندها علمتُ من خلال بعض المسافرين أنه يوجد أنترنت في قاعة الانتظار، فتحتُ بسرعة لكي أرسل إلى المكتب العربي بأنني سأسافر اليوم وسأصل مطار غاتويك الساعة الثامنة بتوقيت لندن فأرجو أن يكون أحد بانتظاري. هذه نص الرسالة التي أرسلتها لكن إشارة النت كانت ضعيفة ولا أعرف هل وصلت الرسالة إليهم أم لا، فلم أكن أرى أن هناك إنترنت بجهازي ولم أعرف أين الخلل. كان أهلي على اتصال معي حتى صعودي الطائرة، وعلمتُ أن والدي اتصل برئيس جماعة بغداد ليتصل بالمكتب العربي ليخبره بسفري وأعطاني رقمه لأتصل به بعد وصولي، واتصلت أختي ميلاد بنور عبد القادر عودة في غانا لتتصل بأحد في لندن إن كانت تستطيع. أخيراً ولدى صعودي للطائرة اتصل والدي وَقَال اذا لم تجدي أحدا من الجماعة في المطار استقلي سيارة أجرة واذهبي إلى مسجد الفضل فعنوانه معك. غادرتُ وظل بالي مشغولا هل سينتظرني أحد في المطار أم لا؟ وإن لا هل سأستطيع أن أصل مسجد بيت الفضل؟ ماذا يحب أن أفعل وأنا في بلد أجنبي غريب وكبير، هل سأرى الأحمديين؟ كل هذه التساؤلات كانت تملأ عقلي ولا أعرف لها إجابة، كيف سأصل إلى الجماعة؟ كان هذا هو الموقف الأصعب على الإطلاق الذي سيواجهني. فقلتُ سأترك كل شيء لله سبحانه وتعالى وسأفكر لما أصل بريطانيا. استمرت الرحلة عشر ساعات، ولما وصلتُ كانت معي سيدة عراقية ولديها طفلة تعيش في بريطانيا فكنتُ أساعدها لأنها تعبت جدا في السفر، فسألتها عن عنوان مسجد الفضل الذي بحوزتي فقالت هو بعيد جدا عن المطار. بعد أن تم فحص الجواز وقد أخذ الأمر ساعة من الوقت إلى أن صعدنا إلى مكان أخذ الأمتعة ونزلت مع تلك السيدة، وعندها وجدتُ شخصا يحمل لافتة بعرض ٣٠ سم كُتب عليها "سارة عبد الستار" فكانت هذه اللحظة من أسعد اللحظات فذهبتُ إليه بسرعة وكأنه أخي أو قريبي وكأنني أعرفه منذ زمن لأني عرفت أنه من الجماعة. طلبتُ منه أن أودع السيدة العراقية واطمئنها فقالت لي اتصلي بأهلك من هاتفي فطلبت منها أن ترن لهم رنة فقط وسيعرفون أنها مني، وبالفعل بعد ثوانٍ معدودة اتصل أهلي برقمها وتكلمتُ مع أختي ميلاد وقلتُ أنني وصلت وأن أحدًا من الجماعة كان ينتظرني.
ثم علمت أن رسالتي التي أرسلتها من المطار في بغداد قد وصلت للمكتب العربي، والحمد لله.
وصلت مسجد بيت الفضل وتزامن وصولي مع وصول حضرة أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز ورجوعه من جلسة ألمانيا. نزلت في بيت الضيافة رقم ٥٣ وهناك جهزوا لي العشاء! صعدتُ غرفتي لأرتاح بعد سفر حوالي ١٨ ساعة لم أنم أو فيها إلا قليلاً. اليوم الأول لي في المملكة المتحدة وبالقرب من حضرة أمير المؤمنين نصره الله!! ياله من شعور جميل جدا جدا حيث تشعر أنك في الجنة. كان الأخوة العرب يهتمون جدا و طمأنُون عليّ دائما، والأخوة الباكستانيون يحضرون لي الطعام وعند كل وجبة ينادون عليّ ليسألوني إن كنت بحاجة شيء أو إن كنت أفضل شيئاً معيناً من الطعام فجزاهم الله كل الخير كانوا طيبين وأنقياء ولطفاء جدا. في اليوم الثاني زارتني الأخت والصديقة العزيزة ريم إبراهيم وقالت لي سنحدد لك لقاء مع حضرة أمير المؤمنين قبل أن تسافري إلى ويلز، وجلبت لي شريحة اتصال بريطانية، وصارت دائمًا تتصل بي وتطمأنُ عليّ وعَرفتني على أحمديين كثر، وذهبنا مع الأخت الأحمدية سارة وورد (وهي إنجليزية) إلى إسلام أباد، المكان الذي لايوصف بكلمات لجماله وجمال ساكنيه. قابلتُ أفراد المكتب العربي (الأساتذة: عبدالمؤمن طاهر، وعبد المجيد عامر، ومحمد أحمد نعيم) كانوا رائعين جدا جدا وطيبين، ولم أر الأستاذ محمد طاهر نديم وعلمت أنه في كبابير حينذاك.
وجاء يوم اللقاء، والتقيتُ بحضرة أمير المؤمنين.. ما أجمله من إنسان! إنه يفوق الجميع بتواضعه وحسنه وهيبته وقداسته وحقيقة يقف اللسان عاجزا عن وصفه وذكر محاسنه. سبحان الله القرب من حضرته والصلاة خلفه هي تزكية لنفس الإنسان فتنقيه وترفعه إلى مدارج الصالحين والأولياء والعارفين بالله، كل من يلتحق بالجماعة الأحمدية وإمامها خليفة الإمام المهدي سيسمو إلى عالم الأخلاق والروحانية وسيصبح إنسانًا غير عادي في هذا الوقت الذي يكاد ينعدم وجود مثل هؤلاء.. الأحمديون هم بحقٍ من يمثلون الإسلام الحقيقي الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم. أما عن الجلسة السنوية فهي اجتماعٌ عظيم يحفه الله ببركاته فتشعر بأن الله قريب معك وأن الملائكة تحيطكَ من كل جانب. ترى الكثير من الناس الذين لا تعرفهم ولم ترهم من قبل، لكنك تشعر بالحب تجاههم ومنهم ولما تلتقي بأي أحمدي تحس وكأنك تعرفه منذ وقت طويل جدا وأنه أقرب الناس إليك. لما كنت مع الأحمديين أحسستُ وكأنني مع أبي وأمي وأخوتي فلم يكونوا غريبين عني أبداً إنما صرتُ ابنتهم وأختهم ومنهم رغم أنها المرة الأولى التي أراهم فيها ولم أكن أعرفهم سابقًا، فتحس بحقيقة أن الجماعة كالجسد الواحد، فالجميع يحب ويخاف على أخوانه. قابلتُ الأستاذ محمد شريف عودة في الجامعة الأحمدية وقت الجلسة السنوية فكان هناك الكثير من الأحمديين، كان وجهه كالبدر المضيء ما شاء الله، فعرفني مباشرة واتجه نحوي وقال السلام عليكم أهلا وسهلا كيف حالكِ ووضع يده على رأسي، فقلت "الحمدلله عمو كيف حالكم". فقال العدد هنا فوق المتوقع ماشاء الله، تعالي معي إلى إسلام أباد لكني قلت: أخبرتني ريم انهم أعدوا لي مكانًا في الجامعة. فقال سأتصل بريم الآن وأخبرها أنني سآخذ سارة معي إلى إسلام أباد. واتصل بها وقالت له:" طيب بس دير بالك عليها".
الحمدلله رب العالمين في الجلسة ترى من يقومون بخدمة الضيوف وبمهمة الحراسة والأمن.. ما أروع أخلاقهم وما أجمل تواضعهم وحبهم لنا وكأنهم فقط يريدون منا أن نرضى... إنهم يقوموا بخدمة عظيمة وكبيرة ومع كل واجباتهم الكثيرة ترى التواضع والصبر والحب والإبتسامة لاتفارقهم أبدا والله وأنا لأول مرة أحضر الجلسة تمنيتُ أن يكون لديّ واجب أقوم به مثل هؤلاء الناس الأبطال... فأنا أقدر لهم خدماتهم وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيهم ويوفقهم ويكثر من أمثالهم وأن يجعلنا مثلهم، وأسأل الله تعالى أن يستجيب كل دعواتهم ويزيدهم نورًا وتقى وإخلاص وأن يقر عين حضرة أمير المؤمنين بهم ونكون أمثالهم اللهم آمين.
لما كنا نسمع كلام حضرة أمير المؤمنين كنا نتأثر به جدا، ولما نشاهد جلسة بريطانيا وألمانيا ونحن في العراق، كانت بركاتها تصل إلينا ونشعر وكأننا مع الحاضرين، ونتيقن بأن الخليفة شخصٌ عظيم وهو ليس ببشر عادي. ازداد حبي لحضرة أمير المؤمنين لما قابلته عندما أتيت إلى بريطانيا، وأحسست بحبه الكبير لي وكان يتكلم معي وكأني ابنته فكان يخشى ويخاف عليّ، وقد حفظ كل شيء عني وعرفني مباشرة لما قابلته ثانيا وثالثا!!. سبحان الله من يرى حضرة الخليفة في الحقيقة يوقن بأنه ملاك وتحيطه الملائكة وأن الله معه في كل لحظة، ويشعر بخشوع ورهبة وقشعريرة في جسمه ويشعر وكأنه في عالم آخر. لما التقيت بحضرته كان يسألني ويسألني ولكني لما كنت أخرج من مكتبه كان ينتابني خشوع كبير وأشعر برهبة في نفسي وروحي تستمر حتى اليوم الثاني، وأبقى مع الخليفة بعقلي وروحي وكأنني أعيش معه فقط وهو فقط موجود معي في هذه الدنيا وكانت صورته لا تفارق عيني. رؤية حضرة الخليفة على شاشة التلفاز لاتخبر الحقيقة بمقدار ١٠٪. والجلسة حدث عظيم يعجز اللسان عن وصفها، فمشاهدتها شيء والاشتراك بها شيء آخر مختلف تماما. الأحمديون الذين شاهدتهم على قناة إم تي إيه ٣ العربية كانوا أروع وأجمل بكثير، والنور الذي يملأ قلوبهم صار يملأ حتى المكان الذي يتواجدون فيه عند لقائهم. لما صرتُ أحمدية وبالأخص عندما قابلت حضرة الخليفة واشتركت بجلسة بريطانيا السنوية ٢٠١٤ أصبحت أرى الكثير من الرؤى عن أمير المؤمنين والجماعة والخليفة الرابع رحمه الله والأحمديين والحمدلله رب العالمين. من يرى الخليفة ويعيش بالقرب منه ومع الجماعة الأحمدية، لا يكاد يقوى على العيش بعيدًا عنهم؛ عندما رجعت إلى العراق فشعرت بسبب عدم وجود جماعة هناك وكأن المرء يعيش وحده وكأنه غصن يابس مقطوع من الشجرة، وانقطع عليه الماء والغذاء فلا حياة دون قرب الخلافة والجماعة ففي قربه الجنة وفي بعده النار.
قبيل موعد سفري للرجوع إلى بغداد طلبت أن ألتقي بحضرة أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز وفِي الأول من كانون الأول من العام ٢٠١٤ قابلت حضرته وأخبرته أنني سأعود إلى بلدي غدا... فقال (كما في كل مرة كنت أقابله فيها): "أنت من العراق وأتيت لعمل بحث الماجستير في الكيمياء؟" وكنت أقول نعم سيدي صحيح. وفِي هذه المرة أيضا قد تذكرني مباشرة ولما سمع أنني مغادرة غدا التفت مباشرة إلى الأخت ريم وقال لها لماذا لم تجدوا لها عريسًا؟!!
ريم كانت معي في كل مرة أقابل حضرته ( من أجل الترجمة)، فأجابته بأننا جلبنا لها ولكنها رفضت. فقال حضرته رفضت؟! لماذا رفضت؟!! فسأل حضرته عن أسماء الشباب الذين اقترحوهم علي للزواج فذكرت له الأخت ريم فلان وفلان وفلان.... فكان حضرة أمير المؤمنين يعرف كل واحد منهم شخصيا وما هو شكله ومواصفاته فصار يمزح ويقول: هي رفضت هذا لانه يبدو من شكله وكأنه لايزال ولد، ورفضت هذا الآخر لأنه أسمر وهي ممكن تريد شابًا أبيض... ثم نظر إليّ حضرته وقال إن زوجها (لريم) هو إفريقي أيضًا (الأستاذ إبراهيم إخلف).. فقلت ياسيدي إن كان عندكم شاب الآن فأنا سأوافق عليه فورا لأنني أريد أن أكون بجانبكم، فقال حضرته نعم أو ممكن أن تتزوجي في ألمانيا وتأتي إلينا هنا بين الفترة والأخرى لأنها قريبة. وقال حضرته أنصحكِ قبل أن تردي بشأن أي شخص أن تستخيري الله عز وجل أربعين يوما. فقلت نعم ياسيدي، وسألني حضرته هل أعطيتك خاتمًا؟ فقلت لا ياسيدي فأعطاني خاتم منقوش عليه "أليس الله بكافٍ عبده " وكان في المقابلة الأولى قد أهداني قلمًا كُتبَ عليه اسمه المبارك.
وهكذا رجعت إلى بغداد وأكملت متطلبات الماجستير وحصلت على الشهادة ولسوء الأوضاع الأمنية في بغداد قررنا السفر إلى بلد آخر والإقامة بالقرب من الجماعة. فأرسلنا لحضرته طلبا للمشورة لأي بلد ينصحنا به؛ فأرسل إلينا الأستاذ عبد المؤمن طاهر الرد لأنها كانت رسالة مستعجلة فقال إن حضرته قال اخرجوا إلى أي بلد تستطيعون الوصول إليه وأرى أن تسافروا إلى تركيا.
بعد تلقي الرد من حضرته سافرنا إلى تركيا وقد سهل الله عز وجل كل شيء لنا هناك بالرغم من أنه بلد مختلف ولغة مختلفة وكل شيء كان غريبًا بعض الشيء لكن الحمد لله بأول يوم لنا في المدينة التي عشنا بها أمطرت السماء مطرًا غزيراً لايوصف ولساعات بالرغم من أنه كان شهر أغسطس الحار وذلك في عام ٢٠١٥. بعد أيام استأجرنا شقة وأول يوم لنا فيها كان هناك حفل زفاف لأحد الجيران في البناء.
زرنا أهلنا الأحمدين في إسكندرون وقابلنا هناك الأخ المحترم إبراهيم إخلف وكانت المرة الأولى لاهلي عدا والدي التي يلتقون فيها بالسيد ابراهيم فأحبوه جدا. لما نلتقي بكل فرد أحمدي نشعر وكأننا نعرفه منذ زمان وهناك حب ومودة وحفاوة بالرغم من أننا نقابله أول مرة. أنا أتذكر كل فرد هناك وأحبه جدا وأدعو لهم بالخير وأشتاق إليهم.. لقد أصبح معظمهم في كندا الآن.
اقترح مكتب الزواج في الجماعة عليّ عدة أشخاص على التوالي لكن في كل مرة لم أكن أشعر بالارتياح .. إلى أن جاء شهر إبريل عام ٢٠١٦ وبالفعل وكما تنبأ حضرة أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز تقدم لخطبتي عن طريق الداعية الأحمدي المحترم في كبابير الأستاذ شمس الدين مالاباري والأستاذ العزيز محمد طاهر نديم؛ شاب كريم من ألمانيا وتم كل شيء والحمدلله رب العالمين وأنا الآن متزوجة في ألمانيا وأعيش مع زوجي وقد مَنَّ الله سبحانه علينا ورزقنا طفلاً مباركاً.
واخيرا أدعو الله تعالى أن أكون مسلمة حقيقة وأن يرزقني خدمة الجماعة والإسلام وأن أكون مع عائلتي، وأخواني وأهلي وجميع الأحمديين خدامًا مخلصين للإمام المهدي عليه السلام وللإسلام والبشرية جمعاء. وأخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين