الدكتورة: آن ماري لونيسكو



من الظلام إلى النور: رحلة انضمامي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية

تعريب: السيدة خلود العطيات

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام علیكم جمیعا. لقد طُلب مني التحدث عن رحلة انضمامي للأحمدية. قد تكون قصص المبایعین طویلة، لكني متأكدة من أنكم تقدّرون أن مهمة اكتشاف صدق الإسلام لا تحدث بین عشیة وضحاها.
سأتحدث عن بعض التفاصیل في قصتي، ثم سأقدم بعض الأفكار التي أراها حول الإمكانیات الروحانیة الموجودة عند جمیع الناس والتي تنتظر منا تعزيزها.
لقد ولدت وترعرعت في المملكة المتحدة لأبوين رومانیین قدما إلى المملكة المتحدة قبل حوالي 35 عامًا أثناء الاضطرابات الشیوعیة في رومانیا في الثمانینیات. كان والداي يعتبران أنفسيهما ملحدين وقد قاما بتربيتنا بعيدًا تمامًا عن الدين. ولديّ شقیقتان تعتبران نفسيهما لا أدريتين وروحانيتين ولكن غير متدينتين.
بدأت رحلتي (نحو الإسلام) عندما كنت مراهقة وكنت ألعب وألهو في الحدیقة فاقترب منا المعمدان وبدأ بطرح أسئلة علینا حول الجنة والنار، الصواب والخطأ، وعن االله، وحتى عن العبودیة وشعرت بأسئلته تنهال على رأسي بینما كان هو مرتاح تمامًا، ثم غادر بسرعة كما جاء.
ولكن منذ ذلك الیوم وفي رأسي سؤال أريد إجابةً عليه.. ما هو الطریق الصحیح؟ كیف یمكنك أن تقرر أي فلسفة أو دين هو الصحیح؟
لقد سألت نفسي هذا السؤال عندما بدأت رحلتي الطویلة في البحث عن الدین والروحانیة لما كنت في حوالي الـ15 من عمري. بعد وقت قصیر من هذا الحادث مع المعمدان. عقدت العزم على استكشاف جواب هذا السؤال بطریقة منظمة، فبدأت بما كان مألوفًا بالنسبة لي والذي هو المسیحیة ولا سيما الكاثولیكیة منها، وسرعان ما أدركت أن معتقداتي عن یسوع لم تكن مثل معتقدات الجماعات المسیحیة، فأنا لم أكن أؤمن به إلهًا أو ابنًا لله بشكل حرفي وإنما هو نبي أرسله الله كغيره من الأنبیاء الآخرین الذين بعثوا قبله.
وفكرت بأن الله لا یحتاج لابن فلماذا یجب أن یكون له ابنًا؟ ثم انتقلت في بحثي بسرعة إلى الأدیان الأخرى وأخذت بدراسة كل دين على حدة، ناظرة بشكل خاص إلى مؤسسیها وبدأت أرى ما إذا كانت هناك تناقضات أو معتقدات غير منطقیة برأيي. لم یستغرق الأمر وقتا طويلًا لأرى أن جمیع الأدیان التي درستها حتى ذلك الحين تعاني من بعض التناقضات فیها.. لكنني لم أبحث في الإسلام بعد. كان الإسلام بالنسبة لي آخر ما أفكر في البحث فیه فقد كنت متأكدة من أنني لن أتفق مع تعالیمه أبدًا.. وكیف أتفق مع دین یروج للعنف ضد الآخرین ویضطهد المرأة؟!
لكنني فكرت أن عليّ أن أعرف سبب رفضي له، فبحثت سريعًا في ویكیبیدیا، وبدا كل شيء جيد، ثم قرأت ترجمة إنجليزية للقرآن الكريم عبر الإنترنت وقد أعجبت به جدًا منذ أن قرأت السورة الأولى فيه "سورة الفاتحة" والتي لا تزال إلى الیوم السورة المفضلة لدي. لقد دهشت وصدمت بمجرد انتهائي من قراءة ترجمة القرآن الكريم الكاملة، ولم أستطع استيعاب فكرة أن الإسلام قد يكون دينًا حقیقيًا!! قررت بعد ذلك البحث في واحدة من أكثر الشخصیات إثارة للجدل في التاریخ؛ النبي محمدﷺ الذي يمكن القول إنه أكثر إثارة للجدل من الإسلام نفسه. لكن بعد قراءة بعض كتب سيرة رسول الله صلى االله علیه وسلم التي كتبها مؤلفون غربيون أو من الشرق الأوسط توصلت إلى استنتاج مفاده أن هذا الرجل لا یمكن أن یكون كاذبًا. وكانت هذه نتيجة محسومة بالنسبة لي.
خلال هذه الأیام الأولى من قراءتي عن الإسلام، لم أستمع لأنشطة دعوية، وكنت أشارك أحيانًا في محادثة مع صدیقة لي في الجامعة وكانت مسلمة، ولكن لا یبدو أن أحدا یرید الانخراط بمثل هذه المناقشات. المشكلة الشائعة جدًا التي أراها حول تبلیغ الدعوة في المملكة المتحدة حاليًا هي أن بعض الأحمدیین یعتقدون أن الناس غیر مهتمین، وأنهم بشكلٍ عام راضون عن حیاتهم وقانعين بالإلحاد أو اللاأدرية. یعتقد بعض الأحمدیین أن رسالة الإسلام ستصل آذانًا صماء ویخشون من ردة الفعل أو من أن یُخرجوا من دائرة أصدقائهم سواء كان ذلك في العمل أو غیره. لذلك أرید أن أوضح حقیقة القيام بتبلیغ الدعوة من وجهة نظر مبایعة بریطانیة أصلها أوروبي أو غربي. صحیح أن الناس في جمیع أنحاء العالم یعتقدون أنهم لا یهتمون بما یقدمه الدین، فیستمرون في حیاتهم الیومیة، ویعیشون مع القلیل من المنطقية ومع أهدافٍ محدودة جدًا، فيبتعدون نتیجة لذلك تدریجیًا عن االله، وینتهي بهم المطاف في البؤس والفراغ والوحدة ولا یفهمون سبب شعورهم هذا.
الحقيقة أنه عند تبلیغ الدعوة، لا یتعین علیك امتلاك جمیع الإجابات، فليس من الضروري أن تكون بلیغًا أو شجاعًا للقیام بذلك. خذ على سبیل المثال تجربتي كغیر مسلمة.
لنعد من حیث توقفنا. وأنا في خضم بحثي المكثف عن الإسلام، كنت ذات يوم في سوقٍ مزدحم في منطقة باركینغ شرق لندن، مررت وأنا أتفحص أكشاك السوق بكشك دعَوي یدیره بعض المسلمین الذين كانوا على ما أعتقد من السلفیین. فتوقفت عنده أقرأ عناوین بعض الكتب المعروضة وعندها بدأ أحد الرجال في الكشك يطرح علي بعض الأسئلة. وكان سؤاله الأخیر حول النبي محمدﷺ وما إذا كنت أؤمن، بعد كل ما أجريته من بحث، أنه نبي صادق من الله؟
تفاجأت من سؤاله، لكنني بدأت أسأل نفسي بصدق عن الإجابة! ثم كسرت الصمت بالقول إني أقبل النبي محمد رسولًا صادقًا من الله وامتلأت الدموع في عيني، وعندها لم یضيع ذلك الرجل الوقت! وأخذني إلى جانب الكشك وأمسك بحجاب وبدأ يتحدث بسرعة عن قصر هذه الحیاة وأن ارتداء الحجاب ليس سوى البدایة وقال "إن شاء االله سترتدین النقاب في یوم من الأیام".
هنا انهرت تمامًا وركضت مختفية بین الحشود، في محاولة للعثور على مكان هادئ، حتى ولو مرحاض لأكون وحدي، ولأفكر بما حدث للتو. لكن لا داعي لأقول لكم لا تخافوا من القيام بتبلیغ الدعوة، فحتى لو مرّ الأمر بنفس السوء الذي مررت به ذلك الیوم، لكني لا أخفي أنه كان لذلك الحدث تأثیر علي، وقد ساعدني ذلك الداعیة السلفي المتحمس رغم كل ما قام به من تصرف صادم، في رحلة انضمامي للإسلام. لا یلزم أن یكون التبلیغ رسميًا أو مخططا له، ولیس ضروري أن تعرف الشخص الذي تبلّغه الدعوة، فیمكن أن تكون جالسًا في قطار وتقرأ القرآن الكريم أو تقوم بالذكر الإلهي أثناء السفر، وهذا بالضبط ما حدث عندما انتهیت من دراسة الإسلام كغیر مسلمة وشعرت أن كان كل ما قرأته حقيقي. لقد قبلت أن الإسلام بأنه دیانة إلهیة، وأنه یصحح جمیع الإشكالات العقائدیة الموجودة في الدیانات الأخرى. لكن لأنني أبقیت بحثي لنفسي إلى حد كبیر، لم یكن لدي أي شخص یشجعني على اتخاذ الخطوة الأخیرة بأن أصبح مسلمة، لذلك لم أقم بشيء حیال ذلك. لكن االله كان عنده خطط أخرى. كان االله یبقیني دائمًا مسؤولة عن قراراتي. فقد كنت صباح أحد الأیام في القطار كالمعتاد، وذلك بعد تفجیرات لندن عام 2007 عندما لاحظت شابًا یجلس أمامي في القطار وكان یحمل القرآن ویقرأ بهدوء ولكن حماس شدید بعض آیات القرآن الكريم، فقلت لنفسي.. ماذا لو كان هذا الشاب المسلم یقرأ آیاته القرآنیة الأخیرة... ماذا لو أنه يريد تفجير القطار!؟ خرجت من القطار متوترة، ولكني أدركت أنني بالغت في ردة فعلي. لكن الفكرة التي راودتني تلك اللحظة بالذات هي أنني "إذا مت لأن أحدًا فجر القطار ووقفت أمام االله، فهل سیكون راضیًا عني؟" قررت بعد ذلك أن ألتقي بصدیقتي المسلمة في نهایة ذلك الأسبوع وأن أنطق بالشهادة وأعتنق الإسلام. كان عمري 20 عاما آنذاك.
انظروا.. كما قلت، لا تحتاج حتى لمعرفة الشخص الذي تبلغه الدعوة! لكن في واقع الأمر، معظم الناس في ذلك القطار، لم یلاحظوا ربما ذلك الشاب أو أي شخص آخر في القطار، حيث يمكن للناس بسهولة أن يتشتتوا بمشاغل الحیاة العديدة ویقنعوا بما هم عليه. أنا أیضا كنت قانعة وراضیة عن المكان الذي كنت فیه سابقًا قبل أن ينتشلني الله منه، ثم كنت راضية مرة أخرى عن حياتي لما صرت مسلمة سنیة في الجامعة. وبعد سنوات قلیلة من اعتناقي الإسلام وقناعتي بتقدمي الروحي في تلك المرحلة، تعرفت بشكل مفاجئ على الأحمدیة. كانت أفكاري الأولیة عنها شكوكية.
إذ أن هناك دائما مجموعات إسلامیة تحاول اللحاق بالمسلمين الجدد لإقناعهم بتفسیرهم الخاص للإسلام وإبعادهم عن الطریق الذي اتخذوه، ولقد حاول ذلك معي مسلمون سلفیون ومسلمون شیعة وحتى مسلمين صوفیين. واعتقدت حینها أن الأحمديين مجموعة أخرى تريد ذلك أيضًا. لقد كرهت ذلك الأمر لكن بعض الأحمدیین یحبون التبلیغ في جميع الأوقات، وأنا لم أكن مهتمة بذلك. لقد سئمت من التبليغ لدرجة أنني بعد أن دعيتُ إلى الحوار الذي تنظمه جمعیة الطلاب الأحمدیین في جامعتي للمرة العاشرة ورفضي الدعوة في كل مرة، شعرت بالغضب.
التفتُ إلى أصدقائي الأحمديين وقلت لهم أن یتوقفوا عن التحدث إلي عن الأحمدیة، فلا أرید أن أسمع أي شيء آخر عنها أبدًا. ثم شعرت بالذنب بعض الشيء أني كنت فظة وشعرت بالحاجة إلى توضیح مشاعري. توقف الأحمديون عن تبليغي دعوتهم، لكن صلتي بالله التي كنت أشعر بها في صلاتي توقفت فجأة. وبعد مدة من محاولتي استعادة شغفي بالصلاة والقراءة وكل الأشیاء الإسلامیة، التفتُ أخیرا إلى أصدقائي الأحمديين طالبة منهم النصیحة. ثم فُتح لي باب الأحمدیة ببطء، وكان عليّ مرة أخرى الرد على نفس السؤال الذي كان يراودني قبل حوالي 10 سنوات. كیف یمكنني تحدید المسار الصحیح؟ فاستخدمت نفس النهج الذي قمت به في بحثي الأول حول الأدیان، واتبعت نفس الطريقة.
فقارنت بين جميع الطوائف الرئیسیة في الإسلام وبين أعظم خلافاتهم، وقیّمت الأدلة التي طرحوها في دعم وجهة نظرهم. حتى أنني صممت جدولًا للمقارنة على "ملف وورد" وبدا لي أن الأحمدیة تملك أكثر الإجابات منطقیة وأقوى الأدلة لدعم مواقفها. قررت أن أقرأ سیرة المسیح الموعود (عليه الصلاة والسلام)، تماما كما فعلت عند تحدید ما إذا كان النبي محمدﷺ نبًیا صادقًا من الله. فقرأت كتاب "أحمد المهدي" وبمجرد قراءة الصفحات الأخیرة منه، توصلت إلى نفس النتیجة التي توصلت إليها عند بحثي الأول عن الإسلام وعن النبي صلى االله علیه وسلم وهي أن مؤسس هذه الجماعة لا یمكن أن یكون كاذًبا.
إن العثور على طريق الحق وتجنب الاتهامات الكاذبة مهمة صعبة بالفعل. هناك العدید من المواقع الإلكترونیة المخصصة للمزاعم الكاذبة ضد النبي محمد صلى االله علیه وسلم. لقد وجدت نفسي أیضا في بعض هذه الصفحات في الأیام الأولى لبحثي. وكل ما فعلوه هو الاصطياد في المیاه العكرة، وسرعان ما أدركت أنه لتقییم الحقیقة لابد من الرجوع إلى المصدر مباشرة. ولحسن الحظ، لم أرتكب نفس الخطأ مع الأحمدیة وتوصلت إلى استنتاجاتي في وقت أسرع بكثیر.
ومع ذلك، كنت أحد الأمثلة على الأشخاص السعداء الذين لم یكن لديهم أي اهتمام في شرب الكحول ولم أهتم أبدًا بتجربة المخدرات أو أي أشياء أخرى من هذا القبیل. كان لدي دائمًا دائرة جیدة من الأصدقاء من حولي وعائلة مجتهدة، وقد زودوني جميعهم بأفضل بیئة للتطور إلى تلك الفتاة الشابة التي وجدت طریقها في النهایة ووجدت علاقتها بالله. هناك الكثیر من الناس الذین لم یحالفهم الحظ كما حالفني. ومعظم الشباب يتورطون بشكل كبیر في الوقت الحاضر في الشرب، وغالبًا ما یخوضون تجارب یندمون علیها لاحقًا. وسوف تحدد هذه التجارب من هم كأفراد عندما یصبحون بالغین عاملین، لكنها أیضا تجعلهم یفهمون لماذا الإسلام هو أفضل طریق إذا كانوا یسعون للوصول إلى حیاةٍ مسالمة ومرضیة ومثمرة مع االله وبقیة العالم. لكن الأمر سیستغرق بعض الخطوات منا، حتى ولو صغیرة للمساعدة على فتح هذا الباب أمامهم كما فُتح لي.
كتب المسیح الموعود عليه السلام معلقًا على هؤلاء الناس الذین یشغلون أنفسهم بالانحرافات في هذه الحیاة:
"ما هو سر هذه الجاذبية والمحبة التي يشعر بها المولود نحو أمه؟ إنها في الحقيقة جاذبية المحبة التي أودعت في فطرة المولود للإله الحق. بل إنها نفس الجاذبية التي تفعل فعلها في كل رابطةِ حب ينشئها الإنسان، وهي التي تنعكس في وجدانه وهيامه هنا وهناك، فكأنه يفتش ويبحث من بين هذه الموجودات عن ضالته التي قد نَسِي اسمَها. فإن حُب الإنسان للمال أو الولد أو الزوج، أو انجذاب روحه إلى غناء ذي لحن جميل، إنما هو في الحقيقة بحثُه عن ذلك المحبوب المفقود" (فلسفة تعاليم الإسلام).
هذا الاقتباس من فلسفة تعالیم الإسلام، یلخص بشكل جمیل حالة جیراننا وأصدقائنا وعائلاتنا. إنهم لا يدركون أن غیاب الله هو السبب الحقیقي وراء ضیاعهم. إنهم یبحثون عن غیر قصد عن ذلك الأبدي الذي يمنحهم الراحة. وتقع على عاتقنا مسؤولیة نقل رسالة االله لهؤلاء الناس ولتذكریهم بما نسوه ولمساعدتهم على الوصول إلى نتيجة بحثهم في الظلام. كنت أنا أیضا في نفس هذا الظلام الذي یجد فیه نفسه كل من یبحث عن الله. عندما كنت غیر مسلمة شعرت بالضیاع في بحرٍ من الناس، ولم أكن أعرف المكان الذي أنا فیه ولا إلى أین كنت ذاهبة.
عندما أصبحت مسلمة سنیة، كنت لا أزال أشعر بدرجة من الظلام كما لو أني كنت عالقة في حفرة في الأرض ولكني كنت أعرف على الأقل أين أنا. عندما أصبحت مسلمة أحمدیة، بدا الأمر كما لو أن أحدًا ما قد أضاء لي النور حتى أتمكن من الصعود من تلك الحفرة إلى طائرة واسعة وهادئة.
تعلمت في كل مرحلة الكثیر من الدروس، وشعرت أنني ربما كبرت 10 سنوات إضافیة في كل خطوة. لكن هناك شيء واحد أریدكم أن تتذكروه مني، وهو أن كل شخص على وجه الأرض یبحث عن الإله لكنه لم يميزه بعد، وهم یحتاجون منكم أن تبینوا لهم أن الله تعالى هو الذي یتوقون إلیه.