أمية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)



 قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الجمعة: 3)، وقال تعالى: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأَعراف: 157 - 159).

إن قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي للذين يجتنبون كل نوع من الشرك والكفر والفواحش... وقوله: {يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ} أي يؤمنون بالرسول النبي الذي توجد فيه علامتان لقدرتي الكاملة، أولاهما: الآية الخارجية .. أي أنه توجد بحقه نبوءات في التوراة والإنجيل يجدونها في كتبهم.
أما الآية الثانية فهي موجودة في شخص الرسول نفسه، وهي أنه مع كونه أُمِّيًّا وغير دارس، قد أتى بهداية كاملة، وبيّن لهداية الناس كافة الحقائق الحقة التي يعرفها العقل والشرع ولم يَعُد لها وجود على وجه الأرض وأمرهم بالعمل بها، ومنعهم من كل ما هو غير معقول ولا يصدقه العقل والشرع ...
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: 53)، وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ} (العنْكبوت: 49 - 50).

إن كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمِّيًّا يثبت من هذه الآيات بكمال الوضوح، إذ من الواضح أنه لو لم يكن - صلى الله عليه وسلم - أمِّيًّا وغير دارس، لوُجد كثير من الناس ليكذّبوا ادّعاء أمِّيته، لأنه لم يدَّعِ - صلى الله عليه وسلم - ذلك في بلد يمكن أن يُعَدّ أهلُه يجهلون سيرة حياته. بل ترعرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ظهراني أهله منذ نعومة أظفاره، وقضى معظم حياته في صحبتهم وخالطهم. فلو لم يكن - صلى الله عليه وسلم - أمِّيًّا في الحقيقة، لما أمكنه أن يدّعي أمِّيَّته أمام هؤلاء القوم الذين لم يخف عليهم حاله، وكانوا يتربصون به في كل حين وآن ليثبتوا ضده كذبة مهما كانت صغيرة ويشيعوها. كان عنادهم قد بلغ درجة بحيث لو استطاعوا لاخترعوا كذبا من عند أنفسهم ونسبوه إليه - صلى الله عليه وسلم -. فمن هذا المنطلق كانوا يُعطَوْن -على الرغم من سوء ظنهم كل مرة- جوابًا يتركهم صامتين واجمين لا يطيقون جوابا. فمثلا حين بدأ بعض جهلاء مكة يقولون بأن التوحيد المذكور في القرآن لا يعجبنا، فَأْتُوا بقرآن يعظِّم الأوثان ويذكر عبادتها، أو غيِّروا في القرآن الموجود واملأوه بتعليم الشرك بدلا من التوحيد، فنقبله ونؤمن به .. عندها -ردًّا على تساؤلهم- علّم الله تعالى نبيّه جوابا يتبين عند التدبر في سوانح حياته - صلى الله عليه وسلم -، وهو:

{قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} (يونس: 16 - 18).

إن قوله تعالى: {لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}.. أي قد قطعوا علاقتهم معنا كليا، يقولون ائْتِ بقرآن ينافي تعليمه تعليم هذا القرآن ويغايره... فقل لهم: ليس لي أن أغيِّره من عندي، ولا يجوز ذلك أصلا.. وقد لبثت فيكم أربعين عاما من عمري أفلا تعقلون، أيْ ألا تعرفون جيدا أن الافتراء ليس من شيمتي والكذب ليس من عادتي؟

فباختصار، إن أُمّيّة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أمرا بديهيا ومؤكَّدا بين العرب والنصارى واليهود لدرجة أنه ما كان بوسعهم أن ينبسوا خلاف ذلك ببنت شفة. بل كانوا، من هذا المنطلق، يسألونه - صلى الله عليه وسلم - امتحانا لنبوته عن قصص من التوراة لا يخفى معظمها على شخص متعلم. وحين وجدوا أجوبة صائبة وصحيحة تماما ومنزّهة عن الأخطاء الفادحة التي شابت قصص التوراة، آمن به - صلى الله عليه وسلم - بصدق القلب الراسخون منهم في العلم الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} (المائدة: 83 - 85)، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء: 108 - 110)... مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ: أي عرف اليهود والنصارى صدق كلام الله.

فهذا هو حال الذين كانوا أهل علم وإنصاف من اليهود والنصارى؛ إذ كانوا يرون من ناحية أنه - صلى الله عليه وسلم - أمّيٌّ محض لم يتلقَ من التعليم والثقافة شيئا، ولم يعاشر قوما متحضرين ولم يحضر مجالس علمية، ومن ناحية ثانية لم يجدوا في القرآن الكريم قصص الكتب السابقة فحسب، بل كانوا يجدون فيه مئات الحقائق الدقيقة التي كانت مكمِّلة ومتمِّمة للكتب السابقة، فكانت نبوته - صلى الله عليه وسلم - تبدو لهم أظهر من الشمس بالنظر إلى أميَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك بالنظر إلى ما جاء به من الكمالات العلمية والأنوار الظاهرية والباطنية في ذلك الزمن المظلم. والمعلوم أنه لو لم يكن هؤلاء العلماء المسيحيون موقنين يقينا كاملا بكونه - صلى الله عليه وسلم - أمِّيًّا ومؤيَّدا من الله تعالى، لما أمكنهم أن يهجروا -بناء على الشكوك والشبهات- دينا تقوم على نصرته وحمايته سلطنة عظيمة (سلطنة قيصر الروم) وما انتشر في آسيا فقط، بل في بعض مناطق أوروبا أيضا، وكان مفضَّلا جدا لدى عبَدَة الدنيا بناء على تعاليمه الشركية، ويختاروا دينا كان المشركون كلهم يستاؤون منه بسبب تعليمه المبني على التوحيد، وكان المؤمنون به معرّضين للهلاك والبلاء من كل حدب وصوب. فالأمر الذي وجّه قلوبهم إلى الإسلام هو أنهم وجدوا النبي أمِّيًّا محضا ومؤيَّدا من الله - عز وجل - بكل معنى الكلمة، ووجدوا القرآن الكريم يفوق قدرات البشر. وكانوا بأنفسهم يقرأون في الكتب السابقة بشارات عن بعثة هذا النبي الأخير، فشرح الله تعالى صدورهم للإيمان، فصاروا مؤمنين لدرجة أنهم أهرقوا دماءهم في سبيل الله. والذين كانوا جهلاء وأشرارا وخبيثي الطوية من الدرجة القصوى من بين هؤلاء العرب واليهود والنصارى يتبين من النظر إلى أحوالهم أيضا بأنهم كانوا يعدّون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمِّيًّا بيقين كامل. (البراهين الأحمدية: الجزء الرابع)