المصلح الموعود - ابن بار لام عظيمة



بقلم: السيدة زنوبيا أحمد
تعريب: السيدة خلود العطيات

"يا أبنائي! لا تظنوا وأنتم ترون البيت فارغا أن أباكم لم يترك لكم شيئا، بل قد ترك لكم في السماء كنزا كبيرا من الأدعية التي ستستمر في الوصول إليكم في الوقت المناسب"

كانت تلك كلمات حضرة أمّان جان (رضي الله عنها) النابعة من إيمان كامل وتام بالله تعالى بعد وفاة زوجها الحبيب، حضرة ميرزا غلام أحمد عليه الصلاة والسلام.
عندما عاد حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) بعد دفن المسيح الموعود عليه السلام إلى منزله الخالي، أظهر صبرًا عظيمًا وعزيمة كبيرة، وقامت والدته الموقرة حضرة أمّان جان بجمع أبنائها وقالت لهم إن منزلهم ليس فارغا بل مليء بكنزٍ كبير من الأدعية.
ويشهد التاريخ على أن هذا الكنز العظيم قد تنزل بفضل الله على هذا الشاب خصوصا، وعلى أخوته وأخته وفقًا لقدراتهم.

ذرية مباركة من زواجٍ مبارك:
قبل 1400 سنة أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم عن الإمام المهدي بقوله "يتزوج ويولد له"، أي أنّ المسيح الموعود والإمام المهدي سوف يتزوج ويُرزق بالأولاد، ولكن الإنسان بشكلٍ عام ينجب الأطفال عندما يتزوج، لذا من الواضح أن الزواج هنا هو زواجٌ استثنائي من شأنه أن يكون آية خاصة به، وتشير النبوءة أيضا إلى أن الله سيمنح المسيح الموعود ابنًا أو أبناء صالحين سيكونين من بين عباد الله المخلصين، وقد وعد الله المسيح الموعود عليه السلام بذلك: "فلما كان الله تعالى قد وعد أنه سيضع بواسطة ذريتي أساسا عظيما لحماية الإسلام ويخلق في ذريتي شخصا ذا روحٍ سماوية، أحبَّ - سبحانه وتعالى - أن يزوجني بفتاة من تلك العائلة ويخلق منها ذرية تنشر على نطاق واسع في العالم أنوارًا بذرت بذرتها بيدي."
وقد تحقق وعد الله سبحانه وتعالى وولد الابن الموعود من أم عظيمة، حضرة أمّان جان السيدة نصرت جيهان بيغم (رضي الله عنها) في 12/01/1889.

تقول السيدة نواب مباركة بيغم وهي الأخت الصغرى لحضرة المصلح الموعود (رضي الله عنهما): "سمعت أم المؤمنين رضي الله عنها عدة مرات تقص رؤيا رأتها حيث قالت: "يوم كانت ولادة أخيك الأكبر محمود أحمد وشيكة رأيت في أيام الحمل أنني أتزوج ميرزا نظام الدين، ولكون ميرزا نظام الدين من ألد أعداء المسيح الموعود عليه السلام، فقد أثرت بي هذه الرؤيا بشكل سلبي كثيرا فلماذا رأيت أنني أتزوج العدو؟ وبقيت حزينة كئيبة لثلاثة أيام متتالية وبكيت كثيرا وما كان يروق لي الأكل ولا الشرب وكانت حالتي سيئة جدا بسبب الهم والغم، ولم أذكر لأبيك شيئا لكنه حين ألحّ علي كثيرا وسألني بإصرار عن السبب وراء حالتي البائسة جدا وما الذي أصابني وقال يجب: أن أعرف ماذا حدث؟ فقصصت عليه الرؤيا بخوف فلما سمع الرؤيا سُر كثيرا وقال إن الرؤيا مباركة جدا وقد أخفيت عني كل هذه المدة الطويلة! سترزقين ولدا من هذا الحمل بالذات ثم فكّري في كلمتي "نظام الدين" فليس المراد منه الميرزا نظام الدين، عبثًا تألمت كل هذه الأيام ولم تبشريني! هذا الولد سيكون مصلحًا لنظام الدين".
أعزاءنا القراء، ما نقدمه في هذا المقال ليس حول علاقة أمّ عادية بابنها، بل هما من تلقى عنهما النبوءات الرسول الكريمﷺ، ثم المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام من بعده، وقد تلقت هذه الأم النبيلة مكافأة عظيمة من الله تعالى حيث خاطبها سبحانه وتعالى في الوحي باسم" خديجتي" بينما قال عن ابنها بأنه "نور الله".

التربية والنشأة:
من المهم أن نذكر الدور الذي قامت به حضرة أمّان جان في تربية حضرة صاحب زاده ميرزا محمود أحمد (رضي الله عنهما) إضافة إلى الجهود التي بذلها المسيح الموعود عليه السلام في هذا الصدد. لقد تركت تربية حضرة أمّان جان رضي الله عنها أثرًا عميقا في سلوك صاحب زاده ميرزا محمود أحمد رضي الله عنه خلال سنواته الأولى .

علاوة على ذلك، كانت قيم ومعتقدات المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) متوافقة مع قيم ومعتقدات أم المؤمنين (رضي الله عنها) وتسير في تيارٍ واحد، وكان لهذا تأثير كبير ساهم بتحقق النبوءة حول المستقبل الباهر لحضرة صاحب زاده ميرزا محمود أحمد (رضي الله عنه)، فمن أفضال الله تعالى الخاصة أنّ والدته كانت تمتلك درجة عالية من الفضيلة والنبل والانضباط وكان هدفها وهدف المسيح الموعود حضرة ميرزا غلام أحمد عليه السلام متوافقان تمامًا.

وحيث أن أمان جان هي جدة حضرة ميرزا طاهر أحمد خليفة المسيح الرابع رحمه الله، فقد ذكر حضرته ذات مرة أنها كانت تنبه الأطفال بطريقة بسيطة ومؤثرة وفعالة، وكانت بعيدة عن التكلف والتصنع وتتصف بالإخلاص والتقوى. وكانت كل كلمة من كلماتها مليئة بالمحبة الصادقة.
وللتعرف أكثر على طريقة تربيتها لحضرة ميرزا بشير الدين محمود أحمد (رضي الله عنه) لا يوجد أفضل من أبنائها لتبيان ذلك. وفيما يلي بعضا مما كتبته ابنتها حضرة نواب مباركة بيغم رضي الله عنها: "لقد كان إظهار الثقة الكاملة في الطفل، وغرس الشعور بالشرف والاحترام في داخله حول ثقة الوالدين به المبدأين الرئيسيين للتربية عندها، وكان النفور من الأكاذيب والإحساس بالشرف واحترام الذات هو الدرس الأول عندها، وكانت تقول لنا دائما إنه يجب زراعة عادة الطاعة في الأطفال، وبعدها حتى لو تصرفوا بشغب وصبيانية فلا مشكلة".

كان كل من المسيح الموعود عليه السلام وحضرة أمّان جان رضي الله عنها يقدران العلم والمعرفة أيّما تقدير، وكان للمعلمين مكانة مميزة وهيبة كبيرة عندهما، وقد سعيا إلى غرس هذا الشعور في أطفالهما، فقد كان المسيح الموعود عليه السلام كثيرا ما يشير إلى ضروة الاهتمام بالمعلمين حتى يتعلم الأطفال احترامهم أيضا. وكان موقف حضرة أمّان جان في هذا الصدد مطابقا لموقفه عليه السلام.

وفي حادثٍ طريف أظهرت حضرة أمّان جان احترامًا كبيرا لزوجة الشيخ يعقوب علي العرفاني التي كانت تزوها في بيتها، وكان حضرة المصلح الموعود آنذاك طفلا صغيرا، وقد دخل الغرفة حاملا ثعبانا مطاطيا ورماه على الأرض، فخافت زوجة الشيخ العرفاني وشحب وجهها وبدأت ترتجف، فالتفتت حضرة أمّان جان إلى ابنها وقالت: "ميان محمود، هذه زوجة معلمك. ماذا تفعل؟ فقال:"أمّان جان، لقد ارتكبت خطأ". ثم هدّأت حضرة أمّان من روع زوجة الشيخ العرفاني، وطمأنتها أنه مجرد ثعبان مطاطي.

تظهر هذه الحادثة الطبيعة النقية لحضرة أمّان جان رضي الله عنها، كما تمثل درسا مهما للأطفال حول ضرورة احترام المعلم وزوجته.

رابط خاص من الحب والرعاية:

عادة ما يرتبط الأطفال برباط المودة مع أمهاتهم، لكن من النادر العثور على مثيل للحب الكبير الذي كان يكنه حضرة فضل عمر تجاه والدته، فقد كان حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه شديد التعلق بحضرة أمّان جان منذ طفولته المبكرة، وكان يلجأ إليها حتى عند أي ضائقة بسيطة تلم به، وكان يجد الراحة في حبها ودعمها ونصائها، وبقي هذا مسلكه حتى عندما كبر في السن، وكانت حضرة أمّان جان تتفهم احتياجاته دائما وتحاول الوفاء بها. قد يبدو المثال التالي صغيرا لكنه يظهر حب حضرة أمّان جان للمصلح الموعود (رضي الله عنهما): تذكر حضرة نواب مباركة بيغم أنّ نوعًا من حلوى غزل البنات كان يباع في البنجاب وكان المفضل لدى الأطفال، وكان حضرة المصلح الموعود في طفولته يحبه أيضا. وذات مرة –وكان حضرته كبيرا- رأت حضرة أمّان جان بعض الأطفال يأكلون تلك الحلوى، فأرسلت تشتري منها لحضرة المصلح الموعود وهي تقول "إن ميان يحبها". فقد كانت حضرة أمّان جان تنادي حضرة المصلح الموعود توددا بـ "ميان".

أما الحادث التالي فجدير بالذكر، ويظهر الاهتمام الكبير والحب الفريد الذي كان يكنه حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه لوالدته، .يروي حضرته: "أتذكر قبل وفاة المسيح الموعود عليه السلام مباشرة أنه اشترى لي فرسًا. أو بالأحرى، لم يشتريها بل أرسلت إلينا كهدية. وتفصيل ذلك هو أنني رأيت بعض الأولاد يركبون الدراجات وأردت دراجة أيضا فذكرت ذلك إلى المسيح الموعود عليه السلام، فقال إنه لا يحب ركوب الدراجات وإنما يعتبر ركوب الخيل أكثر رجولة. فكتب إلى عبد المجيد خان من كابورتالا ليشتري له حصانا جيدا فاشترى السيد خان هذه الفرس وأرسلها كهدية. وعندما توفي المسيح الموعود عليه السلام، أثرت وفاته على نفقاتنا، لذلك قررت بيع هذه الفرس حتى لا يقع عبء مصروفه على عاتق والدتي، فأرسل لي أحد أصدقائي، الذين علموا بنيتي، رسالة مفادها أن هذه الفرس كانت هدية للمسيح الموعود عليه السلام ويجب ألا تباع. في ذلك الوقت كان عمري 19 عارما. أتذكر المكان الذي كنت أقف فيه عندما تلقيت الرسالة، وفجأة خرجت الكلمات من شفتيّ أن هذه الفرس هي بلا شك هدية للمسيح الموعود عليه السلام، لكني لا أريد أن أحمّل والدتي عبئًا إضافيًا من أجل هذه الفرس، لذلك قمت ببيعها.
النقطة الجديرة بالملاحظة هي في هذا الجزء الأخير من هذه الواقعة، فقد باع حضرته الفرس على الرغم من حبه للخيول ورغم أن هذه الفرس كانت مميزة جدا بالنسبة له نظرًا للحب الشديد الذي كان يكنه للمسيح الموعود عليه السلام، ولكن إحساسه بالمسؤولية تجاه والدته، دفعه لوضع قيم مختلفة في الأوقات المناسبة، وكان القرار الصحيح هو التضحية بمشاعره الخاصة، وعدم وضع أية أعباء إضافية على والدته.

المثال الحقيقي للاحترام الكبير:

كانت حضرة أمّان جان متعلقة جدا بحضرة المصلح الموعود (رضي الله عنهما) وكان حضرته يكنّ لها أيضا احتراما كبيرا، وكان يعتني باحتياجاتها ويحاول تلبية رغباتها حتى النهاية.
وبالمثل، كان يتوقع أيضا أن تظهر زوجاته نفس الحب والاحترام لحضرة أمّان جان.
تقول حضرة السيدة مريم الصديقة (أم متين) أنّها كانت شاهدة على الاحترام الكبير الذي كان يكنه حضرة المصلح الموعود لحضرة أمان جان رضي الله عنهما، وتروي أنّ امرأة اشتكت لحضرة المصلح الموعود أن ابنها لم يكن يعتني بها، فإذا أمكن أن يتحدث إليه حضرته بهذا الخصوص. وعند سماع ذلك، بكى حضرة المصلح الموعود بحرقة، وقال:
"لا يمكنني أن أفهم كيف يمكن للابن أن يسيء معاملة والدته"
لقد كان حضرة المصلح الموعود يقدّر حضرة أمّان جان عاليًا ويعتربها آية حية على نعم الله تعالى. وعلى الرغم من انشغالاته الكثيرة، فقد أولى حضرته اهتمامًا كبيرا بها، حيث كان يذهب من خلال منزلها إلى المسجد المبارك ليؤم الصلوات. وكان عند عودته من المسجد، يمضي معها بعض الوقت، لا سيما بعد صلاة المغرب. وكان أحيانا يجلس معها ويروي لها بعض الأحداث أو القصص المسلية. وفي أوقات أخرى، كان يتحدث إلى الأطفال الذين يكونون حاضرين عندها.
كتب صاحب زاده ميرزا مظفر أحمد قائلا: "أتذكر عندما خاطبنا قائلا: "القرآن الكريم بحرٌ من الحكمة، عليكم أن تغرسوا في أنفسكم عادة قراءته بجدية، وأن تفكروا في معانيه وتستخرجوا منه جواهر الحكمة. إذا لم تصلوا بعد إلى مرحلة من النضج يمكنكم فيها استخراج جواهره، فعلى الأقل استخرجوا الصدف من دراستكم الجادة للقرآن"
بسبب التقدير والاحترام الكبيرين اللذين كان حضرة المصلح الموعود يكنهما لحضرة أمّان جان،كان حضرته يأخذها معه في معظم رحلاته، وحين لم يكن يأخذها كان ينزل عندها أولا عند عودته من أية رحلة ويقدم لها هدية.
وكانت أمّان جان رضي الله عنها تقلق جدًا إذا تأخر حضرته بالعودة من إحدى رحلاته. وقد تأخر في إحدى المرات، ولما عاد، حملت غصين شجرة صغير ولمست به برفق ذلك الخليفة الشاب وقالت له "لا تتأخر مرة أخرى لقد كدت أموت من قلقي عليك"
كان هذا شعورا طبيعيًا لأمٍ قلقة فأظهرت حبها له بهذه الطريقة، لكنها كانت تظهر له كل الاحترام كخليفة مثلها مثل أي أحمدي آخر.
من المهم أن نذكر التقدير والاحترام الكبيرين اللذين كانت تبديهما هذه الأم العظيمة تجاه حضرة خليفة المسيح الثاني، لقد كانت تخاطبه توددا بـ "ميان" ولكنها عندما كانت تتحدث عنه كانت تقول "حضرة صاحب" أو "خليفة المسيح".
والحادث التالي يوضح الاحترام الكبير الذي كانت حضرة أمّان جان تكنه للخلافة. ففي إحدى المرات، انزعجت إحدى بنات حضرة المصلح الموعود وذهبت إلى منزل جدتها، فلاحظت حضرة أمّان جان فورا أن شيئًا ما كان يزعجها فتساءلت عن سبب قدومها، ولكن قبل أن ترد حفيدتها بأية كلمة، أوضحت حضرة أمّان جان لها فورًا أنها إذا كانت منزعجة لأن والدها (خليفة المسيح الثاني) قد قال لها شيئا ما فعليها العودة فورا، أما إذا كان الأمر يتعلق بوالدتها، فإن حضرة أمّان جان سوف تستمع لها وتحاول حل المشكلة.
تجدر الإشارة إلى أن حضرة أمّان جان لم تتعامل مع هذا الوضع بذكاءٍ شديد فحسب، بل ذكّرتها أيضا أن والدها ليس أبا عاديا بل خليفة، لذلك يجب أن يحظى باحترام كبير من الجميع، بما في ذلك ابنته.

الابن المخلص:
بعد وفاة ابنها، حضرة ميرزا مبارك أحمد عن عمر يناهز 8 سنوات، أظهرت حضرة أمان جان رضي الله عنها صبرًا يحتذى به، واحتملت برضا هذا البلاء لأنه كان مقدّرا من الله تعالى. كانت وفاته خسارة كبيرة لوالدته وكان حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه يدرك ذلك تماما. ولهذا السبب بعد وقت قصير من ولادة ابنه، حضرة ميرزا ناصر أحمد الذي صار فيما بعد ثالث خلفاء المسيح الموعود (رحمه الله)، أعطاه لحضرة أمّان جان رضي الله عنها وهكذا نشأ حضرة ميرزا ناصر أحمد تحت رعاية وإشراف حضرة أمان جان رضي الله عنها والتي كانت غالبًا ما تناديه بـ"مباركي" أو"يحياي". وذات مرة، رأت في الرؤيا حضرة ميرزا مبارك أحمد قد عاد وتشبث بأمه وقال: "أماه لن أبتعد بعد الآن". كما رأت حضرة نواب مباركة بيغم رؤيا مشابهة أيضا.
شهدت حضرة نواب مباركة الحب العميق الذي كان يكنه حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه لأمهما منذ الطفولة المبكرة، وتروي أنه كان يعتني باحتياجات حضرة أمّان جان بإخلاص ومحبة كبيرين خاصة بعد وفاة المسيح الموعود عليه السلام، وفي إحدى المرات كانت حضرة أمّان جان رضي الله عنها متوعكة صحيًا فأخذ حضرة المصلح الموعود أخته نواب بيغم جانبا وقال لها إنه يدعو دائما أن يمنح الله سبحانه وتعالى أمان جان عمرا مديدا وألا تحزن على أحدٍ من أطفالها في حياتها، وقال لها إنها يجب أن تدعو لها بنفس الطريقة.

وفاة الأم المباركة:
كانت حضرة أمّان جان ترغب في أن تدفن في قاديان. عندما كان حضرة المصلح الموعود بجانبها في أيامها الأخيرة، كانت تطلب منه أن يؤكد لها أنه سيدفنها في "بهيشتي مقبة" في قاديان. كان من الصعب عليه رؤية والدته بمثل هذه الحالة من التوق الشديد لأن تدفن في قاديان، فكان يغادر الغرفة والدموع في عينيه. في ليلة 20 أبريل/نيسان 1952 توفيت حضرة أمّان جان عن عمر يناهز الـ 86 عاما. تم إعلام عائلة المسيح الموعود عليه السلام وأمراء الجماعة عبر برقية مستعجلة على الفور، جاء فيها "وافت المنية الليلة حضرة أم المؤمنين عند الساعة الحادية عشر والنصف، وستقام الجنازة الساعة الخامسة فجر يوم الثلاثاء".
كانت رغبة حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه دفن حضرة أمّان جان بجوار المسيح الموعود عليه السلام فطلب حضرته من صاحب زاده ميرزا أحمد مظفر أن يرفع هذه المسألة إلى المفوض السامي الهندي، وردًا على ذلك، قال المفوض السامي، بعد الاتصال بدلهي،
إن حكومة الهند وافقت على هذا الطلب كحالة خاصة لكنها لن تصدر تأشيرات لأكثر من 20 شخصا لمرافقة الجثة لدفنها في قاديان. لم يقبل حضرته هذا العرض وقال دون تردد: "نظرا للمكانة العظيمة والمركز المرموق لحضرة أمّان جان رضي الله عنها يجب أن يكون هناك حوالي 10000 أحمدي لمرافقتها لدفنها في قاديان. وفي 22 أبريل/نيسان 1952، أمّ حضرة المصلح الموعود مراسم صلاة الجنازة على أمّان جان والتي حضرها الآلاف من أبناء الجماعة.

تكريم الابن النبيل لوالدته:
قام حضرة المصلح الموعود بتكريٍم خاص لوالدته، إذ ذكر أن وفاة حضرة أمّان جان في ذلك العام يعد حدثا مهما في تاريخ الأحمدية " كانت حضرة أمّان جان رابطا حيا بيننا وبين المسيح الموعود وقد انتهى هذا الرابط مع وفاتها". وواصل القول إنه كان لوجود حضرة أمّان جان أهمية خاصة بسبب العديد من النبوءات المباركة التي أخبر عنها المسيح الموعود عليه السلام قبل زواجهما. قال حضرة المصلح الموعود إنّ كل ولدٍ يحب أمه، لكن بالنسبة إليه فإن حب حضرة أمّان جان لم يكن فقط على أساس كونها والدته، ولكن بسبب قيمتها الكبيرة كزوجة للمسيح الموعود عليه السلام. واستمر يتحدث عن حبه الصادق واحترامه لأمه الحبيبة ذاكرا أنه بعد وفاة المسيح الموعود عليه السلام لم يكن لديهم دخل، وهناك حادثة تركت أثرا عميقا فيه، فعندما توفي المسيح الموعود عليه السلام كان لديه بعض الديون ولكن حضرة أمّان جان لم تطلب من الجماعة أية مساعدة، بل تحملت هذا العبء شخصيًا وباعت مجوهراتها لتسد هذه الديون.
يقول حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) إنه كان صغيرا في ذلك الوقت ولم يكن قادرًا على المساعدة، لكن هذه الحادثة أثرت فيه بعمق وجعلته يتأمّل كيف أن الله تعالى قد بارك المسيح الموعود عليه السلام بإعطائه مثل هذه الرفيقة المخلصة والمتفهمة.

الشعور بالامتنان بلسان حال حضرة أمان جان رضي الله عنها:
أعزائي القراء، هناك الكثير من الحوادث الملهمة للإيمان فيما يتعلق بهذا الموضوع، وكان انتقاء بعضها أشبه باختيار لؤلؤة واحدة من صندوق كنز ضخم مليء بالأحجار الكريمة .
إنّ أدعية المسيح الموعود عليه السلام وحضرة أمان جان هي الكنز الأعظم لجميع أبنائهم المباركين وفي الواقع لذريتهم كلها. كما قالت حضرة أمان جان بعد وفاة المسيح الموعود عليه السلام : "لقد ترك لكم في السماء كنزا كبيرا من الأدعية التي ستستمر في الوصول إليكم في الوقت المناسب "
سأختتم المقال بأدعية جميلة كتبها حضرة المسيح الموعود عليه السلام في قصيدة له وهو يتحدث بلسان حال حضرة أمان جان رضي الله عنها وهي تناجي ربها..

يا حبيبي يا إلهي، أرجوك أن تجعل أبنائي يرون بأم أعينهم جلال نورك
وامنحهم العمر المديد، والرزق، والسلام والصحة؛
ونوّرهم قبل كل شيء بنور معرفتك.