أمينة العيساوي - المغرب



 تجربتي مع الأحمدية
(الولادة الثانية)

قبل الأحمدية كانت لي حياة مختلفة يكتنفها الغموض، والتناقضات، واللامنطق واتباع التقاليد، وتصديق الخرافات الواهية وإلى غير ذلك من الأمور...لكن المؤسف هو أني لم أكن أعرف أن بعض أو بعبارة أصح، أغلب تلك الاعتقادات لم تكن هي تلك التي قد أخبرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم باتباعها.
صحيح أنني ولدت مسلمة أبا عن جد، نصلي، نصوم، نزكي... ونقوم بكل ما يجدر بالمسلم القيام به، لكن لم نتجرأ يوما ولو على سبيل االمثال، أن نطرح سؤالا من قبيل: هل هذا يكفي؟ هل هذا هو ما أمرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم باتباعه...؟
العديد من الأسئلة التي تبدو في طياتها بسيطة، لكن في تلك المرحلة لم تكن كذلك، لأننا وبكل بساطة كنا مبرمجين على ما يقال لنا سواء في البيت، أو في المدرسة، أو في الشارع...وطبعا ما كان لنا إلا أن نخضع لذلك الموروث.
فقد علمنا في البيت أن نخاف من شيء اسمه "الجن الشبحي" والذي يمكن أن يتلبس بالإنسان، وعلمنا أن لا نسكب الماء الساخن في الليل، وخاصة في المجاري لأن الجن يسكن هناك...وعلمنا أن السحر موجود، وأنه يمكن للآخرين أن يلحقوا بنا ضررا ولو عن بعد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحر...
وعلمنا في الجامعة أن القرآن منسوخ، وأن عيسى عليه السلام مازال حي، وقد رفع بجسده المادي الى السماء، وعلمنا أن نحقد على غير المسلمين بحجة أنهم كفار، ونسينا أن الله رب العالمين ورسوله الأكرم أرسل رحمة للعالمين، لكن كما قلت هذا أمر عادي كنا نعتز به ونتفاخر بكوننا عرب أولا، وثانيا بكوننا مسلمين...
لكن في سنة 2011 حدث أمر مهم، غير مجرى حياتي بالكامل.
لدي أخ اسمه ادريس، هو يعيش في مدينة أخرى بعيدة عن مدينتي التي هي فاس، وهو يحب بطبيعته البحث والاستماع لكل ما له علاقة بالدين، وحدث أن وجد قناة MTA العربية بالصدفة، فبدأ يشاهد برامجها، وقد أخبر أختي الكبرى أيضا، وحدث أن التقت بأمي في مركز التسوق، فقالت لها أختي قولي لأمينة أن هناك قناة اسمها MTA العربية، وإنهم يقولون بأن الإمام المهدي والمسيح الموعود قد جاء، فقالت لها أمي، يا ابنتي لا أستطيع تذكر كل هذا، عندما تلتقين بها أخبريها بنفسك... فقالت لها أختي حسنا انتظري، ذهبت اختي الى محل تجاري وطلبت من صاحب المحل ورقة وقلم، فكتبت لي تردد القناة في ورقة صغيرة لا يكاد يُفهم ما كتب فيها، )قد يبدو هذا الأمر عادي، لكنه بالنسبة لي ليس كذلك، لأنه تدبير إلهي حتى تصل الرسالة (…
في المساء عندما أتت أمي أعطتني الورقة وطبعا لم أفهم شيئ،حيث استغربت كثيرا مما كتبته لي أختي...
المهم أدخلت تردد القناة، وكان أول ما وقع عليه نظري هو برنامج الحوار المباشر، لكن قلت في نفسي سأشاهده في وقت لاحق.
كان سني أنذاك 18 سنة،كنت أدرس في السنة الأولى بكالوريا، لكن رغم صغر سني فأنا ولله الحمد كنت من المواظبين على أداء الصلاة في وقتها، وكنت أحب متابعة البرامج الدينية، وخاصة على قناة الرحمة وأقرأ للشيخ محمد حسان، الذي كنت أعتبره المثل الأعلى الذي يجب أن يقتدى، وكنت متعصبة لما يقوله المشايخ لأني كما سبق وأشرت،كنت مبرمجة على اتجاه واحد، وعلى تصديق ما يقال لنا...
المهم بدأت بمشاهدة القناة، وبدأ اهتمامي يقل بالقنوات الأخرى، وكأن شيئا ما كان يجذبني سبحان الله. في الأول كنت لا أفهم ما يقال، لأنه مخالف لما تعلمته ولما كنت أعتقده، لكن رغم ذلك بدأت عصبيتي تتبخر شيئا فشيئا، وبدأت أستوعب بعض الأمور، وكنت أذهب عند أختي ونتناقش فيما نشاهده، هي أيضا انصدمت لما كانت تشاهده...
يوم بعد يوم، بدأت أشعر بشيء غريب، إحساس لا يمكن وصفه لدرجة أني عندما أتذكر ذلك، جسمي يرتعش، حيث لم أعد أتكلم كثيرا كما كنت من قبل، وأصبحت أفضل البقاء لوحدي، وحتى في المدرسة أصدقائي لاحظوا ذلك، وكانوا يسألونني ماذا هناك...؟
كنت أحدثهم بما علمت، وخاصة مسألة "الجن" و"موت عيسى عليه السلام" لكن كانوا ينعتونني بالمجنونة، وقالوا لي ما لك وهذه الأمور المعقدة والصعبة، أنت مازلت صغيرة الأفضل لك أن تستمعي بوقتك ودعك من هذه الأفكار، حتى أن البعض منهم نصحني بزيارة طبيب نفسي، ومنهم من اتهمني بالتشيع، وبالخروج عن الإسلام...
لكن هذا أمر طبيعي، لأننا هذا ما كنا نعتقده، أما أن تقول أمور من قبيل:لا يوجد جن (حسب المفهوم التقليدي)،أو أن عيسى عليه السلام قد مات كباقي الأنبياء، فكأنك ارتكبت جريمة أو اكثر.
لكن رغم كل ذلك لم أكترث، وتابعت مشواري في البحث وطرح الأسئلة...إلى أن شعرت بثقل المسؤولية، حينها توجهت الى الله تعالى، وكانت تلك أول مرة أقف فيها أمام الله وأنا مثقلة بالعديد من التساؤلات، وكنت مشوشة الذهن وكأن شيئا ثقيلا وضع على رأسي...
استخرت الله وقلت الدعاء الذي علمنا إياه المسيح الموعود عليه السلام :'اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه'.
وأنا أبكي بحرقة شديدة، كنت في عالم آخر كله فكر وتأمل، في الحقيقة مهما حاولت أن أصف ذلك الإحساس لن أستطيع،كنت كالجنين الذي يتربى في بطن أمه يوما بعد يوم...إلى أن جاء اليوم الذي جمعت فيه أوراقي وحسمت الأمر، وقررت الانضمام الى الجماعة الإسلامية الأحمدية، والركوب في سفينة النجاة، طبعا لم يكن بالقرار السهل ولكني كنت مقتنعة بما أفعله، وكأن قوة داخلية كانت تدفعني لذلك.
ومازلت أتذكر نصائح أمي الغالية، التي كانت تراقبني عن بعد، وتراقب تصرفاتي التي أصبحت غريبة بعض الشيئ، كانت دائما تقول لي: ''أمينة هل أنت واثقة من هؤلاء الناس؟ إني أخاف عليك يا ابنتي ''.
قلت لها يا أمي لا تخافي علي فأنا أعرف ماذا أفعل، وقد قررت أن أبايع، استغربت وقالت ''تبايعين من وكيف و...؟؟ (فأمي الغالية لم تدرس في المدارس أو...، فهي إنسانة بسيطة ولا تعرف أكثر عن هذه الأمور، لكنها مقربة إلى الله والكل يحبها ولله الحمد...) ثم قالت لي، ماذا عساني أن أقول لك يا ابنتي، أنت تعرفين أكثر مني وأنا أثق فيك، قلت لها فقط أطلب منك الدعاء ثم الدعاء...
فتوكلت على الله، ودخلت موقع الجماعة ونقرت على المكان المخصص للمبايعين، وكتبت:"أنا أمينة...أريد أن أبايع الإمام المهدي عليه السلام..."
وبعد أسبوعين أو أقل، تلقيت اتصالا هاتفيا، فاذا بامرأة قالت لي: "هل أنت أمينة العيساوي، قلت نعم قالت لي نحن الجماعة الإسلامية الأحمدية هنا بالمغرب (تفاجأت بما قالته، لأني لم أتخيل بأن يكون هناك أحمديون في المغرب أيضا، وأتذكر أني كنت في المطبخ ساعتها، وعندما سمعت الخبر بدأ جسمي يرتجف، لا أعرف ما كان ذلك، أهي الفرحة أم ماذا...)
قالت لي سأمرر لك زوجي "جمال أغزول" ليشرح لك بعض الأمور... فقال لي سنرسل لك وثيقة البيعة، وقومي بتعبئتها خطيا هذا أفضل..."
وبعد إنهاء المكالمة اتصلت بأختي والفرحة تغمرني، قلت لها أني قد بايعت، قالت لي: "أمينة هل أنت مقتنعة؟ قلت لها بالتأكيد، قالت لي مبارك، أنا أيضا قررت المبايعة ..."
المهم بعد فترة قصيرة، اتصل بي السيد "جمال أغزول" مرة أخرى وقال لي: "أن شخص اسمه "السيد عصام الخامسي" وهو رئيس الجماعة بالمغرب، سيأتي إلى فاس ويمكنك أن تلتقي به و تكتبي بيعتك، قلت له حسنا ان شاء الله..."
قلت لأمي ذلك لكن لم يعجبها الأمر، قالت لي كيف تلتقين بشخص لا تعرفينه، في الحقيقة كان صعب علي إقناعها.
قلت لها :" لا تخافي يا أمي، حتى ادريس وفوزية يعرفان هؤلاء الناس، فقط لا تقلقي وادعي معي كل شيئ سيكون بخير إن شاء الله، قالت لي حسنا موفقة يا ابنتي..."(مازلت أتذكر تلك الأيام وكأن ذلك حدث بالأمس فقط)، المهم أخذت معي صديقتي المخلصة سمية، التي كانت ما تزال غير مقتنعة بعد، وكانت دائما تقول لي، والله يا أمينة أخاف عليك أن تكوني قد أخذت الوجهة الخطأ، لكن مع ذلك لم تتكلم يوما بسوء عن الجماعة، بل كانت تلتزم الصمت أو تكتفي بالقول:' أمتأكدة يا أمينة من هذا الأمر؟' ...
(وبالمناسبة هي أيضا بايعت الآن ولله الحمد، بعد خمس سنوات من البحث والتساؤلات...كنت دائما أشرح لها بالتفصيل الممل، إلى أن وجدت الحق ودخلت هي الأخري في سفينة النجاة...)
المهم اتصل بي السيد عصام، واتفقنا على المكان الذي سنلتقي فيه، والذي كان معرض الكتاب في فاس في ذلك اليوم، حيث شرح لي العديد من الأمور، منها أن هناك أحمديون في المغرب...، وقد أعطاني أرقام بعضهم، وأخبرني قصة مبايعته هو أيضا...
وبعد ذلك أخرج وثيقة البيعة من محفظته، وقال لي اقرئي ما فيها، أخذت الوثيقة ويداي ترتجفان من الفرحة، وبعد ذلك قمت بتعبئتها وكنت أحس كأني في بطن أمي، وسأخرج لأول مرة لهذه الدنيا...نعم ذلك كان هو يوم ولادتي الروحية، مازلت أتذكر نظرات صديقتي وهي تتحسر علي، وكأنها تقول ماذا تفعلين يا أمينة...!!
بعد أن انتهينا ذهبنا لتناول وجبة الغذاء لأنه كان قد قطع مسافة طويلة من مراكش إلى فاس، بعدها تمنى لي حظا موفقا، ودعا معي ثم ذهب...
في الحقيقة في ذلك اليوم، كنت مثل الطائر الذي يحصل على الحرية بعد خروجه من القفص، كان شعور لا يوصف، ومن تلك اللحظة بدأت حياتي الثانية في النمو...
وبعد فترة قصيرة، بايعت أختي وبعدها أخي ولله الحمد (يعني سبحان الله كان أخي الأكبر أول من عرف الأحمدية، ثم أختي وأنا في الأخير، لكن كما قال لي أخي لم أعتقد أنك ستهتمين بالأمر، نظرا لصغر سنك، لكن كنت أنت أول من بايع ولله الحمد...)
المهم بدأت حياتي في التغيير يوما بعد يوم، تصرفاتي، طريقة كلامي، حتى لباسي...كل شيء بدأ يتجه للأحسن بفضل الله تعالى، حيث الكل بدأ يلاحظ ذلك...
وعندما انتشر الخبر بين العائلة، والأصدقاء...بدأت سلسلة الإعتراضات المصحوبة بالاتهامات والإستفزاز، ونعتي بالخروج من الإسلام...فكل يوم كنت أتلقى فيه كلاما يجرح كالسيف الحاد، خاصة من المقربين، لكن ما كان ذلك ليغير شيئا، لأني كنت أتجه الى الواحد الأحد، وأطلبه في خشوع بأن يمدني بالقوة الكافية لمواجهة تلك التحديات...
وعندما كان يتحدث معي أي شخص، ويريد أن يتحداني أو يتكلم عن الإمام المهدي عليه السلام بسوء، كنت أتكلم بثقة وقوة، وكأن شيئًا ما كان بداخلي هو من يتكلم...
و كنت دائما أرى رؤى، كانت هي الأخرى تزيدني شحنة يوما بعد يوم، ومن بين هذه الرؤى، رأيت الإمام المهدي عليه السلام، والخليفة الخامس أيده الله بنصره العزيز، نازلين من السماء ومعهما نور ساطع... ورأيت الخليفة الخامس يعطيني سمك مقلي، ويقول لي تفضلي...كما كنت قد رأيت، المكان الذي كان يجلس فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، في غار حراء، وحذاءه، وسجادته، وماء عذب كان يجري في ذلك المكان،...وكنت أشعر بالطمأنينة وبفرحة لا توصف في تلك الرؤيا...
و كنت دائما أقوم بالتبليغ، لكن غالبا ما كنت أتلقى ردا لاذعا، لكن رغم ذلك لم أستسلم و كنت دائما أحاول، حتى أن بعض الناس صاروا ينظرون الي بنوع من الشفقة والحسرة...
وعندما كنت في الجامعة، كنا قد درسنا بعض الأمور المتعلقة بالشريعة والفقه، وكنت أتساءل عن بعض الأمور، لكن أسئلتي كان يراها البعض غريبة، أو خارجة عن الموضوع، أو غير مقبولة...
المهم بدأت أتعرف على الأحمديين عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وكنا نتناقش حيث زادت معرفتي بأمور عدة لم أكن أعرفها بعد، وكلما زاد بحثي، غالبا ما كنت أتفاجأ في التفسير التقليدي، (تفسير القرآن والأحاديث، ومسألة نسخ القرآن والعديد من الأمور...)
ويوما بعد يوم، بدأ رصيدي المعرفي يزيد بفضل الله تعالى، ففكرت في طريقة جديدة للتبليغ، وهي الإكتفاء فقط بطرح الأسئلة، حتى أجعل الشخص الذي أتحاور معه، يفكر ويكون الحوار أطول، وفعلا كانت فكرة جيدة ...حيث كنت أختار الأمور التي هي حديث الساعة، أو المعروفة عند العامة كمسألة الجن مثلا...لتكون تمهيدا للآتي من المواضيع، وغالبا ما كانت أسئلة صادمة للبعض...
حتى مع أمي، كنت دائما أشرح لها بطريقة مبسطة حتى تفهم، لكن بالنسبة لأمي كنت أركز لها على مسألة الدعاء، لأنه بالنسبة لشخص لا يجيد القراءة، صعب أن يفهم بعض الأمور...حيث علمتها ماذا تقول في الدعاء، وأنا بدوري كنت أطلب من الله أن يريها الحق... وفعلا هذا ما حدث بفضله تعالى، حيث كانت ترى رؤى رائعة، من بينها أنها رأت شخصا يقول لها، افتحي الباب ودعيهم يدخلون أي "الأحمديين"...والعديد من الرؤى...
وبعدها أحست براحة تجاه الجماعة، فقررت أن تبايع هي الأخرى، وكانت فرحتي لا توصف، حيث أصبحنا أربعة أفراد أحمديين ولله الحمد، لتبايع بعد ذلك أختي الأخرى 'حنان' ثم زوجة أخي المبايع ادريس، 'نجاة'...باستثناء أخ آخر لي لم يبايع حتى الآن، أطلب من الله أن يريه الحق...آمين
لكن بعد مبايعة أمي، دخلت العائلة على الخط، لتبدأ مرة أخرى سلسلة من الهجمات من نوع آخر.
حيث كانوا يقولون لها:"يا مرية (هذا اسم أمي الغالية) أبعد هذا السن تخرجين من الإسلام، لتتبعي ما يقوله أولادك -الحمقى- يجب أن تتوبي وتستغفري ربك..."
ومن ذلك الحين وحتى يومنا هذا، لم تعد العلاقة كما كانت من قبل، حتى أن البعض قاطعها...لكن رغم كل تلك المضايقات، والتي كانت صعبة في بعض الأحيان، إلا أننا اكتسبنا المناعة مع الوقت، فيكفي أن تكون مقتنعا بشئ ما، هذا هو المهم...
أنهيت دراستي الجامعية، وحصلت على الإجازة في الدراسات العربية بميزة حسنة بفضل الله تعالى، وبعد ذلك قررت متابعة الماجستير حيث اجتزت الاختبار وتم قبولي، وقد تم اختياري أنا وطالبة أخرى فقط من نفس التخصص، في الجامعة كلها لأنه كان صعب جدا، لكننا وفقنا بفضل الله تعالى... وفي أثناء ذلك الوقت، تقدم شاب من بريطانيا لخطبتي. انذآك كنت في حيرة من أمري، هل أتابع دراستي أم أقبل الزواج، خاصة وأن الشاب من جنسية مختلفة، فالأمر ليس بالسهل لأني سأقبل على ثقافة مختلفة بكل معنى الكلمة، هذه كلها تساؤلات كانت تراودني...
لكن فوضت أمري لله عز وجل، واستخرته، فإذا بي أرى أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز، يعطيني كأس حليب ويقول لي مرحبا بك في لندن، كما أني شعرت براحة تجاه هذا الموضوع، فاعتبرته إشارة إلهية لدعائي له عز وجل فوافقت....المهم جاءت عائلة الشاب، وتمت الخطبة بقراءة الفاتحة، لتكون بداية لرحلة طويلة بإذن الله...أما بالنسبة للدراسة فلم أستطع الاستمرار في الماجستير، لأنه كان علي تعلم اللغة الإنجليزية، وهو ما لم يكن بالأمر بالسهل، لأني كنت أريد إكمال الماجستير، حيث كنت متحمسة جدا له...لكن الله اختار لي طريق آخر، والذي كان من أجمل هدايا القدر...
المهم بدأت في تعلم اللغة الإنجليزية، حيث بدأت من الصفر لأني كنت قد درست اللغتين الفرنسية والإسبانية...، وقد درست اللغة الإنجليزية لمدة ثلاثة أشهر، واجتزت الامتحان بنجاح بعد مجهود كبير بفضل الله تعالى...
فكما يقال "إذا كنت تملك الرغبة، والعزيمة، من أجل الوصول الى هدف معين، و صلتك مع الله جيدة فكن على يقين أنك ستبلغ مرادك...مهما كان هناك من صعوبات وعراقيل..." وهذه قاعدة أؤمن بها في حياتي...
المهم قمنا بإنهاء كل الإجراءات من أجل عقد القران...، وفعلا كل شيء مر بخير بفضل الله تعالى، بما في ذلك الإجراءات الإدارية في المغرب...بعد أن أنهينا كل شيء حددنا موعد الزفاف، والذي كان في الخامس من مايو 2016، وفي اليوم السابع كانت الوليمة...
في الحقيقة مر الزفاف في جو عائلي رائع، حيث كان هناك توافق رائع بين العائلتين، حيث جاءت عائلة زوجي، والمكونة من الأم والأب، و أخ وأخت، وخاليه وابنتيهما، وحتى جدة زوجي تحملت مشقة السفر من الهند (قاديان) إلى المغرب لتكتمل العائلة...، فرغم بعد المسافات والثقافة المختلفة...، إلا أنه وبفضل الله تعالى كنا نحس كأننا نعرف بعضنا منذ وقت طويل...حيث وجهنا الدعوة لكل العائلة والأحمديين إلا أن عائلتي لم تحضر إلا البعض منهم، بسبب أننا أحمديون ( غير مسلمين )...وقد مرت أجواء الزفاف في جو عائلي كله حب، وتفاهم...، كما حضر بعض الأحمديين الذين سمحت لهم الظروف، من جميع مناطق المغرب بفضل الله تعالى...
بعد الزواج بأربعة أشهر، حصلت على التأشيرة للالتحاق بزوجي في بريطانيا...حيث قدم زوجي لأخذي، في الحقيقة لم يكن أمر ترك عائلتي سهلًا، وخاصة أمي الغالية، والتي لم تتحمل أيضا...، لكن كما يقال هذه هي سنة الحياة، وقدر الله تعالى، فلا أحد يعرف في أي مكان سيعيش، أو مع من...
لكن مع ذلك فقد كنت جد متحمسة للقاء عائلتي الثانية، وللقاء الخليفة الأمر الذي كان حلم حياتي...
المهم وصلنا لندن على خير ولله الحمد، وأول مكان ذهبت إليه هو مسجد الفضل، في الحقيقة كان شعور لا يوصف، حيث شعرت بطمأنينة وراحة ...
وبعدها كان لقائي بعائلتي الثانية، والذين استقبلوني أحسن استقبال...
في الحقيقة أحمد الله على هذه النعمة، حيث تركت عائلتي في المغرب لأجدها هنا في بريطانيا، فهذا فضل من الله لأني لم أحس أني وحيدة، بل وقفوا كلهم إلى جانبي ومازالوا...
وهكذا بدأت حياتي في التأقلم مع كل شيء هنا، حيث صليت لأول مرة في مسجد أحمدي، الأمر الذي لم يتسنّ لي في بلدي وكان أول مسجد صليت فيه هو'مسجد الفضل' كنت ما أزال لا أصدق، فلطالما شاهدته في التلفاز فقط، لكن بفضل الله تعالى تحقق...إلى أن جاء الموعد الذي كنت أحلم به منذ أن بايعت، وهو لقاء الخليفة الذي كنت أراه في رؤياي فقط..، فعندما حدد موعد الملاقاة، كنت أحسب الدقائق متى سيحين ذلك اليوم؟
وعندما حان الموعد، ذهبت أنا وزوجي للقائه...عندما دخلنا ورأيته مباشرة، دخلت في غيبوبة روحانية، أحسست كأني في عالم آخر، فقد ذهبت عني كل الكلمات، وكل التعابير...وكأن تفكيري توقف في تلك اللحظة، شعور مختلط بالدهشة والفرحة ... قد يظن القارئ أني أبالغ في ذلك، لكنها الحقيقة، لأن ذلك شعور لحظي لا يحس به إلا من هو في ذلك الموقف...المهم وضع يده المباركة على رأسي، وقال لي تفضلي بالجلوس أنا وزوجي، وعندها بارك لنا الزواج، وأعطانا خاتمين أنا وزوجي وسألني كيف تعرفت على زوجي، وعن عائلتي هل كلهم أحمديون، وماذا درست ...، وكما قلت من قبل فقد ذهب عني كل شيء، كان لدي الكثير لأقوله لحضرته، لكن بفعل الدهشة وقصر الوقت لم أقل كل ما كنت أريد قوله، (إن شاء الله في المرة المقبلة...) حتى انتهت المدة المخصصة لنا، وتمنيت لو أن عقارب الساعة توقفت ساعتها لأجلس مع حضرته أكثر، لكن هذا هو القانون لندع غيرنا يراه أيضا...المهم دعا لنا وتمنى لنا حظا موفقا في حياتنا الزوجية، وأعطيته هدية بسيطة كتذكار من المغرب، وهكذا انتهى اللقاء...
وها هي حياتي مستمرة بفضل الله تعالى، مع تمنياتي بخدمة الجماعة إن شاء الله تعالى...
ففي كل جمعة أصلي مع الخليفة نصره الله، وألتقي بالأخوات الأحمديات من كل بقاع المعمورة، فهذه نعمة لا تقدر بثمن حيث أنك ترى آيات الله تتحقق كما في قوله تعالى "في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ... " ومن جهة أخرى عندما أنظر إلى الماضي والذي ليس ببعيد، فست سنوات ليست بالمدة الطويلة، لكن ثمارها كانت كثيرة ولله الحمد...، ولكن مع ذلك أحس كأني أعرف الأحمدية منذ مدة طويلة، حيث اندمجت مع أفكارها وكأني لست تلك الفتاة التي كانت قبل ست سنوات...، إلا أنني لا أندم على كل ما فات لأني لم أختره وإنما فرض علي كما فرض ولازال على الآخرين، لكن الأهم هو أني وفقت لمعرفة الحق، وأدعو العلي القدير أن يرشد الجميع للإيمان بمبعوث السماء، والركوب في سفينة النجاة ... آمين، فما دام الله قد أعطانا عقل يحكمنا فالأحرى بنا أن نشغله فيما يخدم آخرتنا، لا أن نعطله أو نستخدمه فقط في الأمور الدنيوية...
ففي كل سجدة أسجدها لرب العالمين، أشكره على نعمة الإسلام وعلى نعمة الأحمدية...أسأل الله أن يبارك في هذه الجماعة وينصر الأب الروحي لهذه الجماعة أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز، وأبناءها، وأن يثبتنا ويوفقنا لخدمة دينه وتبليغ دعوة مسيحه الموعود عليه السلام ...آمين.