معالجة الاكتئاب والحزن من وجهة النظر الإسلامية



 قدمنا في العدد الفائت موضوعًا حول الصحة النفسية من وجهة النظر الطبية وقد ألقته الدكتورة قرة العين في إحدى برامج حوار الأديان الذي عقدته لجنة إماء الله في المملكة المتحدة في نوفمبر عام 2019

وفيما يلي خطاب حول وجهة النظر الإسلامية في هذا الموضوع والذي قدمته اللجنة في نفس هذا البرنامج، حيث قدمت نساء من مختلف الأديان وجهة نظر دينهن والحل الذي يقدمه لمعالجة الاكتئاب والحزن.. نترككم مع هذا الخطاب:

العزلة قضيةٌ ملحة في العالم اليوم، فوفقًا للإحصائيات الأخيرة، فإن 7.2٪ من مواطني الاتحاد الأوروبي منعزولون اجتماعيًا وهذا يعني أنهم لا يلتقون أبدًا بأقاربهم أو أصدقائهم.
وفي المملكة المتحدة، وجدت دراسة أجرتها مؤسسة Age UK أن نصف مليون شخص ممن تزيد أعمارهم عن 60 عامًا يقضون كل يوم بمفردهم، دون أي تفاعل مع الآخرين.
ووجدت دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل شركة التأمين الصحي Cigna أن نصف الأمريكيين يعتبرون أنفسهم معزولين، وأن الأميركيين الشباب الذين ولدوا بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن العشرين يعانون من الشعور بالوحدة.
هناك أسباب لا حصر لها للعزلة منها على سبيل المثال لا الحصر: الاعتماد على التكنولوجيا، وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه رعاية الوالدين في سن الشيخوخة.
وحيث أن الإسلام دين يراعي الطبيعة البشرية، فقد قدم العديد من الحلول التي تساعد في معالجة هذه المشكلة، فحيث أن الحزن والأسى يزدادان عندما يبتعد المرء عن الآخرين لفترات طويلة مما قد يؤدي في النهاية إلى الاكتئاب، فإن الإسلام يركز كثيرًا على ضرورة عدم العزلة، ولهذا السبب يشجع أتباعه على التجمع 5 مرات يوميًا للصلاة جماعة في المساجد مما يفتح مكانًا للتفاعل الاجتماعي مع الآخرين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ‏"‏‏. (صحيح البخاري)
يوفر الإسلام في الواقع فرص عديدة للمسلمين للتجمع والتواصل الاجتماعي كجزء من عقيدتهم ومناسباتهم وممارساتهم، وهذا بدوره يزيد من سعادة الناس فعلى سبيل المثال، يأمر الإسلام المسلمين بالتجمع في العيدين وبلا شك فإن مثل هذه التجمعات تعزز السعادة.
وعلاوة على ذلك، أمر الإسلام أتباعه بقبول الدعوات، فقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: "ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ" (صحيح مسلم).
ومن ناحية أخرى، يرشد القرآن الكريم المسلمين إلى الاختلاط حتى بشعوب الأمم الأخرى والتعرف عليهم، يقول الله تعالى:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (سورة الحجرات:14)
ومع ذلك، لا يمكننا أن ننكر حقيقة أن بعض الناس قد يعزلون أنفسهم عند الشعور بالحزن والأسى نتيجة فقدان أحد الأعزة أو غير ذلك، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى الاكتئاب. لكن الإسلام يعطي حلاً لمثل هذا النوع من الحزن أيضًا فهو بدايةً يطلب من المسلمين الخضوع لإرادة الله وطلب عونه تعالى بالصبر والصلوات لأن الله تعالى الوحيد القادر على إنقاذنا من مثل هذه الأهوال، يقول الله تعالى:
"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ" (سورة النمل: 63)


بحسب الإسلام، فإن كل أنواع الخسارة، سواء كانت خسارة للثروة أو الوظيفة أو لإنسان عزيز أو أيًا كان، فإنها في الواقع، لتذكيرنا بأن هذا العالم وأي شيء فيه زائل، وأن قلوبنا يجب أن تكون متعلقة فقط بمن هو أبدي والذي لا يعاني من أي خسارة. كذلك يعلمنا الإسلام أنه مقابل كل معاناة أو ابتلاء يصيبنا، فإن الله تعالى سوف يغفر جزءًا من خطايانا وأوجه قصورنا ويعوضنا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"‏ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه‏"‏ (بخاري ومسلم).
من ناحية أخرى، يجب تقديم التعازي للعائلة التي فقدت عزيزًا لمدة 3 أيام لأن الحزن يدفع بصاحبه للعزلة والتوقف عن الاختلاط الاجتماعي، وبالطبع فإن صدمة فقدان شخص عزيز تكون أقوى في الأيام القليلة الأولى، لذا فإن رؤية الأشخاص من حولهم والتحدث إلى الناس والبكاء على أكتافهم يمكن أن يخفف من حزنهم كثيرًا.
كذلك يعلمنا الإسلام ضرورة التحلي بالصبر أثناء المحن والابتلاءات، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"‏عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن‏:‏ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له‏" (مسلم)
ومن ناحية أخرى فإن الإسلام لا ينكر أبدًا حقيقة أن فقدان شخص عزيز قد يؤدي بالمرء إلى أن لا ينام الليالي من شدة الحزن، لذا أمرنا الله بالبكاء على عتباته، يقول الله تعالى: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (سورة الرعد:28)
لذا على الإنسان أن يعبر عن كل ما بداخله أمام الله تعالى، وعندما تٌقبل أدعيته فإنه يشعر بالراحة والاطمئنان.
قد يبكي المسلمون ويحزنون.. ولكن الإسلام لا يقول أن تبكي إلى الأبد بل حدد أربعة أشهر وعشرة أيام للحداد على الزوج، أما في جميع الحالات الأخرى فيجب أن لا يزيد ذلك عن ثلاثة أيام. وبالطبع لا تنتهي الصدمة الناجمة عن الفجيعة ببساطة بعد فترة الحداد التي تستمر ثلاثة أيام، ويؤثر الحزن على عقل الإنسان وعواطفه ويستمر ذلك حتى بعد انتهاء فترة الحداد. ولكن التعبير الخارجي عن هذا الحزن هو الذي يجب أن ينتهي بعد هذه الفترة الزمنية، حيث أن حالتنا الظاهرية تؤثر على حالتنا الروحية. وهذا لا يعني أنه ممنوعٌ عليك أن تحزن فالإنسان لا يمكنه أن ينسى أبدًا الأعزة الذين فقدهم. وفي الواقع، الحزن الذي في قلب مثل هذا الإنسان لن يقل أبدًا، لذا عليه أن يخر في السجود للتعبير عن حزنه ومعاناته أمام الله سبحانه وأن يدعوه تعالى ليمنحه الصبر والراحة، وأن يساعده ويعينه على تجاوز هذا الحزن.
ويرشدنا الإسلام أيضًا إلى المشاركة أكثر في الأنشطة الاجتماعية بعد مثل هذه الفواجع ولقاء الناس والاختلاط بهم بدلًا من عزل النفس.
وحيث أن الشعور بالعزلة يزداد عند كبار السن، فقد أمرنا الإسلام بحسن معاملة الوالدين والإحسان إليهم عند كبر سنهم، يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (سورة الإسراء: 24)
فنرى هنا أنه بعد الإيمان بوحدانية الله وعبادته تعالى وحده، على الإنسان إعطاء الأولوية فوق جميع الأشياء الأخرى لرعاية والديه والاهتمام بهم لا سيما عند بلوغهما سن الشيخوخة، وأن يحيطهما بالمحبة والعطف والرعاية.
علاوة على ذلك، فإن الإسلام يأمرنا بالتداوي من الأمراض، لذا إذا أصبح الاكتئاب حالة مرضية لا يستطيع المريض النوم بسببها فعليه اللجوء للأطباء والتداوي من هذا المرض. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"‏تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ‏" (سنن أبي داوود).
حمانا الله وإياكم من جميع المصائب والأمراض، آمين.