مـــريَــمـــتــي



 لحضرة خليفة المسيح الثاني، المصلح الموعود (رضي الله عنه)
الجزء الأول
تعريب: خلود العطيات

مقدّمة
بعد أن بقيتْ مريضة لبعض الوقت، توفيت حضرة أم طاهر، السيدة مريم بيغم، في 05/03/1944. وبالطبع خيم الحزن عند رحيلها على الجماعة بشكل عام، ولكنه ترك الأثر الأكبر على زوجها، حضرة ميرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه، الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام، فلم يكتب أي شيء عنها لحوالي ثلاثة أشهر. ولكن، وبناءً على التعاليم الإسلامية في ضرورة ذكر محاسن الموتى، صاغ حضرته نعيًا جميلاً لزوجته النبيلة، وذكر صفاتها الحميدة والخدمات التي قدمتها للجماعة. يقدم هذا الكتاب تصويرًا دقيقًا لطبيعة حضرة المصلح الموعود الرقيقة والحنونة.

طفولة حضرة أم طاهر
قبل حوالي 36 عامًا، قام المسيح الموعود عليه السلام، بترتيب نكاح شقيقا الأصغر، المرحوم مبارك أحمد مع مريم بيغم ابنة الدكتور سيد عبد الستار شاه المحترم. ربما كان الغرض من هذا النكاح القيام بتنفيذٍ عملي لبعض الرؤى، والقضاء على أي جوانب تحذيرية قد تنتج عن عدم القيام بذلك. إلا أن إرادة الله قد وقعت وعاد مبارك أحمد إلى بارئه.
بدأ يشار إلى الفتاة الصغيرة، التي كانت غافلة تمامًا عن مفهوم الزواج بسبب صغر سنها، باسم الأرملة.
كانت مريم حينذاك تبلغ من العمر عامين ونصف، وكانت غالبًا ما تغادر الغرفة المستديرة -التي كانت تشتهر بأنها غرفة الضيوف في حياة المسيح الموعود عليه السلام- حيث كان يقيم الدكتور المرحوم سيد عبد الستار رضي الله عنه، ومعها ابنة أختها نصيرة، وكانتا تذهبان إلى الطابق العلوي في الجزء الرئيس من المنزل وتلعبان هناك. ولكنهما كانتا في بعض الأحيان تضطربان وتبدآن بالبكاء فكنت أقوم أحيانًا بحمل مريم أو نصيرة وأعيدهما إلى الغرفة المستديرة.
لم أكن لأتصور آنذاك أن تصبح الفتاة التي كنت أحملها وأعيدها إلى الطابق السفلي زوجتي في يوم من الأيام. لكن الأمر الذي كان تصوّره أصعب من ذلك بكثير هو أنني كنت سأضطر في يومٍ ما إلى اصطحابها وإنزالها، لكن ليس إلى الغرفة المستديرة، بل إلى مكان راحتها الأخير مع فكرة -ليس بأنني لن أرى وجهها مرة أخرى- بل اليقين بأنني أرى الوجه الذي أمامي في التابوت للمرة الأخيرة بعيني الماديتين ولن أكون قادرًا على التحدث إليها مرة أخرى أبدًا.
توفي مبارك أحمد الصغير، وانتهت إجازة الدكتور سيد عبد الستار شاه وعاد إلى عمله في رايا في مقاطعة سيالكوت. كان سيد ولي الله شاه والدكتور سيد حبيب الله شاه يدرسان حينها في المدرسة. وكانا صديقين لي، لكن الدكتور حبيب الله كان أقرب إليّ من بقية الأصدقاء فقد كنا متشابهين جدًا وقرينَين لا يمكن فصلنا عن بعض، لكنني لم أتخيل أبدًا أن أخته ستكون مرة أخرى جزءًا من عائلتنا.
كانت صداقتي معه بسببه هو فقط وليس لأن أخته وأخونا كانا مخطوبين لفترة قصيرة.
ثم مرت أيام وسنوات عديدة ومُسح اسم مريم من ذاكرتنا.
في أحد أيام عام 1917 أو 1918، بعد وفاة حضرة خليفة المسيح الأول رضي الله عنه، كنت في منزل زوجتي المرحومة أمة الحي. ولما غادرت الحمام مقتربًا من غرفتنا، وعند حافة الفناء الفاصل بين الغرفتين، لاحظت فتاة نحيلة جدًا ترتدي ملابس بيضاء، وبعد أن رأتني، رجعت إلى الوراء بمحاذاة جدارٍ خشبي ولفّت نفسها [وكأنها تحاول الاختباء]. وعندما دخلتُ غرفتنا، سألت زوجتي المرحومة أمة الحي: "من هذه الفتاة الواقفة في الخارج؟" فأجابت: "ألم تتعرف عليها؟ إنها مريم، ابنة الدكتور سيد عبد الستار شاه."
أصبتُ بالدهشة وقلت بأنها قد غطت نفسها، وحتى لو كانت أمامي، لما تمكنت من التعرف عليها. وهكذا بعد عام 1907، كانت هذه هي المرة الأولى التي دخلت فيها مريم أفكاري.

الزواج بمريم
ثم استفسرت عما إذا كان قد تم ترتيب زواجها في أي مكان، لكن كان الرد: "نحن السادات [من عائلة سيد التي تنحدر من نسل السيدة فاطمة وسيدنا علي رضي الله عنهما]؛ لا تتزوج أراملنا مرة ثانية. إذا كانت ستتزوج في عائلة المسيح الموعود عليه السلام نقبل، وإلا فسوف تقضي حياتها كلها أرملة.
كان ذلك بمثابة صدمة بالنسبة لي. لذلك، حاولت قصارى جهدي ترتيب زواج مريم في مكان آخر، لكن كان ذلك دون جدوى. في النهاية حاولت إقناع إخوتي بشتى الوسائل، فكنت أقول لهم "يجب ألا تضيع حياتها بهذه الطريقة"، وكنت أحثهم على التفكير في الزواج بها، لكنني كنت دومًا أتلقى ردًا سلبيا.
عند تلك النقطة خطر ببالي: يجب ألا يضرّ أي تصرف من تصرفات المسيح الموعود عليه السلام بأي شخص. ولهذا السبب ولأنه تجمعني صداقة حميمة بسيد حبيب الله شاه وسيد محمود الله شاه قررت أن أتزوج من مريم بنفسي.

الأيام الأولى للزواج
في الأيام الأولى لزواجنا، كانت مريم نحيفة جدًا وكان في بعض ملامح وجهها ما لم يكن يعجبني. كما كانت تتحدث بلهجة بنجابية قوية وكنت أكره استخدام البنجابية في منزلنا. كانت بطيئة إلى حدٍ ما في طبيعتها وبينما كانت تتحدث باللغة الأردية، كانت في كثير من الأحيان تتعمد خلط الكلمات البنجابية في جملها لتغيظني.
ولأنها كانت الطفلة المفضلة لوالديها، كانت إن لم يعجبها أمر ما تستاء وتبكي بدموعٍ غزيرة، وفي بعض الأحيان كانت تبكي باستمرار لبضعة أيام.
عندما سافرتُ إلى إنجلترا، حدث نوعٌ من الخلاف بينها وبين المرحومة أمة الحي، ونتيجة لذلك، شعرتُ بالاستياء منها. وعند عودتي، وجدت بأن الخطأ يقع في الواقع في غالبيته على أمة الحي رحمها الله. وبسبب شعوري بهذا الاستياء، لم أكتب إلى مريم في الجزء الأول من رحلتي، لكن الحمد لله، سرعان ما مكّنني الله من إدراك الواقع وأنقذتها من أن تلحق بها أية أذية أخرى.
كتبت لها رسالة حب من إيطاليا -وقد احتفظتْ بهذه الرسالة- وضمنت في هذه الرسالة بيتين من الشعر ملخصهما هو أن روما مدينة جميلة، لكنها بدونك تبدو خرابًا. ثم في أحد أيام عام 1930، ذُكر هذان البيتان بعد سبع سنوات من رحلتي إلى أوروبا وبمجرد سماعهما، انطلقت وأظهرت الرسالة لي قائلة: "لقد احتفظت بتلك الرسالة منذ ذلك الحين!" لقد أرسلت نفس البيتين إلى أمة الحي. ومن الغريب أن تكون مشيئة الله أن تغادراني كليهما، وتتركاني وحدي ليس فقط في روما بل وفي هذا العالم.

الوعد الأخير لسيدة أمة الحي
بعد أيام قليلة من عودتي من إنجلترا، توفيت أمة الحي. لم أجد أي شخص يعتني بأطفالها الصغار. قبل موتها مباشرة، أعربت أمة الحي عن قلقها البالغ إزاء تربية أطفالها وبشكل خاص "أمة القيوم بيغم" وقالت: "أمة الرشيد بسبب أن مرضعتها قد ربتها، لن تتذكرني بعد أن أرحل. وخليل يبلغ من العمر شهرًا واحدًا ولن يعرفني أبدًا. أما أمة القيوم فهي الأكبر. ماذا سيكون مصيرها؟"
كانت تنظر إلى كل طفل من أطفالها واحدًا تلو الآخر، لكن في هذا الأمر، لم تنظر إليّ أبدًا. ربما فكرت في نفسها "ماذا يعرف الرجل عن تربية الأطفال؟" كنت أنظر إليها مرارًا وتكرارًا لأقول شيئًا ما ولكنني كنت أقمع مشاعري بحضور أشخاصٍ آخرين. وفي النهاية، عندما حظينا بلحظة خصوصية، قلت لها، "أمة الحي، لماذا تقلقين كثيرًا؟ إذا كنت سأعيش، فسأعتني بأطفالك ولن أسمح "إن شاء الله" أن يصيبهم أي ضرر"، نطقتُ بهذه الكلمات لمواساتها، لكن في الواقع، لم يكن لدي أدنى فكرة عما يجب علي فعله.

الوفاء بالوعد
في الليلة التي تلت وفاة أمة الحي، سألتُ مريم: "لقد وُضع عبء ثقيل على كاهلي. هل تستطيعين مساعدتي؟" رحم الله روحها ألف مرة فقد أجابتني على الفور: "نعم، سوف أعتني بهم! سأربيهم كما تربي الأم أطفالها"
وفي اليوم التالي، أحضرتُ أمة القيوم وأمة الرشيد إلى مريم لنقلهما إليها. كنا كلانا غافلين عن أننا كنا في الواقع نقر بوفاتها لأنه نتيجة لهذه المسؤولية تحمل كلانا العديد من المصاعب. ولكن ونتيجة لتلك المصاعب بقي يحدونا الأمل بأن ننال بركات الله.
كانت أمة الحي عزيزة جدًا عليّ ولا تزال حتى يومنا هذا. لكنني لا أستطيع أن أجزم أنها في حال كانت قد بقيت على قيد الحياة إن كانت ستعتني بأطفالها عندما يمرضون كما اعتنت بهم مريم... رفع الله درجاتها إلى أعلى عليين وتغمدها الله بواسع رحمته. لم يكن أمرًا عاديًا لفتاة تبلغ من العمر 19 عامًا أن تصبح فجأة أم لثلاثة أطفال. لكنها قد تحملت المسؤولية بسهولة وحماس وساعدتني في وقت لم يستطع فيه أحد في العالم مساعدتي. لقد أعفتني من الوعد الذي قطعته على نفسي في وقتٍ لم أر فيه وسيلة لتنفيذه. لا تزال تلك اللحظة ماثلة أمام عيني عندما أخذت أمة القيوم وأمة الرشيد إلى مريم فاحتضنتهما بعيون دامعة قائلة: "من الآن فصاعدًا، أنا أمكما". فقفزت البنتان اللتان كانتا تبكيان خائفتين بين ذراعيها على الفور.

الدعاء من أجل الحب والذي استجابه الله تعالى
في تلك اللحظة قطعت عهدًا أمامها: "مريم، إذا قمتِ بتربية هؤلاء الأطفال، أعدك أنني سوف أحبك بلا حدود". بكيتُ وبكيتُ أمام الله داعيًا إياه أن يغرس حبها في قلبي، فاستجاب لي. منذ ذلك اليوم فصاعدًا، صار حبي لها كبيرًا، وزالت أية تحفظات كانت في قلبي تجاهها. وأصبح الوجه الذي لم أكن أستسيغه، الوجه الأكثر جمالاً في العالم وأصبحت طبيعتها اللامبالية التي كانت تضايقني في يوم من الأيام حقًا طبيعيًا.
ذكاء مذهل
لم تكن مريم متعلمة كثيرًا، وكان خطها غير مرتب. لم تستطع القراءة أو الكتابة بطلاقة. كانت تأخذ دروسًا لبضعة أيام ثم تتوقف، لكنها كانت في غاية الذكاء. كانت تفهم أية حركة من تعابير الوجه أو لغة الجسد لدرجة يظن المرء أن لديها طريقة خاصة لمعرفة الغيب. كانت تتمتع بطبيعة حساسة جدًا، فحتى عندما لم تكن السخرية هي الدافع، كانت تفهمها؛ وإن لم يكن الاستياء ظاهرًا، فقد كانت تستشعر به وكانت حتى إذا عوملت معاملة أفضل من الآخرين، تشعر وكأنها تتعرض للظلم. كنت في كل هذا نقطة التركيز، وهنا لم يكن لذكائها أية فائدة.

إيمانها المطلق بالأحمدية
كانت مريم تؤمن إيمانا صادقًا بالأحمدية. وكان تحب المسيح الموعود عليه السلام وتخلص له بشدة، وكانت تحب القرآن الكريم وتجوّده بترتيل. لقد تعلمت تلاوة القرآن من أحد الحفاظ ولهذا السبب – وإن كان بتركيزٍ مفرط - كانت تستطيع نطق حرفي الطاء والقاف بشكل جيد جدًا. لم تكن قادرة على بدء نقاشات علمية إلا أنها كانت تستمتع كثيرًا بالمحادثات التي تحث على التفكير.
في أيام الجمعة، إذا كانت الخطبة تتناول موضوعًا متميزًا، كنت أدخل منزلنا بعد الخطبة وأنا على يقين من أن وجه مريم سوف يكون مبتهجًا بسرور وستغمرني على الفور بالمجاملات قائلة إنها استمتعت حقًا بها. كان حدسي هذا نادرا ما يخطئ إذ كنت دائمًا أجدها تنتظرني عند الباب وكل كيانها يتألق بهجة في مثل تلك اللحظات.
يتبع….