مـــريـَـمتــــي – الجزء الثاني



 لحضرة خليفة المسيح الثاني، المصلح الموعود (رضي الله عنه)
الجزء الأول
تعريب: خلود العطيات

 كانت مريم شجاعة جدًا فكنتُ على ثقة تامة أنه يمكنني الاعتماد عليها في الأوقات الحرجة حيث كانت تقمع ضعفها الأنثوي تلقائيًا في مثل تلك اللحظات وتتصرف بشجاعة ومثابرة وتصميم لدرجة أن من يراها سيتقين أنه ليس أمامها أي خيار سوى الموت أو النجاح. فقد كانت تفضل الموت على الانسحاب من المسؤولية الموكلة إليها.
كانت حبيبتي في الأوقات العصيبة تمضي ساعاتٍ متأخرة كثيرة من الليل تساعدني في عملي دون أن تشكو أي تعب وكانت تكتفي بالقول: "هذا عمل الجماعة"، أو "قد يكون هذا خطرًا محتملاً على الجماعة"، أو "يمكن أن يؤدي ذلك إلى تشويه سمعة الجماعة".كانت هذه أسبابًا كافية بالنسبة لها لتنهمك بالعمل بكل إيثار.
كانت تنسى تناول الطعام، وتنسى أطفالها.. بل أكثر من ذلك.. كانت تنساني. كان تركيزها ينصبّ بالكامل على المهمة الموكلة إليها فكانت لا تُرى إلا بعد أن تنجز ما عليها من مهمة. كان الحال إما ذلك، أو أنها كانت تحيط نفسها بزجاجات الماء الساخن، وتلف بطنها المنتفخة وتستلقي بطريقة تبدو كما لو أنها قد عادت لتوها من المستشفى بعد عملية جراحية كبيرة. في الواقع، لم تكن تلك المهام أقل تعقيدًا من العمليات الجراحية بالنسبة لجسدها المريض.
لقد عرفت ببراعة كيف تجد المتعة في الأشياء. كانت تصلح النفوس المنكسرة ]بإعادة الابتسامة إلى وجوه أصحابها]. كان لديها شغف كبير لركوب الخيل وكانت تجيد الرماية، فكانت عندما تصيب هدفها بدقة أكثر مما كنت أفعل، تفرح فرحًا عظيمًا.
عرفت لوحدها كيف تجد المتعة في المشي لمسافات طويلة في الجبال وعبور الأنهار. سافرت معي إلى كشمير عام 1921 خلال موسم الأمطار. فكنت أتوسل إليها أن تكون جادة عندما كانت تنتابها نوبات متواصلة من الضحك. ولكن ذلك لم يؤدّ إلى الجدية ولا إلى الضحك فقد استمرت "الأمطار الغزيرة" من الدموع في التدفق حتى عودتنا من كشمير. كانت المرة الثانية التي ذهبنا فيها إلى كشمير بناءًا على طلب مريم حوالي عام 1929.
الآن، أنجبت مريم ثلاثة أطفال وكان لديها أبناء أمة الحي الثلاثة. ونتيجة لذلك، كانت مريم إلى حدٍ ما أكثر نضجًا مقارنة بالرحلة السابقة. وكذلك كنت أقدّرها بشكل أكبر بكثير أيضًا بسبب رعايتها لأطفال أمة الحي، فكان ضحكها مرحبًا به دائمًا في ذلك الجو. وهكذا، قضينا في تلك الرحلة وقتًا رائعًا في رؤية المعالم السياحية في كشمير وملأنا الفراغ الذي شعرنا به في رحلة عام 1921. ولكن كان الشيء الوحيد المتبقي هو رغبتها في رؤية كشمير معي وحدي، دون أن ترافقنا أي زوجة أخرى.
كان لدى مريم خصلة غريبة متناقضة إلى حدٍ ما فقد كانت تظهر حبًا كبيرًا لجميع أبنائي، بغض النظر من هي أمهم، لدرجة أنها كانت تعرب عن احترامها العميق لهم، إلا أنها كانت تجد صعوبة في التعايش مع زوجاتي الأخريات. لم تكن تتشاجر معهن كما يفعل الجهلة ولكنها كانت بلا شك تشعر بالامتعاض نحوهن، ولطالما رغبت بأن تُعامل معاملةً خاصة، ولأنني لم أتمكن من القيام بذلك انصياعًا لتعليمات الله ورسوله ﷺ، فقد كانت تجزم بأني لا أحبها أبدًا وأحب زوجاتي الأخريات أكثر منها.
كانت أحيانًا، عندما نكون بمفردنا، تسألني: "من تحب أكثر؟" وكنت أجيبها دومًا: "تعليمات الله تعالى تمنعني من الإجابة على ذلك". فكانت تتجهم عند سماعها ذلك وتلتزم الصمت. ولكنها توقفت عن طرح هذا السؤال في السنوات القليلة الماضية.
اليوم، إذا أرجعها الله إلى هذا العالم ومكنها من رؤية أشعة النور تتلألأ في قلبي بلا توقف وتمتد إلى السماء داعية بالرحمة ومتشبثة بعرش الرحمن، لعرفتْ إجابة سؤالها. لو أُذن لها بدخول هذا العالم مرة أخرى، لرأتني وأنا أذكر الله، وكيف وأنا أحمده تعالى تغشاني رحمته فأرتجف وأبكي بلا هوادة متضرعًا طالبًا رحمته: "يا إلهي الزكي! ألن تزكي مريم؟".
أو عندما أحمد الله في أفكاري، ويبدأ العالم كله بثناء الله وكل ما في السماوات والأرض يسبحون بحمده، فأرتجف ويبدأ قلبي يخفق بقوة فأصرخ لا إراديًا: "يا الله يامن يسبح كل شيء بحمدك! ألن تجعل مريمتي ممن يتلقون حمدك؟ "
لو كانت روحها قادرة على رؤية ذلك، لندمت على فهمها الخاطئ.
يا إلهي! يا إلهي! لقد كبحت نفسي لفترة طويلة نزولًا عند أمرك. ألن تبقي مريم سعيدة في عالم الآخرة مقابل ذلك؟ يا ربّ! أسألك رحمتك وأسجد على عتباتك فاقبل دعائي هذا وأبقِ شعلة الحب بيننا متقدة إلى الأبد واحمها من كافة المصائب والنوائب.
أحبّت مريم أقاربي حبًا جمًا وكانت تظهر لهم حبًا أكثر مما تظهره لأقاربها، وكانت علاقتها وثيقة بإخوتي وأخواتي وأعمامي وأولادهم. وكانت تقدر عاليًا آراءهم الطيبة وتتخذ جميع التدابير الممكنة لتحقيقها. وكانت لديها رغبة خاصة في خدمة حضرة أم المؤمنين حرم المسيح الموعود عليه السلام ولكن عندما أقامت بدايةً في منزلها آذتها خادمة أو خادمتين هناك مما جعلها تبتعد في الأعوام الأولى.
لكن سرعان ما تلاشت تلك المسافة، وكانت مريم، إن عانى أي شخص في عائلتنا، أول من يستجيب، ولم تكن تتعب من قضاء الليل والنهار في رعايته. وعلى الرغم من أنها كانت مريضة جدًا أثناء الحمل، إلا أنها كانت تجلس ممسكةً بطنها لساعات دون أدنى شكوى.
كانت مضيافة للغاية وتعمل جاهدة لاستضافة الجميع في منزلها. وخلال فترة الجلسة، كانت تمتنع قدر الإمكان عن طلب الطعام لضيوفها في المنزل من مطبخ الجماعة فكانت تتكفل بذلك وتعيّن المهام للأطفال لتسعد ضيوفها. وكانت تأخذ على عاتقها الكثير في بعض الأحيان لدرجة أنني كنت أقول لها "لقد أنشأنا بيت الضيافة المركزي لهذا الغرض بالذات؛ فلماذا تضعين صحتك على المحك بإرهاق نفسك؟ في نهاية الأمر أنا من سيتحمل عبء مرضك".
لم تكن أية نصيحة في هذا الصدد تحدث فرقًا. أدعو الله أن تنفعها ضيافتها الآن وهي في حضرة الضيافة الإلهية مع المضيف الأكرم فيمنح روحها مكانًا في أعلى جنات الفردوس.
عند وفاة المرحومة أمة الحي، بدأتُ دروسًا تعليمية لتشجيع الفتيات الصغيرات على التعليم وقد انضمت لها مريم أيضا، لكنها لم تكن تحب الكتب وكانت تفضل المهام العملية فلم تستطع تحمل هذا العبء وانسحبت من التعليم بعد بضعة أشهر فقط. ومع ذلك، كانت ذاكرتها حادة جدًا لدرجة أنها ظلت حتى وقتٍ قريب تحفظ القصائد العربية التي تعلمتها في تلك الأيام، فقد أنشدت لي قصيدة عربية قبل بضعة أشهر فقط.
عندما كنت أنوي تعزيز تعليم الإناث تزوجت المرحومة سارة بيغم لهذا الغرض، ووعدتْ مريم أن تسمح لها بالبقاء معها، لكنها لم تكن قادرة على الوفاء بهذا الوعد واضطرتا في النهاية إلى اتخاذ ترتيبات منفصلة، واستمر التنافس بينهما حتى وفاة سارة بيغم، وبعد ذلك أظهرت مريم الكثير من الحب لأطفال سارة لدرجة أنهم كانوا يحترمونها كما يجدر بالأم.
لقد ذكرتُ أنّ مريم بيغم أصيبت بعدوى داخلية بُعيد ولادة طفلها الأول، وكانت هذه العدوى تتفاقم عند كل ولادة. وكان الأمر يزداد سوءًا عندما تضطر إلى أداء عملٍ شاق. لقد بذلت قصارى جهدي لعلاج حالتها، ولكن دون جدوى. تم إدخالها مرتين إلى مستشفى أيتشيسون لتلقي العلاج. كما حاولت معالجتها في المستشفى العسكري في لاهور واستشرت أيضًا أطباء مهرة مثل الدكتور نيلسون والدكتور هايز والدكتور كوكس، ولكن لم يطرأ أي تحسن كبير ولم تنل سوى راحة مؤقتة. كانت حساسة بطبيعتها ونتيجة لذلك، لم تستطع تحمل أي شيء يتعارض مع رغباتها.
كانت في كثير من الأحيان تفقد الوعي بعد الانفعال مما كان يتسبب لها بضررٍ داخلي. وفي نهاية المطاف، أُجبرتُ على إخبارها - وإن كان على مضض - أنه إذا انتابهتها مثل هذه النوبات مرة أخرى، فلن أقترب منها للعلاج. كنت أعلم أنّ تلك النوبات سلوك عاطفي وأن قولي هذا سيفيدها. لذلك عندما كانت تظهر مثل ذلك السلوك، كنت أتصل بالطبيب وأغادر. فبدأت بقمع هذه المشاعر ولم تنتابها أبدًا مثل هذه النوبات خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة من حياتها.
لقد كتبتُ آنفًا أنها كانت تميل إلى ما هو عملي بدلاً من الكتب. وعندما توفيت سارة بيغم، ازداد شغف مريم للعمل وأخذت على عاتقها عبء أعمال لجنة إماء الله، وقد شهدت سيدات الجماعة بالطريقة التي أدت بها مسؤولياتها، وعلى الرغم من أنها لم تكن على قدرٍ كبير من التعليم إلا أنها قد ركزت كل طاقتها في عمل اللجنة. إن لجنة إماء الله اليوم ليست كما كانت عليه في عهد المرحومتين أمة الحي وسارة بيغم.
اليوم، هي مجتمع منظم فيه إمكانات كبيرة للتفوق. لقد أغضبت البعض لكنها أسعدت الكثيرين فقد ساندت الأرامل، وربت الأطفال اليتامى وتفقدت الضعفاء ومدت يد العون في تنظيم الجلسة واستضافت ورحبت بحفاوة بالسيدات اللواتي قدمن من بعيد [وهذا غيض من فيض فقط]..
لقد وسّعت نطاق اللجنة في كل شيء ونقلته لما هو أفضل. ولكن عندما يضع المرء في اعتباره أنها كانت غالبًا تدير أمور اللجنة وهي مضطجعة على الفراش محاطة بزجاجات الماء الساخن، يمتلىء قلب أي عاقل بالحب والتقدير لها. فيا رب! أنزل رحمتك علي وعليها.

يتبع...