لماذا يسمح الله بارتكاب المظالم؟



من لقاء جمع وفدًا من مجلس خدام الأحمدية في ألمانيا مع أمير المؤمنين حضرة ميرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) في المسجد المبارك في إسلام أباد بتاريخ: 25/01/2020

السؤال: نرى على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التلفاز أن المظالم ترتكب في جميع أنحاء العالم وبخاصة على الأطفال. لذا، سؤالي هو: على أية خطايا يُعاقب هؤلاء الأطفال ولماذا يمرون بمثل هذه المحن والتجارب؟

الجواب: إذا ارتُكب الظلم على الأطفال، فهذا ليس عقابًا لهم. الأطفال هم الذين تُرتكب المظالم بحقهم، والذين يرتكبون مثل هذا الظلم على الأطفال مذنبون وسيعاقبهم الله سبحانه وتعالى بكل تأكيد؛ إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة وستكون جهنم لهم المأوى. أما الأطفال الأبرياء الذين تُرتكب المظالم بحقهم فسيغُفر لهم. ولهذا السبب منع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ارتكاب المظالم بحق الآخرين، وقال إنه لا يجب قتل النساء وكبار السن في حالة الحرب، ويجب أن لا يؤذى الأطفال والأبرياء في أوقات الحرب، بل حتى لا يجوز الإضرار بالشجر وهو لم يذكر الأشجار المثمرة على وجه الخصوص، بل ذكر أنه لا ينبغي قطع الأشجار أو إلحاق الضرر بها لأن هذا ظلم أيضا. لذا، فقد حدد الإسلام العديد من أنواع الظلم المختلفة التي تعتبر جميعها أفعال وحشية وقال إن عليك ألا ترتكب مثل هذه الأفعال، وإذا قمت بذلك، فسيكون مأواك جهنم. أما الشخص الذي ارتُكب الظلم بحقه فسيتم العفو عنه، وهذا هو السبب في أن النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) قد قال "اتق دعوة المظلوم". إذا دعا عليك الشخص الذي ارتكبت ظلمًا بحقه فإن الله تعالى سيقبل دعاءه ويعاقبك، وإن لم تتم معاقبتك على الفور، فستتم معاقبتك في وقت لاحق. لذا، فإن طرح السؤال "لماذا يقع الظلم على المظلومين؟" غير صحيح.
إذا كان الأقوياء يستخدمون قوتهم ويظهرونها، فإنهم يضعون أنفسهم تحت غضب الله عز وجل. فسواء أكان الظلم يرتكب بحق الأطفال أو النساء أو كبار السن، فإن مثل هذا الظلم في الواقع، يصبح وسيلة لهم لنيل المغفرة. الله سبحانه وتعالى يغفر الكثير من ذنوب هؤلاء المظلومين. وبالطبع، فإن الأطفال بلا خطيئة لأنهم أبرياء على أي حال، ولكن سيتم معاقبة أولئك الذين يرتكبون الظلم بحقهم. لذلك، ليس هذا هو السؤال الصحيح. لا يجب أن يحدث مثل هذا الجور ليكون بمثابة عقاب على الظلم المرتكب. هل قام الله تعالى بتعيين هؤلاء الظالمين؟ لا يمكنك أن تقول إن هذا عقاب إلا إذا قال الله تعالى أنه يجب معاقبة هذا أو ذاك... هل تم إرسال الإرهابيين الطغاة أمثال الدواعش؛ وتعيينهم من قبل الله سبحانه وتعالى لارتكاب مثل هذه المظالم؟ هم ينسبون أنفسهم لله ويرتكبون مثل هذه المظالم من عند أنفسهم، بينما لا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى مسؤولاً عن هذا. قال الله تعالى سأمنحكم الحرية، فإذا ارتكبتم المظالم سأعاقبكم وسأملأ جهنم بأمثالكم. لكن متى قال الله تعالى إنني لن أسمح لكم بارتكاب المظالم؟ لقد ذكر تعالى بكل وضوح في القرآن الكريم إنني أعلم أنكم سترتكبون المظالم، وعندما تفعلون ذلك، سأملأ جهنم بكم. هذا هو السبب في أن الله سبحانه وتعالى قد قال "ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، يعتقد الناس أن العبادة هنا تعني الصلاة فقط.
لقد ذكر الله تعالى بوضوح تام في مكان آخر أن أداء الصلاة ليس الشكل الوحيد للعبادة. إن رعاية الناس، ورعاية الفقراء والمحتاجين، وتأمين نفقاتهم الضرورية من أجل الطعام وتلبية احتياجاتهم الأساسية كلها من أشكال العبادة. أما مجرد أداء الصلوات الخمس اليومية ثم ارتكاب الظلم، فهذه ليست عبادة! لم يقل الله تعالى أن هذه هي العبادة الحقيقية. الكثير منا يأخذ المعنى الخاطئ لهذه الآية "ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" بأن العبادة تعني أداء الصلوات الخمس اليومية. لا يحتاج الله سبحانه وتعالى إلى الصلوات الخمس. هذا هو السبب في أن المسيح الموعود (عليه السلام) قد قال إن الإنسان قد خُلق ليواسي أخاه الإنسان، وإلا فالملائكة كافية لإظهار الطاعة لله تعالى. أي إذا كان كل ما يحتاجه الله من خليقته هو أن يكونوا مطيعين له، وأن يعبدوه ويؤدوا صلواتهم، فإن الملائكة أكثر من كافية لله تعالى. لقد خُلقتم لتخلقوا المواساة في قلوبكم، وحتى لا ترتكبوا أي ظلم وكي تهتموا بالناس. عندما تتصرفون على هذا النحو، فإن الله تعالى سيرضى عنكم ويجزيكم. سوف يحترمكم الناس كثيرًا في هذه الدنيا، وحتى بعد موتكم، سيعطيكم الله تعالى مقامًا في الجنة تمامًا كما أطلعكم على الجنة في وقتٍ سابق. لذلك، سواء تم ارتكاب الظلم على الأطفال أو على أي شخص آخر، فإن هذا الشخص الذي يقوم بذلك هو طاغية وستتم معاقبة الطاغية. يقبل الله تعالى أدعية المظلوم وسوف يكافئه بالجنة. قد يُكافأ في هذه الدنيا أو في الآخرة، وهذا الأمر متروك لمشيئة الله. عندما يتحدث المؤمن عن الحياة، فعليه أن يقوم بذلك واضعًا باعتباره كلا الدارين، دار الدنيا ودار الحياة الآخرة. ثم سيفهم بوضوح المسألة برمتها. لم يقل الله تعالى أنه سيغفر لكم إذا أديتم الصلوات الخمس فقط. بل صلواتكم لن تكون مجدية ما لم تتولد المواساة في قلوبكم وتهجروا الظلم. يذكر القرآن الكريم بوضوح أن صلواتكم ستجلب عليكم الدمار إذا ارتكبتم المظالم، وسيرميها الله سبحانه وتعالى مباشرة في وجوهكم ويقول خذوا صلواتكم معكم لأنها لن تتفعكم شيئًا.