كيف كشفت أقنعة الوجه (الكمامات) اللثام عن التعصب؟



 

مع اندفاع العديد من الدول لفرض استخدام أقنعة الوجه بالقانون لمكافحة انتشار الفيروس التاجي (الكورونا)، صار قانون حظر النقاب الذي تم تمريره في 6 دول أوروبية عام 2010، يبدو مثيرًا جدًا للسخرية. ففي وقت قصير، تغيرت المواقف العامة تجاه غطاء الوجه بشكل كبير، وتلاشت الحجج السابقة التي كانت تثار ضده – بأنه يشكل خطرًا أمنيًا، أو عائقًا اجتماعيًا، أو تمييزًا جنسيًا، أو يمنع الاندماج في المجتمع.

 

على الرغم من منع النساء في فرنسا من ارتداء النقاب في الأماكن العامة منذ عام 2010، إلا أن عددًا متزايدًا من رؤساء البلديات الفرنسية يقولون اليوم إن أقنعة الوجه الواقية ستكون إلزامية للجميع في الأماكن العامة!. 

 

قالت عمدة باريس آن هيدالغو: "يجب أن يتخذ الجميع نوعًا من الحماية.. نوعًا من الوشاح... أفضل من لا شيء". 

 

وأصدرت لومباردي، وهي المنطقة الإيطالية الأولى التي حظرت تغطية الوجه في الدوائر العامة والمستشفيات عام 2015، قانونًا يجبر المواطنين على ارتداء أقنعة الوجه خارج منازلهم. وفي 30 مارس، رأينا منعطفًا آخر: فعلى الرغم من قانون حظر تغطية الوجه لعام 2017، انضمت النمسا إلى دول أوروبية أخرى كسلوفاكيا وجمهورية التشيك والبوسنة في جعل أقنعة الوجه إلزامية للجمهور.

 

نظرًا إلى دورها المتمثل في حماية الآخرين من الإصابة، وحماية مرتدِيها من الإصابة بالعدوى، يُنظر إلى الأقنعة اليوم على أنها علامة على التضامن والتعاضد وأنها لا تشكل تهديدًا للثقافة والمجتمع!. 

 

قال خبير ثقافة الأقنعة، وعالم الأنثروبولوجيا بجامعة الفلبين جديون لاسكو لصحيفة ذا ناشيونال: "من المرجح أن يصبح ارتداء الأقنعة أمرًا شائعًا جدًا مع تفاقم أزمة المناخ وحرائق الغابات والكوارث الطبيعية الأخرى، كتفاقم تلوث الهواء في العديد من المدن، وكذلك بسبب أن زيادة الاتصال العالمي يزيد من خطر الأوبئة ".

 

 

فهل ستستفيد المرأة المسلمة من مثل هذا التحول في الثقافة؟ في السابق، جادل منتقدو النقاب بأن حظره يحمي حقوق المرأة، في حين يبدو أنهم اليوم يقولون عكس ذلك تمامًا. في الواقع، بدلاً من تحرير المرأة، يتم دفع النساء المسلمات للخروج من المجتمع، حيث يتم خلق مناخ من الخوف ويتزايد التمييز ضد المسلمين.

 

 

قالت فاليري ليتورنو، المتحدثة باسم مجموعة مراكز النساء في كيبيك، غلوب أند ميل، إنه بعد إدخال مثل هذه القوانين والتشريعات فـ "إن زيادة التعصب بات أمرًا ملموسًا... ]هذه القوانين [تساهم في خلق مناخ من الخوف، وتجعل النساء المحجبات يجدن صعوبة أكبر في مغادرة منازلهن. "

 

وقال أنجيس دو فيو، عالم الاجتماع الذي أمضى 10 سنوات في دراسة الحجاب الإسلامي في أوروبا، لأتلانتيك: "هذه الإجراءات تخلق تمييزًا وتهميشًا ذاتيًا ... لأن النساء اللواتي يشعرن بالإقصاء، سيبتعدن أكثر... وهذا يؤثر على الجالية المسلمة بأكملها، والتي تشعر أن مثل هذه الإجراءات، وهذه الدعاية ضد هذه الأقلية، هي طريقة لإخبار المسلمين أنهم غرباء."

 

يبدو جليًا أن حظر النقاب قد ألحق ضررًا أكثر من المنفعة، ففي عام 2013، عانت امرأة حامل من إجهاض بعد تعرضها لهجوم من قبل رجلين قاما بتمزيق النقاب من على وجهها وهي تسير في شارع في باريس. وسلط تقرير صدر في العام نفسه الضوء على الخسائر التي ألحقها حظر الحجاب في فرنسا بالنساء المسلمات، وتعرضت الكثيرات منهن لنوبات من الاكتئاب والقلق عند مغادرة المنزل. كما أبلغت الكثيرات عن اعتداءات جسدية، مثل سحب حجابهن والبصق عليهن عندما كن في أماكن عامة، على سبيل المثال، جاء في التقرير: "يبدو أن حظر الحجاب، والخطاب العام المرتبط به قد شجع بعض أفراد الجمهور على التصرف بشكل مسيء، فهم في بعض الحالات يتصرفون كما لو أنه يحق للعامة فرض الحظر ".

 

في المملكة المتحدة، بعد أن وصف بوريس جونسون بشكل سيء النساء المسلمات المنقبات بأنهن "صناديق بريدية" و"لصوص مصارف" ، سجل الأسبوع التالي زيادة بنسبة 375٪ في حوادث الاعتداء على المسلمين. تم توجيه أكثر من نصف هذه الحوادث في الأسابيع الثلاثة التالية ضد النساء المسلمات، و42٪ من هذه الحوادث التي وقعت في الشوارع أشارت مباشرة إلى جونسون وإلى اللغة التي استخدمها.

 

صرح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في خطاب ألقاه عام 2009 أن "مشكلة البرقع ليست مشكلة دينية. إنها قضية حرية وتتعلق بكرامة المرأة ". 

 

لكن في كل مرة تقرر فيها دولة أو مدينة أو ولاية جعل أقنعة الوجه إلزامية لمكافحة الفيروس التاجي، يثبت أن هذا البيان خاطئ.

 

مع استمرار انتشار تغطية الوجه، سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان سيتم رفع القيود المفروضة على ملابس النساء المسلمات. إن لم يحدث ذلك، فسيصبح من الواضح أكثر أن حظر النقاب لم يتم تطبيقه إلا لتحقيق هدف بسيط لا يتمثل فقط في إبعاد المسلمين، وإنما أيضًا في التعدي بشكل كبير على "حرية المرأة وكرامتها"