هل خلقت النساء من ضلع أعوج؟



 

حقيقة الحب والحنان

 

عندما كنت صغيرة، كثيرًا ما كانت أمي تحذرني من أحاديث النساء وتورطهن في أمور الغيبة والنميمة، وكانت تشعر بالأسف الشديد من أبسط أخطائها وزلات لسانها وتقول "ماذا نفعل؟ النساء هكذا فقد خُلقنا من ضلعٍ أعوج"

 

كان هذا التعليق يضرب على وتري الحساس، هل سأحمل هذه العيوب المصيرية مثل هؤلاء النسوة؟ هل سأكبر لأحمل معي هذه الصفات السيئة؟  هل هناك شيء في طبيعتي من المقرر أن يكون أعوجًا؟

 

لقد ورد هذا التشبيه "الضلع الأعوج" في حديثٍ في صحيح البخاري يقول: "‏استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء‏"

 

ومن جهة أخرى فإن المسيحيين يؤمنون بأن النساء خلقن من ضلع آدم لتكن زوجات لهم، وهكذا منذ أن خُلقت، توضع المرأة في إطار الزوجة والتبعية للرجل. وكذلك غالبًا ما يُقتبس الحديث المذكور أعلاه في المجتمعات الإسلامية لإثبات الطبيعة المعوّجة للنساء ولإبراز عيوبهن وكذلك لتشجيع الرجل على معاملتهن بلطف لأن هنالك عيوبًا بطبيعتهن لا يمكنهن تغييرها!

 

ولكن في القرآن الكريم، موضوع المساواة بين الرجال والنساء أمرٌ ثابت، حيث يذكر القرآن الكريم بوضوح أن الرجال والنساء قد خلقوا من نفس واحدة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ" (سورة النساء:2).

 

 كما ينص القرآن على أن من يعمل الصالحات سواء كان ذكرا أو أنثى، سيدخل الجنة: "وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" (سورة النساء: 125) وكذلك نرى في كامل القرآن الكريم أن المؤمنين والمؤمنات يعامَلون على قدم المساواة، فكيف للحديث الشريف أن ينسب مثل هذه الصفة الخبيثة للمرأة وأن هذا العيب أمرٌ أصيلٌ فيها؟

 

 

في الواقع لو فهمنا معنى "الضلع الأعوج" لفهمنا معنى هذا الحديث، فالأضلاع منحنية في جسم الإنسان من أجل حماية القلب والرئتين والأعضاء الحيوية الأخرى، أي أن الله تعالى قد خلقها على هذا النحو لغرض محددٍ وحيوي... هناك جمال وقوة في هذا الاعوجاج وإن محاولة تقويم الضلع ستكون محاولة سخيفة وغير مجدية ففرد الضلع يجعله عديم الفائدة. والحديث الشريف يحذرنا من أن تقويم الضلع سيؤدي إلى كسره فقط وبالتالي كسر جماله وقوته.

 

تكشف هذه الصورة عن المعنى الحقيقي لهذا الحديث: لا تحاول تغيير المرأة وقولبتها في غير قالبها، إذا كانت المرأة ضلعًا، فهذا يعني أن شكلها الطبيعي جميلٌ وهش في آنٍ واحد وإن محاولة تغييرها إلى ما هو أبعد من قدرتها سيدمرها. إذن هذا الحديث تحذير واضح لكافة الرجال: لا تحاولوا تغيير المرأة إلى ما هو أبعد من قدرتها وإلا ستتسببون في كسرها.

 

يكمن مفتاح فهم هذا الحديث في قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "استوصوا بالنساء خيرًا" وقد ورد هذا الحديث في كتاب النكاح الذي يتضمن مجموعة من الأحاديث تتعلق بمحبة واحترام وحسن معاملة الزوجة، وهذا الحديث موجه بشكل خاص للرجال حيث يوصيهم بحسن معاملة المرأة حتى وإن ظهر منها أي اعوجاج وهذا أمرٌ في طبيعة كل إنسان، وفي الواقع من واجب الرجال معاملة النساء بالحسنى في كافة الظروف والأحوال وبغض النظر عن أي تقصيراتٍ قد تصدر منهن، وهذا أمرٌ يؤكد عليه الإسلام بشدة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

 

يمكن أن يكون انحناء الضلع أيضًا مجازًا للصفات الفريدة للنساء مقارنة بالرجال. الإنصاف وليس المساواة هو الموضوع الرئيسي في القرآن. قد يبدو الضلع أعوجًا من زاوية ومستقيمًا من زاوية أخرى، وقد يمثل تقوسه بطريقة أو بأخرى الاختلافات التي قد يراها الرجال والنساء في بعضهم بعضا. ويُبرز تشبيه الضلع كيف يمكن أن تكون الاختلافات والصفات التي تبدو معوجة في نطاق طبيعة الضلع والغرض منه.

 

إذن، هذا الحديث هو تنبيه للرجال بأن عليهم أن لا يدينوا النساء لكونهن مختلفات عنهم في الشكل والطبيعة وأنه بدلاً من إدانة النساء، عليهم قبول الاختلافات التي بينهم وتقدير الجمال في صفات بعضهم بعضا. لم يُقصد بهذا الحديث أبدًا التقليل من شأن النساء بسبب صفاتهن فكلنا لدينا عيوب، ولا يمكن لأي إنسان أن يكون خاليًا تمامًا من الاعوجاج من زاوية أو أخرى. العنصر المفقود إذن هو الحب. وليس المقصود بالحديث تفسير الطابع الأخلاقي للمرأة، ولكنه تذكير للرجال بمسؤولياتهم تجاه نسائهم، في وقت كانت فيه النساء عرضة بشكل خاص للقسوة والظلم على أيدي نظرائهن الذكور.

 

هذا الحديث ليس إدانة للنساء، بل كلمات تحذيرية للرجال: عاملوهن بلطف، وتقبلوا اختلافاتهن. عاملوهن بالحسنى، لأنه يوجد جمال في هذا الاعوجاج الذي فيهن؛ عاملوهن بالحسنى وإلا فسوف ينكسرن تحت ضغوطاتكم - وستكونون مسؤولين عن الضرر الذي لحق بهن.