مقتبسات من الخطاب الذي ألقاه حضرة أمير المؤمنين سيدنا ميرزامسرور أحمد- أيده الله تعالى بنصره العزيز- الخليفة الخامس للمسيح الموعود و الإمام المهدي عليه السلام بمناسبة الاجتماع السنوي للجنة إماء الله ببريطانيا في 04/10/2009



 تعاليم الإسلام صالحة لكل زمان ومكان:

إن تعاليم الإسلام كما كانت قابلة للعمل للعرب ومنسجمة مع فطرتهم كذلك هي قابلة للعمل للقاطنين في بلاد آسيوية وبلاد أفريقية وغيرها أيضا، ومنسجمة تماما مع فطرة أهلها. والحال نفسه بالنسبة إلى سكان الجزر وأمريكا. وكما كانت هذه التعليمات قابلة للعمل قبل 15 قرنا كذلك هي قابلة للعمل اليوم أيضا. وهذا هو الدين الوحيد الذي يقدم تعليما ينسجم مع الفطرة إلى يوم القيامة. فالظن أن الإسلام دين محافظ وكان صالحا في الأزمنة العتيقة فقط، وأن فيه قسوةً وغلظةً وأحكامه قاسيةٌ وشديدةٌ.. إنما هي اعتراضات لاغية وواهية يثيرها على الإسلام المعترضون من غير المسلمين.

 

القرآن الكريم دستور الحياة الكامل:

القرآن الكريم دستور الحياة الجامعُ والكاملُ الذي وضّح جميعَ الأمور بِدءا من المستوى العائلي إلى المستوى العالمي، ومن مستوى الأولاد الصغار إلى واجباتٍ وفرائضَ تقع على الحكومات. وقد بيّن أيضا أُسُسًا للحفاظ على أمن البيت وسلامة العائلة كما وضّح المبادئَ لحماية الأمن وتوفير السلام للمجتمع. ثم أشار إلى مبادئ ذهبية لقيام الأمن على المستوى الدولي أيضا. الأقوام التي تزعم أنها متقدمة كثيرا ويظنون أنهم متنورون ذهنيا إلى حد كبير عندما تُقدَّم لهم صورةُ الإسلام الجميلةُ يُظهرون ردة فعلهم الأولى والعفوية قائلين: إذا كان هذا هو تعليم الإسلام فلا ينتشر بسببه الأمن والوئام والأُخوَّة. لذا يجب ألا يخجل أي مسلم أحمدي صادق، رجلا كان أم امرأة، صغيرا أم كبيرا، وألا يشعر بالدونية بأنه يمكن أن يصبح عرضة لاستهزاء الناس لكونه مسلما أو بسبب عمله بتعاليم الإسلام. وينبغي ألا يخطر ببال السيدات أيضا أن الناس سيسخرون منهن بسبب ارتدائهن الحجاب أو النقاب أو بسبب لباسهن أو أسلوب عبادتهن. يجب ألا تعير الفتيات الأحمديات لهذه الأمور أي اهتمام، ولا يشعرن بأي نوع من الدونية بناء على ما يقوله الناس.

 

فشل العلاقات الزوجية:

يُعترَض على الزيجات المنسَّقة عن طريق الأهل ويقال إنها هي سبب الفساد في العلاقات. لكن فكرة الزيجات عن طريق الأهل غير موجودة في هذه المجتمعات عند غير المسلمين، فلماذا تُفسخ زيجاتهم بكثرة هائلة؟ والمعلوم أيضا أن نسبة كبيرة جدا من الزيجات تُفسَخ عندهم رغم أنهم يتزوجون بحسب اختيارهم الحر ورغبتهم المستقلة. الحق أن هناك أسبابا أخرى لفسخ الزيجات وما أكثرها، منها عدم التحلي بالصبر وهتك القدسية. فلا تهتم المرأة بقدسية نفسها ولا يهتم بها الرجلُ أيضا، فينتهي الأمر إلى عدم الثقة المتبادلة مما يؤدي إلى فسخ العلاقات باستمرار....

وبازدياد المشاكل الاقتصادية في العالم، كما هو حادث في هذه الأيام بسبب التضخم المالي والقيود على الاقتراض من البنوك، تزداد المشاكل بين الزوجين، كما تزداد المشاكل الأخلاقية لدى الصغار. في هذه المجتمعات] الغربية[ يكون الزواج بين الشاب والفتاة برغبة متبادلة وباختيارهما، ويكون مبنيا على أواصر الحب ظاهريا ومع ذلك فإن نسبة كبيرة من هذه الزيجات تكون عرضة للفسخ، ويحاول كل من الرجل والمرأة أن يؤسسا عالما جديدا خاصا بهما. وكذلك تمثُل للعيان حالات حيث يحدث أن يقتل الرجل ظلما وجورا أولاد زوجته من زوجها السابق. ومثل هذه الأخبار تُنشر في وسائل الإعلام بين الفينة والفينة. وبعض الأولاد يُقتل ضربا أو خنقا أو بطريقة أخرى. وإذا سئلت أمهاتهم أنكِ رأيتِ زوجكِ أو شريكك الحالي يضرب أولادك من زوجك السابق ولم تحركي ساكنا. فيقلن فليفعل زوجي أو شريكي ما يشاء ولا اعتراض عندي على قتله ولدي. إذن، فالأم التي كانت مضرب المثل في الحب والتضحية والأمومة قد أصبحت مثالا على الظلم والقسوة شيئا فشيئا.

هل هذا هو التعليم والتنور الذي يُطلَب من البنت الأحمدية أن تقلده، في حين لديها كنوز من التعليم الإلهي الذي لا نظير له؟

فيجب أن يفتخر جيلنا الناشئ - الشباب والفتيات على السواء - على أنه قد أُنزِل عليهم تعليم من ربنا الحي ورسولنا الحي. وهو كنـز يحتوي على تعليم حي يصلح لنا ولذرياتنا في دنيانا وعقبانا، ويزين بيوتنا بزينة الحب والوئام، ويزودها بنور ينور ظاهرنا وباطننا وأرواحنا، ويرينا مشاهد الجنة في هذه الدنيا، فنشاهد مظاهر تأييد الله ونصرته بالعمل بذلك التعليم الذي سيدخلنا بإذن الله في جنات مرضاته الدائمة. 

 

]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[ (النساء: 2)

 

هذه الآية تُتلى بمناسبة عقد النكاح وينصح الله تعالى فيها عباده بالتحلي بتقواه.. لقد بيّن الله تعالى فيها أمرا مهما لو عمل به الفريقان لما أطلَّت الخصومات العائلية برأسها قط ولما حدثت شجارات وما انقطعت الأواصر وما نشأت مشاكل مع الأصهار والأنسباء. فقد قال تعالى للزوجين في هذه الآية إنكم خُلقتم من نفس واحدة. ومن معانيها أنكم خُلقتم لأهداف مشتركة لذا عليكم أن تبحثوا دائما عما يساعد على تحقيق تلك الأهداف المشتركة. ومن تلك الأهداف أنه يجب أن تحاولوا لخلق الأمن في المجتمع بعد انخراطكم في سلك علاقة جديدة. وإن سلسلة هذه العلاقة تبدأ بالنسب والترابط بين العائلتين بسبب هذا الزواج. فعليكم أن تحافظوا على هذه العلاقة حتى تتقوى الأواصر أكثر فأكثر بدلا من حدوث الصدوع والتشقق فيها. إذا لم يعجب الفتاةَ شيءٌ في زوجها أو أهله فلتحاول بالصبر والدعاء أن تتوصل إلى نتيجة أفضل.

على الزوجين أن يؤديا حقوق أقارب بعضهما بعضا:

فلو بدأت الفتاة بإفشاء أحاديث الزوج وأهله إلى أهلها أو صديقاتها منذ البداية وقبل أن تفهم طبيعة زوجها لحدثت الصدوع في العلاقات حتى تنتهي إلى التفكك والفسخ. فقد أمر تعالى في هذه الآية - علاوة على معانٍ عميقة أخرى - بالاهتمام بصلة الرحم. ويقول المسيح الموعود u في هذا الصدد إن صلات الرحم لا تقتصر على العلاقات الدموية فقط بل إن صلات الرحم لدى الشاب والفتاة تمتد إلى عائلاتهما بعد زواجهما. أي أن أبوَي الزوج وإخوته وأخواته يصيرون أقارب الزوجة والعكس صحيح. فإذا فكر الفريقان بهذه الطريقة لما تطرَّق البُعد إلى صلات القرابة ولما فسدت العلاقات قط.

فقال تعالى يجب على الزوجين أن يؤديا حقوق أقارب بعضهما بعضا كما يؤدي كل واحد منهم حقوق والديه وأخواته وإخوته. وهذا الأمر ليس موجّها للفتاة فحسب بل قد أُمر الشاب أيضا للدعاء والصبر من أجل المحافظة على العلاقات المتبادلة كما أُمرتِ الفتاة. كذلك من واجب الأصهار والأنسباء أيضا في العائلتين ألا يفسدوا أمن المجتمع وسكينته بتوجيه إرشادات خاطئة إلى الزوج أو الزوجة أو بالتورط في أحاديث عابثة.

تربية الأولاد تربية صالحة:

وكذلك قد وجّه تعالى في الآية الأولى أن من واجبكم القيام بتربية صالحة للأولاد الذين تنجبونهم بعد الزواج بإذن الله لكي تكون ذرياتكم المقبلة ممن ينشرون الحسنات في المجتمع. وهذا لا يمكن حدوثه ما لم تتّقوا الله حق تقاته.

ما هي تقوى الله؟ المراد من تقوى الله أن يكون عمل كل إنسان تابعا لمرضاة الله تعالى وأوامره وضاربا برغباته الشخصية عرض الحائط واضعا أمامه هدفا واحدا وهو نيل رضا الله تعالى. يقول الله تعالى اعلموا أنه لا يمكنكم أن تخدعوني لأني رقيب في كل لحظة وآن على كل عملكم وفعلكم. فإذا وضع الأزواج الأحمديون هذا الأمر أمام أعينهم فسيبحثون عن الأوامر التي تُكسبهم رضا الله تعالى.

لقد أورد الله تعالى كلمة التقوى خمس مرات في الآية التي تُتلى بمناسبة عقد النكاح. فمن يتنبه إلى تقوى الله تعالى إلى هذه الدرجة لا يمكن أن يصير بيته بؤرة للفساد والخصومات. وكذلك الذي يحافظ على صلات الرحم ويتنبه لها جيدا قد بشره الله تعالى باستجابة أدعيته. والعمل بكل هذه الأوامر يؤدي إلى فتح أبواب التقدم الروحاني. فالعلاقات التي تتولد نتيجة الزواج يجب ألا تكون من أجل الدنيا فقط أو من أجل الحصول على الذرية ظاهريا، بل يحب الحفاظ عليها بُغية نيل رضا الله تعالى. عندها تلعب هذه العلاقات دورها الهام في تربية الأولاد تربيةً حسنة وفي قيام الأمن في المجتمع، كما تلعب دورها في تقوية العلاقة مع الله تعالى. فكما تقع المسؤولية على الرجل أن يجعل زواجه والعلاقات العائلية وسيلة لنيل رضا الله تعالى كذلك من واجب المرأة أيضا أن تضحي برغباتها الشخصية وعواطفها لهدف أعظم وأهم. وهذا الهدف الأعظم والأهم هو تقوية العلاقة مع الله والإكثار من الذرية الصالحة. ولقد اختار النبي r هذه الآيات للتلاوة بمناسبة عقد النكاح لأن الزواج أكبر وسيلة لحدوث السكينة في العواطف والاستمتاع ولكن عليكم ألا تصبّوا جل اهتمامكم على العواطف والمتعة الظاهرية فقط بل يجب ألا تتغافلوا عن التقوى ولا تتناسوا خشية الله في أمور الزواج أيضا ولا تهملوا تربية الأجيال المقبلة ولا تغضوا الطرف عن أمن المجتمع. ولا تضعوا السكين على رقاب الأولاد من أجل متعتكم الشخصية مثل الغارقين في الدنيا. بل عليكم أن تحافظوا على هذه الأمانة، وهذا لا يمكن إلا إذا قمتم بتربيتهم على أحسن وجه وجعلتم جو البيت آمنا مطمئنا، وحافَظَ الزوجان على الثقة المتبادلة.

القول السديد والتمسك بأهداب التقوى:

ولتحقيق هذا الهدف علّمنا تعالى طريقا وهو أنْ قولوا قولا سديدا دائما. ولتكن كل أعمالكم مبنية على تقوى الله وخشيته، لأن ذلك يؤدي إلى الثقة المتبادلة وتقوية الأواصر، وهذه هي التقوى بعينها. لما ينصح الله تعالى المؤمنين إنما ينصحهم مراعاة للحياة الأبدية في الآخرة. وليس هذا فقط بل يخبرهم عن هذه الدنيا أيضا أنهم إذا عملوا الصالحات في هذه الدنيا فسينالون الجنة فيها أيضا. فلو راعى هذه النصيحة الأزواج القدامى وحديثو الزواج على حد سواء - ذلك لأن الأُسر تتفكك ويتولد فيها النفور والكراهية في بعض الأحيان بعد أن يولد لهم ثلاثة أو أربعة من الأولاد - واتبعوا هذا الأصل وتمسكوا بالصبر والدعاء وتقْوى الله تعالى فإن جميع المشاكل العائلية والنفور والكراهية ستتحول إلى المحبة والمودة. ويجب أن يُحدث كل أحمدي مثل هذا التغيير في نفسه وإلا فلن يكون وفيّا بالعهد الذي قطعه مع المسيح الموعود u.

لو علم الرجل ما عليه من مأثمة ومؤاخذة من الله إن لم يؤدّ حقوق زوجته لما تزوج خوفا من هذا العقاب:

إن مصدر كثير من المشاكل العائلية هو أنه إذا أخطأ الزوج فإن الزوجة أيضا تُبدي ردّة فعل مماثلة مما يؤدي إلى تزايد المشاكل والشجارات. لا شك أنه مسؤولية كبيرة للزوج أن يهتم بزوجته ويؤدي حقها، لقد قال المسيح الموعود u لو علم الرجل ما عليه من مأثمة ومؤاخذة من الله إن لم يؤدّ حقوق زوجته لما تزوج أصلا خوفا من هذا العقاب. ولقد قال النبي r عن حق المرأة - وهو الحق الظاهري فقط - أن يطعمها الرجل مما يأكل، ويكسيها مما يلبس، ولا يخرجها من بيته. تُرفع إلي في هذه الأيام كثيرا من القضايا التي أخرج فيها الرجل زوجته من بيته وألقى بها إلى الشارع. ثم أسدى النبي r النصيحة إلى الرجال فقال: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا." (الترمذي، أبواب الرضاع). إذن فقد ورد التنبيه للرجال إلى هذه الدرجة كي يهتموا بأزواجهم، ولكن أشقياءٌ مَن لا يراعون هذه الأمور.

خير متاع الدنيا المرأة الصالحة:

على النساء ولا سيما اللواتي وُلدت لهن ذرية أيضا أن يحاولن جهدهن لإنقاذ عشهن الزوجي من الهدم. بعض النسوة أحيانا ينادين الشرطة لإخراج أزواجهن من البيت، هذه الخطوة لا تليق إلا إذا تفاقم ظلم الرجل بحيث لا يفتأ يظلم دون وازع ورادع، عندها يكون للمرأة حق في اتخاذ هذه الخطوة، كما عليها أن تُطلع نظام الجماعة أيضا. تتفكك الأُسر أحيانا لأسباب صغيرة وشجارات تافهة وثورة غضب مؤقتة، ولكن أحداث تفكك الأسر تُخلّف مشاكل تزويج السيدات مرة أخرى في المستقبل، وإذا كان آباؤهن على قيد الحياة فإن هذا الأمر يزيد من قلقهم وهمومهم. ولا يتوقف الأمر إلى هنا فقط بل يظهر من الأحداث أن الأولاد الذين يعيشون مع أحد الوالدين فقط يخرجون عن سيطرة مَن يعيشون معه سواء كان الأم أو الأب، وتشكو المدارس من مثل هؤلاء الأطفال إذ إنهم يكونون سببا في معظم الخصومات والمشاغبات في المدرسة. لقد أشاد النبي r بمكانة المرأة، وما أحسن ما قال: الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ. (مسلم، كتاب الرضاع). فكما رغّب النبي r من خلال هذا الحديث الرجالَ أن يتزوجوا من الصالحات، كذلك يجب أن يدعو هذا الأمر المرأة أيضا أن تتدبر فيه حتى تجعل حياتها كما يريد منها الله تعالى ونبيه r. ولقد عرّف النبي r على الزوجة المثالية فقال هي التي تقوم بعمل زوجها بكل سرور وتمتنع مما يمنعها زوجها. إنها مهمة صعبة للغاية ولا سيما إذا كان الزوج لا يتحلى بالتقوى ولكن مع ذلك لا بد من العمل بهذا النصح من أجل تجنب الشجارات.

البيت الذي مدحه رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

إن البيت الذي مدحه النبي r ودعا لأهله بالرحمة هو ذلك البيت الذي يقوم فيه الرجل مِن اللَّيْلِ فَيصَلّي وَيوقظ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ ينضَح فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ. كذلك إذا قامت المرأة قبله فتتبع الطريق نفسه لإيقاظ زوجها. فإذا أُحيِيَت الليالي في البيوت بحيث يقوم فيها الرجل وامرأته بالنوافل ابتغاء مرضاة الله تعالى فلا بد أن تصبح تلك البيوت كالجنة الأرضية. رُفعت إلي قضيةٌ طالبتْ فيها المرأةُ الخلعَ بسبب ظلم الرجل، وأوشكتْ عُرى الزواج على الانفكاك، وكان لهما أربعة أو خمسة أولاد أيضا، فنصحتهما وصَلُحَ الأمرُ فترة وجيزة ثم عاد الرجل يمارس الظلم فطالبت المرأة الخلع مرة ثانية، فنصحتهما مرة ثانية ودعوت لهما فتصالحا. والآن عندما يأتيان لصلاة الفجر وأراهما ذاهبَين سويا أشعر بالفرحة والسرور أن الله تعالى وهبهما العقل والفهم فوصلا علاقاتهما المقطوعة من أجل أولادهما. فيجب ألا يراعي الرجل والمرأة مشاعرهما فقط، بل يجب أن يراعيا مشاعر أولادهما أيضا.

 

واجبات الزوجة وحقوقها:

كذلك نبه النبي r المرأة إلى العبادات ولكنه وضع لها بعض الحدود التي يجب ألا تتعداها، فقال يجب ألا  تَصُوم الْمَرْأَةُ تطوعا إلا بِإِذْنِ بعلها. أي أن الصوم المفروض لا بد منه، أما النفل فلا تقوم به المرأة إلا بعد إذن زوجها. وقال للحفاظ على جو الثقة المتبادلة: ألا تُدخل المرأة البيتَ أحدًا لا يرضى به زوجها. ولكن هذا لا يعني أن يفرض الرجال على النساء أوامرهم أكثر من اللازم فيدعوا إلى بيوتهم دونما داع أناسا قد يؤدي مجيئهم إلى فقدان الثقة بين الزوجين، لذلك على المرأة أن تحتاط كثيرا في هذا الأمر. قال النبي r لا يبغض المؤمن زوجته المؤمنة ولا يَكرهُها، بل يجب أن ينظر فيها ما يعجبه ويستحسنه، وألا يتحرى فيها العيوب. انظروا كيف أسدى النبي r إلى الرجال بهذه النصيحة حتى يعتنوا بالنساء.

حقوق الفتيات وواجباتهن:

ثم أقام النبي r حقوق الفتيات عند تزويجهن. مرة أراد أحد الآباء أن يزوج ابنته من شخص، إلا أن ابنته لم ترغب فيه فرفضت. فلما رُفعت القضية إلى النبي r قال زوجوها ممن ترغب.

فإذا كانت الفتيات سلكن مسلك التقوى ثم أبدين رغبتهن لآبائهن من الزواج بأحد فيجب أن يفكر فيها الآباء وألا يرفضوها بسبب تزمتهم أو مكانة عائلتهم أو غيرها من الأمور. كما يجب على الفتيات وآبائهن الإكثار من الدعاء بخصوص زواجهن. ولكن يجب ألا يكون قولي هذا – أنه يمكن للفتيات اختيار أزواجهن برغبتهن - مشجّعًا للفتيات حتى يخترن شبابا من خارج الجماعة أو ضعفاء دينيا وعلاقةً بنظام الجماعة إن كانوا من الجماعة. فيجب للفتيات أخذ الحذر من هذه الناحية. ولكن مع ذلك إن مثل هذا الأمر يرفع إلى الخليفة فيبحث في القضية من خلال نظام الجماعة ثم يخبر عن السماح به أو عدمه. ولكن يجب على الفتاة المؤمنة الصالحة أن تأخذ بعين الاعتبار أنه لما قال النبي r لوالد الفتاة زوجوها فيمن ترغب الزواج به، قالت أردت أن تُعرض هذه القضية أمامك لإقامة حقوق الفتيات، وذلك لأن الفتيات تُكرَه ظلما على الزواج أحيانا، وفي حالة عدم قبولهن ذلك الزواج يواجهن غضب آبائهن وسخطهم ما بقوا على قيد الحياة دون أن يلتفتوا إليهن. ولكن الآن قد أقام النبي r هذا الحق فلا مانع عندي أن يزوجني والدي بمن شاء. كان هذا يدل على صلاح هذه الفتاة وطاعتها أيضا. فيجب على فتياتنا اليوم أن يتحلين بمثل هذه الطاعة واحترام الوالدين. ويجب على الفتيات ألا يتشبثن برأيهن، بل يجب أن يدعين الله تعالى، ثم إذا حصل عندهن انشراح الصدر أو أراهن الله رؤيا كما يحدث في بعض الأحيان فيجب أن يخبرن بها آباءهن ويجب ألا يتطلعن لرؤيا تحقق رغباتهن القلبية، بل يجب أن يدعون بقلب نظيف وخال من أي رغبة أو ميل ثم إذا رأين أية رؤيا فليخبرن بها آبائهن. وعلى الوالدين أن لا يقوموا بالدعاء بأنفسهم فقط بل يطلبوا من الآخرين أيضا للمعرفة ما إذا كان هذا الزواج خيرا لهم أم لا.

نصائح زوجة المسيح الموعود عليه السلام إلى ابنتها عند زواجها:

الآن أريد أن أقدم لكم نصائح حضرة "أمان جان" أم المؤمنين رضي الله عنها التي أسدتها إلى ابنتها الكبرى "نواب مباركه بيغم" عند زواجها. سأقدم بعض هذه النصائح، منها أنها قالت: حذار أن تقومي بأي عمل خفية من زوجك أو ما تضطرين في المستقبل لإخفائه منه. فإنْ لم يره الزوج فإن الله تعالى يراه. ثم إذا ظهر ذلك الأمر الخافي فقدت المرأة مكانتها عند زوجها. أي لا تستطيع المرأة في هذه الحالة المحافظة على مكانتها ولا على احترامها.

قالت: وحذار أن تخفي عن زوجك إذا صدر منك ما يخالف رضاه، بل يجب أن تخبريه عنه بكل وضوح، ففي ذكره كرامة وفي إخفائه إهانة. وحذار أن تتكلمي عندما يكون زوجك غاضبا. فإذا كان غاضبا على الولد أو الخادم وترين أنه ليس على حق، فيجب ألا تتكلمي أمامه رغم ذلك، لأن المرأة التي تجادل زوجها وهو غاضب تفقد احترامها.

(إن معظم الشجارات تحدث بسبب عدم الالتزام بالصبر، بحيث يكون الزوج غاضبا فتكلم بكلام أبدت عليه الزوجة ردة فعلها مما أدى إلى تفاقم الأمر.) فإن قاطعته أثناء غضبه فتكلم عنك بشيء تعرضتْ للإهانة. (ولكن إذا سكت عنه الغضب فيمكن الإشارة إلى خطئه لأن الإصلاح واجب أيضا. فيجب أن يتذكر الرجل والمرأة كلاهما الوصفة الواردة في الحديث أن الغضبان إذا كان واقفا فليجلس وإذا كان جالسا فليضطجع. عندما ترفع إلي بعض الشكاوى من هذا القبيل أقول للرجال لا تعاني هذه البلدان من شحّ المياه فيجب أن تفتحوا الدوش أو صنبور الماء وتضعوا رأسكم تحته حتى يهدأ غضبكم.) على أية حال تقول حضرة "أمان جان" لابنتها: يجب أن تعتبري أقارب زوجك وأولادهم مثل أقاربك أنت.

(وهو الأمر الذي ورد في الحديث أيضا وألقيتُ عليه الضوء من خلال كلام المسيح الموعود u، كما يجب  أن يعتبر كل طرف ذوي أرحام الطرف الآخر أقاربَه هو.)

قالت حضرتها: لا تفكري أبدا في الإساءة إلى أحد حتى ولو أساء إليك، بل يجب أن تتمني الخير للجميع من كل قلبك. أي إذا أراد أحد أن يسيء إليك فليفعل ذلك ولكن يجب ألا تفكري ألبتة في الإساءة إلى أحد.

ولا تجازي السيئة بمثلها من خلال عملك. إذا فعلت ذلك فانظري كيف يكتب الله تعالى لك الخير دوما.

نصيحتها للفتيات:

ثم كانت حضرتها تنصح الفتيات قائلة: إنكن ذاهبات إلى بيتكن الجديد فيجب أن تحرصن على ألا يصدر منكن عمل يؤدي إلى نشوء كراهية ونفور في قلوب أهل زوجكن وتشويه سمعتكن وسمعة والديْكن. فلا داعي للتدخل في أمور أهل الزوج بل اتركنَها تمشي كما كانت. كما يجب ألا تبلغ الزوجة زوجها بعض أمور حماتها أو أخوات زوجها بصورة وكأنها تشكوهن إليه.

نصيحة الخليفة الأول (رضي الله عنه) للفتيات:

ذكرت السيدةُ نواب مباركه بيغم البنتُ الكبرى للمسيح الموعود u نصيحة الخليفة الأول t التي كان يسديها لها وللفتيات الأخريات أيضا، وأرى أن إسداء هذه النصيحة والعمل بها يقع على جانب كبير من الأهمية اليوم، وهذه النصيحة عبارة عن دعاء يجب أن تقوم به كل صبية تبلغ الثانية عشر أو الثالثة عشر من عمرها. فقال: لا حياء أمام الله تعالى، إنك صغيرة السن ولكن يجب أن تواظبي على الدعاء من الله تعالى أن يهبك زوجا صالحا. ذكرت السيدة نواب مباركه بيغم هذا الأمر ثم أسدت هي أيضا بنصيحة مهمة في مجتمعنا الحالي فقالت حضرتها: إن السبب في التأكيد على الإكثار من الأدعية هو ليجمع الأولاد خزينةً لحياتهم المستقبلية. فيجب الالتزام بالأدعية حتى تجتمع خزينة منها وسوف يعطيكم الله تعالى منها عند الضرورة.

على الفتيات أن لا يرسموا صورة في أذهانهم لزوج المستقبل:

يجب ألا تحلم الفتيات بزواجهن أثناء دعائهن لأزواج صالحين، لأنكن لا تصلحن للزواج في هذا السن المبكر ولا يمكن ذلك بل سوف تكبرن وتكملن دراستكن وتصبحن مفيدات للجماعة ثم سوف توفقن للزواج وسيكون مباركا إن شاء الله تعالى. فيجب على الأولاد أن يتمسكوا بهذا المبدأ ثم يركزوا على الدعاء، ولكن يجب ألا يرسموا في أذهانهم صورة شخصية خاصة ذات طابع ومميزات معينة لأنهم سيقعون في مساوئ عديدة بحثا عن هذه الشخصية الخيالية. كذلك يجب أخذ الحذر بخصوص الصداقات في المدارس، ويجب أن يحتاطوا كثيرا في اختيار الأصدقاء. والفتيات الأحمديات يجب أن يخترن لهن فتيات فقط صديقات، ثم يجب أن يخترن من يمكن الاعتماد عليهن ومن لم يتورطن في الموبقات. إن الشيطان يفعل فعلته على اسم الصداقة في المدارس والكليات من خلال الشباب والشابات. ولقد قلت مرارًا يجب على السيدات أن يحافظن على قدسيتهن وعلى الفتيات أيضا أن يحافظن على طهارتهن وشرفهن.

ما لا تستطعن فعله أمام والديكن وكبار عائلتكن وأمام كبار مسؤولي الجماعة فإنه خطأ وسمٌّ يقود نحو الذنوب:

يجب أن تتذكرن دوما أن ما لا تستطعن فعله أمام والديكن وكبار عائلتكن وأمام كبار مسؤولي الجماعة فإنه خطأ وسمٌّ يقود نحو الذنوب. لذلك يجب أن تكون أعمالكن نزيهة بحيث يمكن القيام بها أمام الجميع. ويجب أن تركّز أكثر على هذا الأمر الفتياتُ البالغات من العمر بين الرابعة عشر إلى السادسة عشر لأن هذا هو العمر الذي يحاول فيه الشيطان السيطرة على الإنسان. وكما أخبرتكن في البداية أنه يجب ألا تتأثرن من أتباع الأديان الأخرى والملحدين، إن الدجال يوقع الناس في فخه بطرق شتى، مرة بالترغيب ومرة بالترهيب، فعليكن اجتناب هجماته من خلال الأدعية.

 

رؤيا نواب مباركة بيغم (رضي الله عنها):

وهنا أريد أن أذكر رؤيا هامة رأتها "نواب مباركه بيغم t"، تقول حضرتها وهي تنصح فتاتين أحمديتين: رأيت أن المسيح الموعود u يجلس على الكرسي في صحن بيتنا في قاديان وأنا واقفة بجانب كرسيه، وكانت في ذلك الوقت ابنتي منصورة بيغم تبلغ من العمر عاما والنصف (والسيدة منصوره بيغم كانت الزوجة الأولى للخليفة الثالث رحمه الله) فرأيتها تمشي هنالك، ورأيت شخصا يلبس ملابس بيضاء، فجاء وتوقف قدام المسيح الموعود u وسأل: سيدي، ما الحكم في البنات؟ فرفع المسيح الموعود u بصره إليه وقال بكل حماس: لا تستقيم بناية الأحمدية ما لم تجعلوا بناتكم في بنيانها. تقول حضرتها: خطر ببالي تعبير هذه الرؤيا (وهو تعبير صحيح حقا) أنه أولا يجب تثقيف البنات وتعليمهن وتربيتهن تربية حسنة حتى يربين أولادهن في المستقبل تربية حسنة، وحتى تستمر سلسلة النسل المبارك؛ وثانيا يجب أن تزوجوا أبناءكم بالأحمديات. (وهذه نصيحة للأمهات أيضا اللواتي تأتي إحداهن فتقول إن ابنها لا يقبل الزواج إلا من فلانة غير أحمدية فيجب عليهن أن يُقنعن أبناءهن للزواج من الأحمديات. لأنه لا بد أن تتزوج الفتيات الأحمديات أيضا. فما دمنا لا نجيز للأحمديات أن يتزوجن من غير الأحمديين فلا بد للشباب الأحمديين أن يضحوا بمشاعرهم في هذا الخصوص فيتزوجوا من الأحمديات فقط) تقول حضرتها: إن تربية الأم تؤثر كثيرا. إن الطفل يأخذ درسه الأول من حضن الأم. لقد أعلمت الأحمديات الكثيرات بهذه الرؤيا وأقول لهن الآن أيضا إن جوّ المجتمع حولنا فاسد للغاية، فمن واجبكم الآن أن تمتّنوا بنيان بناء الأحمدية تمتينا لدرجة يبقى هذا البناء قويا إلى يوم القيامة.

فليست الفتيات أقل أهمية من الشباب. ويظهر من كلام المسيح الموعود u في الرؤيا السالفة: "لا تستقيم بناية الأحمدية ما لم تجعلوا بناتكم في بنيانها"، أن بناء الأحمدية في المستقبل سوف تقيمه الشابات. لذلك ينبغي أن نربيهن تربية حسنة ما استطعنا إليها سبيلا ويجب أن نهتم بثقافتهن الدينية والدنيوية. ندعو الله تعالى أن يزرع في قلب كل فتاة بذرة الحسنة ويثمرها بثمرات طيبة. وهذا هو الأصل الذي إذا تمسكنا به نجحنا في تربية الأجيال القادمة. يجب على الفتيات البالغات أن ينتبهن إلى هذا الأمر كما أن من واجب الوالدين أيضا أن يركزوا على هذا الأمر بشكل خاص، كما أنه من واجب المسؤولات في منظمة لجنة إماء الله، لأنهن لا يستطعن تربية الآخرين ما لم يكن قد تلقين بأنفسهن تربية حسنة. لذلك أول ما يجب على المسؤولات هو الانتباه إلى تربيتهن، والسعي لتلقي ذلك التعليم - الذي أنزله الله تعالى في القرآن الكريم - والسعي لفهمه والعمل به. وهذه هي التربية التي تحل جميع مشاكل البيت والمجتمع، كما ترفع من عظمة الجماعة. وهكذا سوف نتوفق لرعاية الأجيال القادمة وننجح في تمكينهم لنيل قرب الله تعالى. وفقنا الله تعالى للعمل بهذه الأمور.