القران والراهبات



  

روت هذه القصة ابنة أمة المتين وسيد محمود أحمد ناصر وهو واقف للحياة لخدمة الجماعة الإسلامية الأحمدية، وقد أُرسل إلى إسبانيا في عام  1982.

والمرحومة أمة المتين هي ابنة حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه، الخليفة الثاني للجماعة الإسلامية الأحمدية. وكان سيد أحمد ناصر ابن حضرة مير محمد إسحاق (رضي الله عنه) الذي كان عالمًا موقرًا والأخ الأصغر لحضرة السيدة نصرت جهان بيغم (رضي الله عنها) زوجة المسيح الموعود عليه السلام:

إنّ لشهر تموز/يوليو أهمية كبيرة في ذاكرتي وتحديدًا يوم 22 تموز/يوليو، إذ يعيدني هذا اليوم دائمًا إلى مساء تموز/يوليو الدافئ من عام  1982عندما وقعت عيناي على ذلك المبنى اللامع الجميل الجديد الذي صار منزلي للسنوات الأربع القادمة. لقد سمعت الكثير عن هذا المكان ورأيت صورة له على بطاقة بريدية، ولكن لم يكن قد اكتسب أهميته الحقيقية بالنسبة لي بعد. لقد كانت ساحة المبنى مليئة بالقرويين المحليين. كان الرجال في جهة والنساء والأطفال يتحدثون ويلعبون في الجهة الأخرى. أتذكر أني شعرت بالخجل الشديد والتصقت بوالدتي بينما تجمهر حشد من النساء والأطفال عند نزولنا من السيارة.

 Hola! مرحبًا.

 Buenas tardes! مساء الخير

 Como se llama? ما اسمك؟

صارت هذه العبارات مألوفة بالنسبة إليّ لاحقًا ولكن في مساء ذلك اليوم من يوليو/تموز لم أفهم منها شيئًا .

كان أول شيء لاحظته هو الأرض الممتدة بلا حدود حول المسجد .لقد تم الحصول على هذه الأرض التي تبلغ مساحتها 6000 متر مربع قبل عامين بتوجيهٍ من حضرة ميرزا ناصر أحمد (رحمه الله) الخليفة الثالث للمسيح الموعود عليه السلام. كانت لديه رغبة شديدة لبناء مسجد في إسبانيا حيث قام بوضع حجر الأساس بنفسه في09/10/1980. في الواقع، في ذلك اليوم والمكان نفسه أُطلق شعار الجماعة "الحب للجميع ولا كراهية لأحد".. خمس كلمات أصبحت منذ ذلك الحين تعرّف بماهية الجماعة الإسلامية الحقيقية.

وفي أوائل عام 1982، قام بتعيين والدي، سيد محمود أحمد ناصر، وهو واقف للحياة لخدمة الجماعة الإسلامية الأحمدية كأول إمام وداعية مسؤول عن مسجد البشارة وكان لي شرف مرافقته ووالدتي أثناء توجههما للخدمة في إسبانيا.

كانت الليلة الأولى في البلاد الجديدة مليئة بالإثارة بالنسبة لطفلة عمرها ثماني سنوات. كان المبنى الجديد لا يزال على الهيكل، وكان يجب إنهاؤه حيث كان لدينا شهر ونصف فقط حتى حفل الافتتاح.

يقع المبنى والأرض المحيطة به في عمق الريف الأندلسي فكان من الصعب الوصول إلى المرافق الأساسية إذ حتى المياه لم تكن صالحة للشرب ويجب إحضارها من القرية في جالونات. بدأت فتاة صغيرة في ذلك اليوم بمغامرة جديدة مع والديها، مغامرة من شأنها أن تخلق عندها تجارب عميقة وذكريات من التفاني والتضحية والصمود لتتذكرها وتعتز بها لعقود قادمة.

وهكذا، بدأت مغامرتنا. لقد كانت مهمة هائلة! ما زلت لا أصدق كيف تم ذلك في الوقت المحدد! كان المسجد لا يزال بحاجة إلى الطلاء، و لم يُشتر الأثاث والتجهيزات والمفروشات الأساسية بعد، إضافة إلى الكراسي والأسِرّة والأواني الأساسية، وحتى المراحيض وأنظمة الصرف الصحي لم يتم تركيبها بالكامل بعد. لم يكن لدينا وسيلة نقل، وكانت أقرب مدينة تبعد 30 كيلومترًا، فكنا نأخذ الحافلة إلى قرطبة ونقضي اليوم بأكمله هناك في حرارة الصيف، ونقوم بمهام إتمام المسجد.كانت العديد من متاجر البيع بالجملة أو المصانع مغلقة في فصل الصيف وتغلق المتاجر المفتوحة أبوابها لقيلولة خلال ساعات الظهيرة الحارة، فكنا نرتاح نحن الثلاثة تحت ظل الأشجار في المنتزهات حول قرطبة، وكنا نعود عند المساء على متن الحافلة الأخيرة حاملين حقائب كبيرة ونصعد بها أعلى التل عائدين إلى المسجد.

كان العائق الأكبر هو أنه لم يكن أحد منا يتكلم كلمة واحدة من الإسبانية ولا أحد هناك يستطيع أن يفهم أو يتحدث الإنجليزية. كان علينا في بعض الأحيان أن نشرح بالإشارة أو نرسم ما نحتاجه. لقد كانت لعبة مستمرة من الحزورات التي كانت إما تؤدي إلى نوبات من الضحك من كلا الطرفين، أو كان أصحاب المتاجر ينزعجون منا!

كنا من بين حفنة من المسلمين في أنحاء البلاد كلها، وبطبيعة الحال كان الناس متخوفين وغير مرتاحين بعض الشيء عند احتكاكنا بهم. ولكن بعون الله والدعاء وعزم وتفاني الناس من حولي تم الانتهاء من كل شيء بأعجوبة في الوقت المحدد.

كانت لأمي موهبة مميزة في الحسابات كما تفوقت في المهارات التنظيمية، حيث اهتمت بالحسابات وتأكدت من الحصول على العناصر الأساسية والضرورية جميعها للمسجد والمكاتب الملحقة به كما اهتمت بمفردها بإعداد الطعام للحدث القادم بأكمله.

وجدنا رامون وهو جزّار في قرية مجاورة، كان يأتي في المساء بعد عمله ويذبح الماعز والأغنام أمام أعيننا، ويسلخ جلودها ثم كانت والدتي توجهه حول كيفية تقطيع اللحم.كان ذلك يستغرق عدة ساعات كل مساء. ثم تبدأ عملية الطهي فتطبخ أجزاء كبيرة من الطعام طوال الليل وتجمدّها. وعندما تنتهي يحين وقت الفجر. كانت تنام بضع ساعات بعد الفجر لتستيقظ مرة أخرى لمشاريع اليوم التالي.

أود مشاركة شيء هنا لطالما كان عالقًا بذهني كدرس.كما ذكرتُ سابقًا،كانت والدتي مشغولة في إعداد الطعام للضيوف، كل ذلك كان يحدث من حولي، ولكن وجباتنا الخاصة كانت بسيطة للغاية. ذات يوم خاطبني والدي قائلاً "عائشة! يتم تحضير هذا الطعام لضيوف الجماعة، لا يجب عليك حتى أن تنظري إليه!" قد يبدو الأمر قاسيًا بالنسبة لبعض الناس، لكنني ممتنة له إلى الأبد، لأنه ترك لي درسًا مدى الحياة وهو أنّ أي شيء يخصّ الجماعة يجب التعامل معه بعناية كبيرة ويجب عدم استخدامه مطلقًا دون إذن، ولا ينبغي لأي شخص أن يشعر بأنّ له أي حق في ما تملكه الجماعة.

أتذكر أننا قبل أيام قليلة من الافتتاح ذهبنا إلى المدينة مع شخص عرض علينا استخدام سيارته وعدنا ومعنا ثلاثين دجاجة حية في المقعد الخلفي!

مرت الأيام سراعًا وشهدتُ اكتمال أعمال الدهان والسباكة والأثاث الخشبي ووضع السجاد، وتركيب المصابيح. وبدأت بعض قطع الأثاث الأساسية تملأ المنزل.

كنا نتوقع وصول العديد من كبار السن من عائلة المسيح الموعود عليه السلام إلى إسبانيا بهذه المناسبة التاريخية، لذلك بذل والداي قصارى جهدهما لجعل المنزل مريحًا قدر الإمكان ولا أعني بالمريح الفخامة على الإطلاق! في الواقع، تم طلب الكثير من المرتبات وكان الضيوف ينامون عليهم برضى!

والدتي أمة المتين هي ابنة حضرة المصلح الموعود، الخليفة الثاني للجماعة الإسلامية الأحمدية ووالدي هو ابن حضرة مير محمد إسحاق رضي الله عنه وهو عالمٌ موقر والأخ الأصغر لحضرة السيدة نصرت جهان بيغم (رضي الله عنها) زوجة المسيح الموعود عليه السلام.كان الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لهما هو الاعتناء بضيوف المسيح الموعود عليه السلام جميعهم على أتم وجه.

لقد لاحظتُ أنه على الرغم من أن الضيوف كبار السن كانوا من أصول نبيلة، إلا أنهم كانوا أقل الضيوف صعوبة في التعامل على الإطلاق، حيث بدأوا بالمساعدة بكل طريقة ممكنة،كإعداد الشاي والفطور وتنظيف الأواني وحتى كنس الأرضيات.

أخيرًا جاء اليوم الذي وصلت فيه قافلة حضرة ميرزا طاهر أحمد (رحمه الله) عبر بوابات المسجد. لا أتذكر بوضوح الآن، لكن كان الجو مليئًا بالإثارة! أعتقد أنني كنت أصغر من أن أدرك ما هي المناسبة العظيمة التي كنت جزءًا منها حيث تجمع المئات في ساحة المسجد للترحيب بحضرته.

وأخيرًا وصل اليوم الذي طال انتظاره 10 سبتمبر/أيلول  1982.. حضر المناسبة حوالي خمسة آلاف شخص من بينهم ألفي مسلم أحمدي وقد جاؤوا إلى هنا من جميع أنحاء العالم ليشهدوا هذه المناسبة العظيمة، وكان الباقون من الضيوف الإسبان. وتقريبًا كافة سكان قرية بيدرو أباد. كان الجو مشحونًا بعواطف الامتنان ولم تكن هناك أية عيون غير دامعة في المنزل. ألقى حضرة ميرزا طاهر أحمد (رحمه الله) خطبة عظيمة مؤثّرة، لم يكن بناء هذا المسجد بعد سبعمائة عام من طرد المسلمين من إسبانيا حدثًا عاديًا وبالطبع الشخص الذي كان صاحب هذه الرؤية والذي تمنى ودعا بحرارة شديدة لهذا اليوم لم يعد معنا.. حضرة ميرزا ناصر أحمد (رحمه الله). لقد نعاه الخليفة الرابع بطريقة مؤثرة للغاية في خطبته، وكان الجميع يهنئون بعضهم بعضا في هذه المناسبة التاريخية الجميلة كأفراد عائلة واحدة.

كان الخليفة (رحمه الله) سعيدًا جدًا بحمد لله بالترتيبات كلها وكان قد أصدر تعليماته مسبقًا بأنّ على جميع الضيوف القيام بتأمين وجباتهم بأنفسهم خلال هذه الأيام. لكن بعد يوم أو يومين من الافتتاح، عقد حضرته اجتماع مجلس الشورى مع ممثلي الجماعة من أنحاء العالم. فكان ذلك في الواقع أول اجتماع شورى دولي.كان هناك عدة مئات من الحضور.

ذكر والدي أنه بعد الاجتماع سأل الخليفة رحمه الله الحاضرين: "من سيأكل هنا؟" ورفع جميع الحاضرين أيديهم!

الحمد لله رب العالمين أنه بارك الطعام الذي أعدته أمي لدرجة أن جميع الحاضرين استمتعوا بالطعام في المسجد.

بينما أستمر في انتقاء الأزهار من باقة ذاكرتي قد أكشف النقاب عن العديد من البراعم الصغيرة، فلكل منها عطرها الفريد، وكل منها يحمل انطباعًا عميقًا في روحي. بعضها قصص عن الإخلاص والعمل الشاق والبعض الآخر عن الصمود المطلق ولكنها رسّخت جميعًا اعتقادي على مر السنين بأن بركات الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى التي نلناها، حتى أنا كابنة واقف للحياة، تفوق بكثير الصعوبات التي واجهناها.

أصبحت الأمور أكثر هدوءًا بعد سلسلة الأحداث هذه، والتحقتُ بمدرسة دير القلب المقدس للبنات المحلية في قريتنا بيدرو أباد. وبما أن المدرسة كانت كاثوليكية ملتزمة،كان والدي يشعر بالقلق وأجلسني للتأكد من أنني لن أشارك في أية ممارسات دينية أو صلوات.كما زرع في داخلي أنه لا إله إلا الله وهو ليس بإنسان ولا يمكن لأي إنسان أن ينال قدرات الله. فهمت وقلت: "لا تقلق يا أبي لا يمكن أن أؤمن بإله يأكل ويشرب ويحتاج بالتالي إلى استخدام المرحاض باستمرار!"

كانت الراهبات الكاثوليكيات يُدرن المدرسة ومعروفات بالإسبانية باسم monjas  ولقد كنت الطفلة الوحيدة غير الإسبانية وغير الكاثوليكية هناك. لقد كن على دراية بتعليمات والدي لدرجة أنهن تأكدن من أنني لن أحضر القداس الأسبوعي ولن أتمرن على الكورال الغنائي، وإذا شاركت في أي أنشطة دينية دون دراية كنّ يوقفنني بأنفسهن. وفي وقت لاحق، عندما كبرت سمحت لي المدرسة بتعديل الزي المدرسي ليتماشى مع رغبتي في ارتداء ملابس محتشمة.

لم تتم تربيتي بالطريقة التقليدية فلم أتعلم من والديّ الكثير من السور أو الأدعية ولم يكن هناك مجلس للناصرات ولا الاختبارات التي يخضعن لها فقد كانت هناك فتاتان فقط في عمر الناصرات في البلاد كلها ولكن كان تركيز والديّ منصبًا على غرس القناعة القوية في إيماني وبناء شخصيتي.كانت الصلوات والصلة الحقيقية مع الله هي محور التركيز بالطبع. روى والدي مؤخرًا قصة كيف لم يسبق لي أن رأيت تساقط الثلوج فصرتُ أدعو يوميًا لتساقطها مع اقتراب فصل الشتاء، وفي ذلك العام تساقط الثلج وقال السكان المحليون إن الثلوج لم تتساقط منذ سبعة عشر عامًا. لقد حرص والديّ على أن أبني علاقة مع الله وارتأيا أنه تعالى قد استجاب أدعيتي.

أتذكر مرة كنا في قرطبة لقضاء اليوم وظل أبي يذكرني بالصلوات، وظللت أؤخرها ثم نسيت وعندما عدنا إلى المنزل في وقت متأخر من المساء قال:"اذهبي الآن واقض جميع صلواتك، ظللت أذكّرك ولم تؤدها" ما زلت أتذكر تأدية كل صلوات اليوم معًا وشعرت بالضيق من نفسي ولكنه كان درسًا جيدًا تعلمته!

في مناسبة أخرى أتذكر أن أحدهم قد أهداني رضيعًا صغيرًا نائمًا من الخزف وجاءت ذات يوم إحدى صديقاتنا الإسبانيات العمة ماريانا عندما كنت ألعب بألعابي وقالت: "أوه، انظري، الطفل يسوع نائم!"

لم يتحمل والدي ذلك، فقال لي على الفور أن أسحق اللعبة الصغيرة لأنه لا يستطيع تحمل فكرة أني أمتلك لعبة تصور نبيًا، خاصةً من يعتقد بعض الناس أنه إله.

في طريقي إلى المدرسة كنتُ أسأل والديّ أنواعًا مختلفة من الأسئلة، أتذكر مرة كنت قد قرأت أن البشر هم "أشرف المخلوقات" وسألت أبي ماذا يعني ذلك؟ لا بد أن يكون قد أجابني إجابة مقتضبة حيث أنها لم تكف لإرضاء فضولي، لكنني أتذكر أن خطبته في يوم الجمعة التالي تمحورت حول ذلك.

وهناك أمرٌ آخر وهو أن والداي كان يحبان ذكر كبار العائلة في حديثهما دائما وهكذا عرفتُ شخصياتهم وشكلتُ رابطًا معهم حتى دون مقابلتهم.

يقع المسجد على حافة طريق سريع كبير يتجه شمالاً والمعروف باسم  Carretera de Madrid وكان والدي يمسح الممرات الداخلية والخارجية للمسجد يوميًا حيث كان الغبار يتراكم كثيرًا وبما أن المسجد كان في منطقة مرتفعة ويمكن رؤيته لأميال، فكان كثير من الناس يتوقفون لزيارتنا.كان يأتي في بعض الأيام مئات الزوار بمن فيهم عائلات وكانت مجموعات كبيرة من أطفال المدارس يأتون لزيارة المسجد أيضًا وفي إحدى تلك الزيارات، سألت مجموعة من الفتيات والدي"لقد سمعنا أن ابنتك تذهب إلى المدرسة الكاثوليكية المحلية هنا، ماذا لو قررت أن تصبح مسيحية عندما تكبر؟ "أجاب والدي:"سأشعر بحزن عميق لكن الإيمان مسألة تخص الفرد ولا إكراه في الدين حسب الإسلام" وكانوا في بعض الأحيان يسألون والدتي عن حجابها وتشرح لهم تعاليم الإسلام والمنطق وراء الحجاب.

لم يكن هناك أحمديون آخرون يعيشون في بيدرو أباد في ذلك الوقت.كان هناك رجل أو رجلين ينضمان إلى أبي في الصلاة في بعض الأيام وفي أيام أخرى كان يناديني من المنزل للانضمام إليه في الصلاة.

أمر حضرة ميرزا ناصر أحمد (رحمه الله) في حفل وضع حجر أساس مسجد البشارة أعضاء الجماعة بعدم الانخراط مباشرة في التبليغ مع القرويين، بل تعزيز أواصر الصداقة معهم وهذا ما حاول والداي فعله. كانت والدتي أفضل بكثير في هذا الأمر؛ حيث كانت تتعامل مع السيدات المحليات بانتظام من خلال رحلات شراء حاجياتها من البقالة في القرية؛ فكن يتحدثن بشكل عفوي. وعلى الرغم من مفرداتها المحدودة فهمن بعضهن بعضا بشكل مثالي كما تمكنّ بطريقة ما من تبادل النكات أيضًا!

خضتُ بعض المغامرات المثيرة مع والدي أيضًا؛ إذ كان يدعوني لمساعدته على قتل الثعابين التي طالما زحفت من أراضي المسجد التي لا نهاية لها، فعلمني أن أضرب رأس الأفعى وأن أقطع رأسها بضربة سريعة بالعصا. استفدت من ذلك حيث واجهت أحيانًا بعض الثعابين بنفسي فقتلتها دون مساعدة أبي. لم تكن الأراضي عشبية ولكنها كانت مليئة بالشجيرات البرية الشائكة فتجولت الجرذان والأفاعي البرية بحرية. في إحدى السنوات، احتفظت بدجاجيتن صغيرتين كحيوانات أليفة وسميتهما توتي وفروتي، وأبقيتهما داخل المنزل ولكن في بعض الأحيان كنا نحتاج إلى إبقاء الأبواب مفتوحة بسبب الحرارة. وذات مرة، دخل جرذ بري المنزل وهاجم توتي وقتلها، ثم بعد بضعة أيام ماتت فروتي من الحزن. ربما كانت هذه تجربتي الأولى في رؤية الموت وما زلت أتذكر كيف كان على أمي وأبي مواساتي لأشهر بعد ذلك.

ذات مرة وبمناسبة العيد،كان هناك طاقم تصوير من شبكة تلفزيون الأندلس الإقليمية حيث قاموا بإعداد تقرير إخباري عن احتفالاتنا.كان العيد مناسبة بسيطة!بعد الصلاة كنا نسير مسافة ميلين بين بساتين الزيتون الناضجة ذات الرائحة القوية إلى ضفاف نهر غوادال كويفير وكنا نأخذ الطعام معنا حيث كان يستمتع أفراد الجماعة كلهم (وكانوا حفنة أشخاص فقط) بنزهة معًا.

يقع مسجد البشارة خارج القرية نفسها وكان الطريق إلى المدرسة يأخذ مني خمس عشرة دقيقة سيرًا على الأقدام. ذات صباح بينما كنت أسير نحو المدرسة توقف سائق شاحنة وسألني أين توجد ساحة معينة فوجهته إليها بلغتي الإسبانية وحينها سألني: "أنت لا تبدين إسبانية، من أين أنت؟" قلت له إنني ابنة إمام المسجد، وتبين أنه صحفي في  صحيفة دياريو16، وهي صحيفة مشهورة في أنحاء البلاد فاتصل بوالدي وقام بترتيب مقابلة معي في المدرسة وخلال المقابلة سألني أسئلة حول كوني طالبة مسلمة في مدرسة كاثوليكية وعلق على مدى توافقي مع محيطي.كما جعلني أرسم خريطة إسبانيا على السبورة وذكرتُ أسماء المدن، كما كان عليّ أن أشير إليها على الخريطة. وتم نشر المقابلة على الصفحة الرئيسية للصحيفة بعنوان "القرآن والراهبات".

وفي مناسبة أخرى، سافرنا إلى مدريد وشاركنا في البث الإذاعي للعام الجديد الذي تم بثه في محطة إذاعية؛ حيث قمت بإنشاد جزء من قصيدة "حمد وثناء" لسيدنا المسيح الموعود عليه السلام .

كنا نأخذ بعض أدبيات الجماعة في عطلة نهاية الأسبوع ومنشوراتها ونذهب إلى القرى والبلدات المجاورة لتوزيعها. لاحظ والداي في كثير من الأحيان أنه بينما كنا نقف على زوايا الشوارع نوزع المنشورات، عندما لا يقبل الناس منشورًا من يد أبي الممدودة فإنهم يقبلونه أحيانًا من والدتي وإذا رفضوا قبوله من والديّ كانوا يقبلونه مني. ولم نر إحدى منشوراتنا ملقاة في الشارع قط.

و في إحدى تلك الرحلات، ذهبنا مسافة أبعد عن المنزل مع أخ أحمدي ورأينا الكثير من الناس يتجمعون حول شيء ما كان بالقرب من قلعة قديمة، فنال منا الفضول وأوقفنا السيارة ونزلنا وفجأة، بدأ جميع الأشخاص الذين تجمعوا هناك يحدقون بنا وعلى وجه الخصوص بأمي.كانوا يصورون في الواقع فيلمًا تاريخيًا واعتقد المتفرجون أننا جزء من الفيلم.كان هناك كثيرًا من الضجة لدرجة أن المخرج والطاقم توقفوا عن التصوير لينظروا إلينا!

تتدفق الكثير من الذكريات الصغيرة الثمينة أمامي وتستقر في ثنايا قلبي. بينما أتذكر وأستغرق في هذه الذكريات العزيزة لا يسعني إلا أن أكون ممتنة لله سبحانه وتعالى ولبركات دعاء حضرة أمير المؤمنين رحمه الله التي جعلتنا نستمر خلال تلك السنوات. كانت التجربة بالنسبة لطفلة تشعرني بالوحدة الكبيرة في بعض الأحيان، حيث كانت بيدرو أباد في ذلك الوقت مكانًا منعزلاً للغاية.لم يكن لدينا هاتف لفترة طويلة وحتى عندما صار عندنا هاتف، كان لا بد من حجز المكالمات مقدمًا وغالبًا ما كانت تنقطع أو كانت ذات جودة رديئة. أتذكر بوضوح أنه عندما توفيت أخت والدي الكبرى، لم يصلنا الخبر إلا بعد عدة أيام. في تلك الأيام،كانت رسائل جدتي حضرة شوتي أبا نعمة بالفعل؛ حيث كانت تكتب إلينا بانتظام وتطلعنا على آخر أخبار العائلة.

أتذكر أننا اعتدنا على استقبال الزوار من أنحاء العالم وكنا نتحمس جدًا لوجودهم ونحزن بالمقابل عند مغادرتهم.

كان عندي مجموعة من الطوابع وكنت أعتز بها جدًا وقد جمعتها نتيجة لمئات المراسلات التي تجري بين أشخاص من أنحاء مختلفة من العالم ومسجدنا، لكنني حزنت عندما تركتها عند انتقالنا.

كانت جولة أمير المؤمنين رحمه الله الثانية إلى إسبانيا في أكتوبر 1985.وكان مع عائلته وأفراد قافلته هذه المرة، فأُقيم برنامج في ساحة المسجد مع أمير المؤمنين رحمه الله وحضره بضعة آلاف من الضيوف الإسبان. لقد كنا محظوظين للغاية لمرافقة حضرته خلال تواجده هناك في بعض الرحلات لمشاهدة معالم المدينة.

تزوج أخي في باكستان في أوائل عام 1986 ولم نتمكن من الحضور.كان وقتًا صعبًا،خاصة بالنسبة لأمي وفي الوقت نفسه تقريبًا كان هناك تفشي لجدري الماء وعانيت من ارتفاع درجة الحرارة الشديدة. لم يكن هناك سوى طبيب واحد في ذلك الوقت في المنطقة يزور بيدرو أباد مرة كل أسبوعين ولسبب ما لم يزر القرية لعدة أسابيع.

أتذكر أن الحمى كانت شديدة لدرجة أنني أصبت بحالة هذيان.كان أمي وأبي في ذلك الوقت يجلسان معي ويتلوان السور ويرددان الأدعية ويعالجان الحمى بوضع منشفة رطبة. لقد أخبراني لاحقًا، أنه في مرحلة ما ارتفعت درجة حرارتي إلى 107 فهرنهايت وفقدا الأمل في أن أبقى على قيد الحياة.

كان هناك تقليد خاص في إسبانيا وهو أنه لدى كل مدينة وقرية مهرجان سنوي يسمى فيريا. اعتدت أن أتطلع إليه وأوفر المال طوال العام لألعاب المهرجان، وقبل المعرض ببضعة أيام،أخبرتني والدتي كيف كانت تخيط الملابس لإخوتي. فتذمرتُ قائلة :"أنتِ لم تخيطي أي شيء لي!" ودون أن أعرف، ذهبت إلى السوق واشترت بعض الأقمشة وعلى الرغم من الألم في معصمها، قامت بصنع سترتين جميلتين مع بنطالين وإكسسوارات للشعر وكانت جميعها متناسقة الألوان، وبقيت مستيقظة للخياطة طوال الليل وفاجأتني بها في صباح المهرجان. لقد كانت هناك عندما استيقظت! ملابس جديدة معلقة وجاهزة لي!.

بينما أتذكر الوقت الذي قضيته هناك، أرى طفلة صغيرة بمفردها تركض خلف الكرة تتوق إلى صحبة إخوتها الأكبر سنًا ولا تفكر كثيرًا في مشاعر والديها اللذين تركا أبناءهما وراءهما من أجل تعليمهم. أرى أيضًا والدتي تدندن أبياتًا للمسيح الموعود عليه السلام مليئة بالدعاء من أجل ذريته بينما كانت تقوم بالأعمال المنزلية اليومية. في ذلك الوقت كان اثنان من إخوتي في باكستان وكان الاثنان الآخران يعيشان في الولايات المتحدة؛ لذلك توزعت الأسرة في ثلاث قارات في ذلك الوقت كما هو الحال الآن. استمر والداي في الحديث عن طفولة إخوتي وإبداء الإعجاب وعدم الإعجاب بشغب طفولتهم وقصصهم المضحكة. أعتقد أن ذلك كان ليس فقط لأجلهما بل ليبقيا قلبي على صلة معهم أيضًا.

كما أتذكر كيف كنت أستيقظ على صوت أذان والدي وهو يرفعه بصوت رخيم. وبعد أن يغادر، كنت أستعد بسرعة وأؤدي صلواتي وأعود إلى السرير وأتظاهر بالنوم حتى أتمكن من خداعه عندما يعود، ثم أسمعه يقول مازحًا: "إن أذنيك لا تهتزان، لو كنت نائمة حقًا لاهتزت أذناك "ومهما كنت أحاول، لم تكونا تهتزان.

أتذكر أيضًا كيف تشكلت الرابطة القوية بيني وبين أمي حيث كنا نقوم بوضع السجادة في الخارج تحت شمس الشتاء ونقرأ كتب النكت الأوردية أثناء تناول بذور عباد الشمس بينما أتعلم في الوقت نفسه الخياطة. وفي ذلك الوقت أطلعتني أمي على قصص حاتم الطائي والشيخ سعدي والعديد من الحكايات الشعبية الأوردية الأخرى. أعتقد قد بدأ وقتها حبي للقراءة بشكل جدي، وأنا ممتنة لجدتي إلى الأبد حيث كانت ترسل لي كتبًا باللغة الأردية من باكستان وكان صديق والدي العم ساقي يرسل لي الكتب الإنجليزية من إنجلترا.

عندما كنت أغادر المسجد لآخر مرة بقلب ثقيل وعيون دامعة في صباح ربيع عام 1986، أتذكر أنني شعرت أكثر من أي شيء آخر بمدى حبي لهذا المكان وتعلقي بخصوصيته الكبيرة وفكرت كيف كنتُ محظوظة لأنني حظيت بفرصة عيش حياة غير عادية في هذا المكان الاستثنائي في ذلك الوقت المميز.