الحيض: نجاسة وعار أم جزء من سنن الطبيعة؟



 تعتبر المرأة الحائض نجسة في العديد من الأديان والثقافات حتى يومنا هذا. وتمتهن كرامتها بسبب أمر خارج عن إرادتها.

فعلى سبيل المثال تعتبر المسيحية واليهودية المرأة في الطمث نجسة وتُمنع من ممارسة حياتها الطبيعية فلا يُسمح لها بطهي الطعام أو لمس أي شيء لأنه سيصبح نجسًا، حتى إذا مس أحدهم شيئا مسّته تنتقل النجاسة إليه وكأنها عدوى، وإن كانت أيام طمثها أطول من المعتاد فإنها تعتبر نجسة طيلة هذه الفترة، فقد ورد في سفر اللاويين الإصحاح 15

"وإذا كانت إمرأة لها سيل وكان سيلها دما في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجسا إلى المساء. وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجسا وكل ما تجلس عليه يكون نجسا. وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء. وكل من مس متاعا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء. وإن كان على الفراش أو على المتاع الذي هي جالسة عليه عندما يمسه يكون نجسا إلى المساء. وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام. وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسا. وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياما كثيرة في غير وقت طمثها أو إذا سال بعد طمثها فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما في أيام طمثها إنها نجسة. كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها يكون لها كفراش طمثها. وكل الأمتعة التي تجلس عليها تكون نجسة كنجاسة طمثها. وكل من مسها يكون نجسا فيغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء".

و كذلك تعتبر الديانة الهندوسية المرأة الحائض نجسة وقذرة، حيث يقومون بعزل النساء في أكواخ منفصلة عن المنزل لكي لا تدنسه. لقد تداولت الصحف مؤخرا خبرا عن امرأة في النيبال قضت نحبها، بعد أن تم إجبارها على الإقامة في كوخ الحيض.

(وعُثر على بارباتي بودا راوات ميتة الإثنين الماضي بعد اختناقها بسبب نيران أضرمتها للتدفئة وهي في ذلك الكوخ) * 07-12- 2019 أخبار بي بي سي.

حتى أنّ بعضا من جهلة المسلمين قد تأثر بهذه الأديان، فعلى سبيل المثال في أفغانستان يعتبر الحيض أمرًا معيبًا يجب التكتم عليه وفي هذه الفترة لا يتوجب على المرأة لمس أي شي لأنها تدنسه.

 

فما هي نظرة الإسلام للمرأة الحائض؟ وهل يعتبرها الإسلام نجسة؟

ينظر الإسلام للحيض على أنه أمرٌ خارجٌ عن إرادة المرأة ولا بدّ منه لإكمال سنة الحياة، لذا فالمرأة غير مسؤولة عما يترتب عليها من نقصٍ في النظافة الجسدية ونستدل على ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن حيضتك ليست في يدك" (صحيح مسلم)

لقد كرّم الدين الإسلامي المرأة المسلمة وأعطاها العديد من التسهيلات التي تسهل عليها أمور دينها ودنياها، ولكن يحاول البعض تشويه صورة الإسلام بنفثِ السموم في بعض المسائل كقولهم إن الإسلام يعتبر المرأة الحائض نجسة أو غير طاهرة وذلك بناءً على فهمهم السطحي للمسألة. وسأفند في هذه السطور هذه الشبهة إستنادًا على الآيات والأحاديث.

تقول الآية الكريمة 223 من سورة البقرة: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ". يدّعي بعض قاصري العقول بأن الإسلام قد أمر هنا بعزل النساء لعدم طهارتهن، ولكن قوله تعالى (فاعتزلوا) و(لا تقربوهن) لا يعني أنه يجب عزل النساء وعدم لمسهنّ أو الجلوس بقربهنّ إنما النهي عن العلاقة الخاصة فقط لاغير وذلك لأسبابٍ شرعيةٍ وصحية.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن وهو متكىء على حجر السيدة عائشة رضي الله عنها وهي حائض. وكان الله صلى الله عليه يحث المرأة المسلمة وإن كانت حائضًا على الحضور إلى المسجدِ في صلاة العيد للاستماع إلى الخطبة والمشاركة في الدعاء:

روى البخاري ومسلم عن أم عطية رضي اللّه عنها قالَتْ: أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ وَالأضْحَى، العَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فأمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ. إذن نستنتج من هذا الحديث أنه يمكن للحائض حضور المسجد، ولكن لماذا لا يمكنها الصلاة؟

نعلم جميعًا أن المرأة في هذه الفترة من الشهر تكون في حالة ضعف ووهن وإن الصلاة تحتاج إلى التركيز وإلى مجهودٍ عضلي أيضًا وهذا غير متوافر في حالة المرأة الحائض، بالإضافة إلى أنّه من شروط الصلاة الطهارة الجسدية لأن النظافة من الإيمان وهذا لا يمكن تحققه في الحيض، وهذا لا يعني أن المرأة نجسة لقوله صلى اللّه عليه وسلم "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس" (صحيح البخاري)

أما بالنسبة للصيام فحكم المرأة الحائض كحكم المريض: "فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" (البقرة: 185) وذلك لمشقة الصيام على المرأة في هذه الفترة فهي بحاجة لتعويض السوائل التي تخسرها أثناء الحيض لذا أحلّ الله تعالى إفطارها في رمضان "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (الحج:79)

أما لماذا لا يجوز حمل القرآن الكريم أو ملامسته في فترة الحيض فذلك لأنه من الصعب الحفاظ على النظافة الشخصية في بعض البلدان الفقيرة فلقدسية القرآن الكريم لا يجوز ذلك،
أما بالنسبة لقراءة القرآن بقصد التعلم أو التعليم فهذا جائز مع غياب الطهارة الجسدية وبهذه الحال يحمل القرآن الكريم بقطعة قماش نظيفة، أما القراءة التعبدية فهي كسائر العبادات تحتاج إلى طهارة جسدية ولا يمكن توافرها بهذه الحالة.