كم كان عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم؟



 كم كان عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم؟

في لقاء مع أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) بتاريخ 13/12/2020 تحدث عن مختلف الروايات التي تخص عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم وعرض أقوال المسيح الموعود عليه السلام وأعطى التوجيه التالي فيما يخص هذه المسألة:

هناك قدر كبير من التناقض في كتب التاريخ والسيرة والتفسير والأحاديث فيما يتعلق بعمر السيدة عائشة (رضي الله عنها) وقت زواجها من النبي ﷺ. وبحسب ما ورد في هذه الكتب، كان عمر السيدة عائشة عند عقد قرانها على النبي الكريم ﷺ يتراوح من 6 - 16 عامًا، بينما يتراوح عمرها عند الزواج من 9 - 19 عامًا.

تذكر الروايات في كتب الصحاح الستة، بما فيها صحيح البخاري، أن عمر السيدة عائشة عند عقد القران كان ست سنوات، بينما كان عمرها عند الزواج تسع سنوات. ولكن، إذا فحصنا هذه الروايات المتعلقة بعمر السيدة عائشة على أساس مبادئ علم الحديث - أي: الرواية والدراية - فسنجد أنها لا تفي بمعايير صحة الحديث.

هناك21  رواية واردة بهذا الشأن في كتب الصحاح الستة،  منها 14 رواية عن هشام بن عروة والأخرى عن أبي عبيدة وأبي سلمة والأسود. ومن العجيب حقًا أنه لم يروِ هذه الحادثة المهمة جدًا في التاريخ والسيرة أحد من الصحابة الكبار.

 

 

 

لقد ظهرت الروايات التي تتحدث عن زواج السيدة عائشة في سن مبكرة لأول مرة عام 185 هـ، أي بعد أن مضى وقت طويل على وفاة هشام وعروة، اللذان رويا معظم الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع. علاوة على ذلك، قد قضى هشام وعروة معظم حياتهما في المدينة، وكان الإمام مالك رحمه الله، محدث المدينة الشهير، تلميذًا لهشام بن عروة، ورغم ذلك لم يرد ذكر هذه الرواية في موطأ الإمام مالك رحمه الله.

وعند دنو أجله، فقد هشام بن عروة بصره، وتدهورت ذاكرته (وفقًا لخبراء السيرة الذاتية) وبدأ يعاني من الوهم وفقدان الذاكرة، وهاجر إلى الكوفة وهناك ذكر هذا الحديث لأول مرة. أما الشخص الذي روى عنه هذا الحديث فقد رواه لشخص آخر بعد مرور أربعين سنة على وفاة هشام بن عروة. وبالتالي لم يكن هناك إمكانية لإيجاد أي دليل مؤيد أو معارض لهذه الراوية.

وهكذا، فإن حقيقة أن هشام لم يروِ هذه الرواية طيلة حياته في المدينة، وأنه ورد ذكرها في كتاب جُمع بعد سنوات طويلة من وفاته، تلقي بظلال الشك على صحتها. كما أن هناك احتمال أن تكون هذه الرواية ملفقة للتشهير بأهل بيت النبي ﷺ عامة والسيدة عائشة الصديقة بشكل خاص. وربما قد تم القيام بذلك لإثبات أنه على الرغم من أن النبي ﷺ قد أوعز بتعلم نصف الدين من زوجته عائشة، إلا أنه لا يمكن للمرء أن يتعلم منها مسائل الدين على الإطلاق لأنها تزوجت النبي ﷺ في سن مبكرة عندما كانت لا تزال تلعب بالدمى مع فتيات أخريات وتوفي النبي ﷺ وهي لا تزال طفلة.

علاوة على ذلك، هناك تناقض في روايات صحيح البخاري بخصوص عقد نكاح السيدة عائشة رضي الله عنها. حيث ذكر في إحدى الروايات أن النبي ﷺ قد تزوج السيدة عائشة بعد ثلاث سنوات من وفاة السيدة خديجة، بينما ورد في رواية أخرى أن السيدة خديجة توفيت قبل ثلاث سنوات من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة وأنه انتظر لمدة عامين أو ما قريبًا من ذلك قبل أن يعقد قرانه على السيدة عائشة رضي الله عنها.

وهكذا، وعلى الرغم من أن جامعي الأحاديث قد أدوا مهمتهم بعناية فائقة، إلا أنه لا يزال هناك هامش للخطأ والشك والريبة لأن عملية جمع الأحاديث قد بدأت بعد وفاة النبيﷺ بحوالي 100 إلى 150 سنة، وكان المسلمون قد انقسموا إلى طوائف ونمت بينهم أنواع مختلفة من الخلافات.

بالإضافة إلى الإصلاح وحل القضايا الأخرى، فإن الحكم العدل في هذا العصر- المسيح الموعود عليه السلام- قد حل القضية المطروحة على أفضل وجه.

يقول حضرته عليه السلام:

"مع أننا نحترم الأحاديث ولكن الحديث الذي يناقض القرآن الكريم ويناقض عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نستطيع أن نقبله. لقد جُمعت الأحاديث في تلك المرحلة وقد دوّنوها بحذر شديد ولكنهم ما استطاعوا أن يأخذوا الحيطة الكاملة بعين الاعتبار. كانت تلك المرحلة لجمع الأحاديث، أما الآن فهي مرحلة التأمل والتدبر.." (الملفوظات، المجلد 9، ص 471-472 [طبعة 1984]).

إذا قمنا بتحليل قضية عمر السيدة عائشة من زاوية أخرى لوجدنا من كتب التاريخ والسيرة أن جميع أبناء سيدنا أبي بكر الصديق الأربعة (أي عبد الله وأسماء وعبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهم) قد ولدوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وأن السيدة عائشة مدرجة أيضًا ضمن قائمة السابقين الأولين التي وضعتها كتب السيرة. فكيف يمكن إدراج اسم السيدة عائشة في قائمة المسلمين الأوائل إذا كانت قد ولدت في السنة الخامسة من البعثة النبوية؟

كتب المؤرخون أن السيدة أسماء رضي الله عنها كانت أكبر بعشر سنوات من السيدة عائشة وأنه عند الهجرة كانت السيدة أسماء تبلغ من العمر 27 عامًا. فوفقًا لهذا يمكن أن تكون السيدة عائشة قد ولدت في السنة الرابعة قبل البعثة. وإذا افترضنا أن إعلان قرانها قد حصل قبل الهجرة فتكون عندها في الرابعة عشرة من عمرها.

ويوجد في صحيح البخاري رواية عن غزوة أحد التي وقعت في السنة الثانية للهجرة. وبحسب هذه الرواية كانت السيدة عائشة بنت أبي بكر والسيدة أم سليم تملآن قُرَبَ الماء وتحملانها على ظهريهما إلى المسلمين لتزويدهم بالمياه. فإذا كانت السيدة عائشة فتاة صغيرة، فكيف كانت قادرة على الركض في ساحة المعركة حاملة قربا مملوءة بالماء على ظهرها إلى الجرحى؟ وكيف كانت قادرة على أداء هذه المهمة؟

وبالتالي يثبت أيضًا أنها في السنة الثانية للهجرة كانت كبيرة بما يكفي لتكون قادرة على أداء مثل هذه المهمة الشاقة في ساحة المعركة.

وتم أيضًا تسجيل الحقيقة التالية في كتب التاريخ أنه قبل زواجها من النبي ﷺ، كانت السيدة عائشة مخطوبة لجبير بن مطعم. ويتبين من خطوبتها في ذلك الوقت أنها لم تكن تبلغ من العمر ست سنوات. وهذا يرجع بشكل خاص إلى حقيقة أنه عندما طلب النبي ﷺ من حضرة أبي بكر يد السيدة عائشة للزواج، حيث حدث [قبل ذلك] أن طلب أبا بكر (رضي الله عنه) من جبير بن مطعم الزواج بالسيدة عائشة ولكنه رفض، فتم إلغاء الخطبة. وبعد ذلك عقد قرانها على النبي صلى الله عليه وسلم. كما يثبت من طلب حضرة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) من جبير بن مطعم الزواج من عائشة رضي الله عنها أنها لم تكن تبلغ من العمر ست سنوات على الإطلاق في ذلك الوقت. بل حتى في ذلك الوقت كانت قد بلغت سن الزواج.

إن الاستنتاج الذي توصل إليه المصلح الموعود (رضي الله عنه) عن عمر السيدة عائشة بعد تحليلٍ دقيق بأسلوبه العلمي للروايات، هو أن عمرها عند الزواج كان ما بين 13 إلى 14 عامًا. وهذا بالفعل التقدير الصحيح لعمرها. وبناءً على ذلك، كان عمر السيدة عائشة وقت وفاة الرسول الكريم من 21 إلى 22 عامًا، وهو السن المثالي لاكتساب المعرفة الدينية ونقلها إلى الآخرين.

لقد رفض الحكَم العدل في هذا العصر -المسيح الموعود عليه السلام- الروايات التي تنص على أن عمر السيدة عائشة كان تسع سنوات وقت زواجها من النبي ﷺ. وهكذا، قال عليه السلام أثناء رده على الادعاءات التي أثارها فتح المسيح، القس المسيحي المعادي للإسلام:

"حين كتبت عن زواج السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها وذكرت أن عمرها يومذاك كان تسع سنين، فأولا: لم يَثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكَر أن عمرها تسعَ سنين، ولم ينزل أي وحي بهذا الخصوص. ولا أنه ثابت بالتواتر أن عمرها كان تسع سنين حتما؛ بل هو مروي عن راوٍ واحد فقط".  (نور القرآن، الجزء 2، الخزائن الروحانية، المجلد 9، ص 377).

 وبالمثل، قال حضرته عليه السلام في مناسبة أخرى:

"أما القول بأن عمر عائشة رضي الله عنها كان تسع سنين عند الزواج فقد ورد فقط ضمن أقوال سخيفة لا أصل لها، وهي غيرُ ثابتة من أي حديث أو من القرآن الكريم". (ديانة الآريا، الخزائن الروحانية، المجلد 10، ص 64).

باختصار، كل هذه الروايات التي تشير إلى أن السيدة عائشة كانت تبلغ من العمر تسع سنوات عند زواجها قابلة للمراجعة وللمزيد من التدقيق. فإما أن الرواة قد ارتكبوا خطأ غير مقصود فيها أو أن الرواة الذين جاءوا فيما بعد قد أقحموا عليها ذلك.

تكشف دراسة متعمقة لكتب التاريخ والسيرة بوضوح أن السيدة عائشة كانت في سن مناسبة للزواج؛ وهو السن الذي اعتادت فيه قريش على تزويج أبنائها وبناتها. لم يكن هذا الزواج استثناءً خاصًا أو جديرًا بالملاحظة بالنسبة لعادات المجتمع العربي آنذاك، ولم يكن مرفوضًا بأي شكل من الأشكال حتى أن المنافقين والكفار لم يثيروا أي اعتراض ضده، ولم يعلقوا أي تعليق مسيء حوله كما أنهم لم يتفاجأوا به.