الخرف وكيفية التعامل معه



ما هو الخرف؟

الخرف مصطلح شامل يشير إلى سلسلة من الحالات التقدمية التي تؤثر على الدماغ. والزهايمر هو أكثر أنواع الخرف شيوعًا، ولكن هناك أنواع أخرى شائعة مثل الخرف الوعائي، والخرف المصاحب لأجسام ليوي، والخرف الجبهي الصدغي والخرف المختلط.

 يؤثر الخرف على الخلايا العصبية داخل الدماغ، مما يؤدي إلى عدم قدرة الدماغ على نقل الرسائل إلى أجزاء أخرى من الجسم، وفي نهاية المطاف قد يؤدي ذلك إلى توقف أجزاء من الجسم عن العمل بشكل صحيح.

وفقًا لموقع نظام الصحة الوطني البريطاني، يوجد أكثر من نصف مليون شخص في المملكة المتحدة يعانون من الخرف ويزداد معدل تطور الخرف بين السكان، وذلك في المقام الأول لأن الناس صاروا يعيشون عمرًا أطول. كما أظهرت الأبحاث بأن الخرف يمكن أن يطال من تقل أعمارهم عن 65 عامًا، ويسمى هذا النوع من الخرف بإسم "الخرف الشبابي".

وبسبب الانتشار الساحق للخرف تهدف هذه المقالة إلى معالجة كيفية تأثير الخرف على المريض الذي يعاني منه، وعلى أسرته أيضًا.

مريض الخرف:

يمكن أن يكون الخرف أمرًا مدمرًا ومربكًا للشخص الذي يعاني منه. ومن أكثر آثار الخرف شيوعًا هي التغييرات في الاستجابات العاطفية مما يعني أنه من المرجح أن يعاني المريض من التهيج أو الاكتئاب أو المبالغة في رد الفعل تجاه الأشياء التي قد يتعرض لها عادةً. علاوة على ذلك، وبسبب ضعف الخلايا العصبية، يعاني المريض من سلس البول وتكسر بعض القوى الأخرى داخل جسمه.

إن نقص السيطرة هذا على وظائف الجسم يمكن أن يخلق بلا شك شعورًا بالعجز ويسبب بعض الأمور المتعلقة بالاعتزاز الذاتي. وبالإضافة إلى ذلك، قد تتغير العلاقات حول المريض حيث قد يتفاعل الناس معه بشكل مختلف، مما قد يكون أمرًا محبطًا أيضًا.

وقد يعاني مرضى الخرف أيضًا من فقدان الذاكرة ونسيان جوانب معينة من روتينهم كالأكل في الوقت المحدد أو نسيان أسماء الناس، وقد يكون هذا محبطًا بشكل لا يصدق للمريض من جهة ولمن يعتني به من جهة أخرى.

إن هذا النوع من التدهور في القدرات العقلية والجسدية قد أشير إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى:

"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ" (سورة النحل:71).

إذ توضح هذه الآية بشكل جليّ أن البشر يخضعون لقانون "أرذل العمر" بعد أن بلغوا ذروة القوة العقلية والجسدية في مرحلة البلوغ، وللأسف يبدأ البشر بفقدان ملَكاتهم في سن الشيخوخة.

أمور تتعلق بأفراد العائلة الذين يعتنون بمريض الخرف:

من المزعج أن نرى الأشخاص الذين نحبهم ينسون كل ما عرفوه سابقًا، وغالبًا ما يشعر مقدمو الرعاية العائلية بالإجهاد والحزن والشعور بالإرهاق، كما قد يشعرون بأن جميع الجهود التي يبذلونها غير كافية، على الرغم من حقيقة أنهم ينجزون العديد من المهام في يوم واحد، وبالتأكيد سيكون هناك تحسن وتراجع ولكن مع ذلك، يجب على المرء دائمًا أن يضع في حسبانه مسؤولياته وواجباته تجاه كبار السن.

وحيث أن تقديم الرعاية قد تكون مهنة مرهقة وصعبة في بعض الأحيان، إلا أن حضرة أمير المؤمنين (أيده الله بنصره العزيز) قد أشار في خطبة الجمعة بتاريخ 16/01/2004 أنه "لا يجب على الأحمديين استساغة مفهوم "تنظيم المراكز لكبار السن" بسبب شعور بعضهم بأنهم غير قادرين على رعاية المسنين بسبب ما لديهم من التزامات وما إلى ذلك.

إن إدانة مثل هذا التفكير نابعة من التعاليم الإسلامية الأساسية، وتظهر لنا الآية التالية ضرورة رعاية المسنين، حيث يقول الله تعالى:

"وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" (الإسراء:24).

كما قال حضره الخليفة الرابع (رحمه الله)  في كتابه "الإسلام والتحديات المعاصرة":

"هذه الآيات هي أكثر ما قيل في هذا الموضوع أهمية وشأنا. فبعد توحيد الله تعالى، يجب على الإنسان - بدافع من الحب والحنان والعطف - أن يعطي لوالديه الأولوية قبل كل شيء عندما يصلان إلى سن متقدم عسير.

وبالإضافة إلى ذلك، تتحدث الآية عن مواقف يكون فيها تصرف أحد الوالدين أو كليهما مزعجا للغاية، وأحيانا يكون عدوانيا. فلا ينبغي عندئذ أن يخرج من شفة المرء أي تعبير عن الضيق أو السخط ولو كان خفيفا، بل على العكس.. يجب أن يعاملهما باحترام عميق".

ثم إن المسيح الموعود (عليه السلام) قد علمنا من هو "المسكين" الذي يستحق منا الخير والمساعدة. وأن هذا يمتد إلى الآباء وأفراد الأسرة الذين سيصبحون في سن الشيخوخة ضعفاء ويحتاجون إلى الانتباه والرعاية".

وأضاف خليفة المسيح الخامس (أيده الله بنصره العزيز) بأن المواساة والعطف اللذان نقدمهما للمساكين هو أمر إلزامي ونحن لا نتفضّل عليهم بذلك أبدًا بل هذا جزء من واجبنا.

بعض المقترحات لمقدمي الرعاية:

·      تذكر كيف رعاك والداك عندما كنت طفلًا حيث لم يتعبا أبدًا من سهر الليالي على راحتك بل قدما لك الرعاية ودعماك أيضًا لتخطي كل عقبة واجهتها، وهذا في حد ذاته يجعل مهمتك ذات مغزى وأقل عبئًا.

·      الدعاء الدائم أن يعينك الله تعالى في كل المواقف الصعبة ويساعدك بتخفيف أي مشقة تواجهها.

·      لا تقارن نفسك بمقدمي الرعاية لمرضى الخرف الآخرين فلكل مقدم رعاية أسلوبه في التغلب على التحديات.

·       حدد الأولويات ولا تفعل الكثير في وقتٍ واحد، وحاول طلب المساعدة من الآخرين.

·       تحدث إلى الآخرين، فقد تكون هناك استشارة متاحة للتحدث عن هذا الموضوع، وقد يكون الاعتماد أيضًا على دعم الأصدقاء والعائلة أمرًا هامًا.

·      أخيرًا، من المهم أن نضيف أنه على الرغم من أن الاعتناء بمرضى الخرف يمثل تحديًا في بعض الأحيان، إلا أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم :"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لها ما كسبت" (البقرة: 287) فيمكن أن تكون هذه الآية بمنزلة مصدر للراحة لما يعانيه الشخص الذي يقدم الرعاية، وإن الله على ذلك بصيرا.

وفقنا الله تعالى ومنحنا العلم والمعرفة، وأعان جميع المصابين بالخرف والقائمين على رعايتهم، آمين.