الحور العين والخمر وغيرها من نعم الجنة



 الحور العين والخمر وغيرها من نعم الجنة

 

الجواب لحضرة خليفة المسيح الخامس حضرة ميرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) بتاريخ 23/03/2021:

 

تلقيت رسالتك التي ذكرت فيها أن أحد اعتراضات ما يسمون بالنسويات على الإسلام هو أن "القرآن الكريم والأحاديث الشريفة قد وعدت الرجال بنعيم الجنة من خمرٍ وطعام ونساء بينما يعتبر الإسلام أن من ينغمس في مثل هذه الأمور في الدنيا آثمًا. كما أن هذه النعم ستكون من نصيب الرجال فقط، أما النساء فلن ينلن منها شيئًا مهما عملن من الأعمال الصالحة في هذه الدنيا"

في الواقع فإن مثل هذه الاعتراضات ناجمة عن الجهل التام بتعاليم الإسلام الجميلة. فمن الواضح أن أعداء الإسلام يثيرون مثل هذه الاعتراضات لعدم درايتهم بتعاليم الإسلام. ومع ذلك، فإن حقيقة الأمر هي أن الكثير من المسلمين أيضًا لا يفكرون بضرورة استقاء المعرفة الدينية من القرآن الكريم والأحاديث وقد تركوا العالم المادي يسيطر على قلوبهم وعقولهم بطريقة جعلت حياتهم كلها بلا جدوى.

إنهم يتجاهلون تمامًا هدف حياتهم الحقيقي والذي هو عبادة الله تعالى، ويحاولون رؤية نِعم الآخرة الطاهرة بنفس المرآة المتسخة لحياتهم الدنيوية وهذا ما يتسبب في نشوء مثل هذه الاعتراضات في قلوبهم.

لقد وصف القرآن الكريم نعم الجنة بصورة أمثال وتشابيه، فبينما أسماء الأشياء الدنيوية المختلفة قد استخدمت بصورة وصفية، فقد تم في نفس الوقت إعلانها خالية من أي نوع من النجاسة والتأثير السلبي. وهكذا سمى القرآن الكريم أنواع المشروبات الصافية الموجودة في الجنة بأسماء وحالات تعزز الفكر والنشاط والحب الإلهي، فهي معطرة ونقية وصافية، ومن يشرب منها ينتشي بسكرٍ روحاني لا يوصف.

يقول المسيح الموعود (عليه السلام) عن حقيقة مشروبات الجنة:

"سيُعطى أهل الجنة كؤوسا من الشراب الصافي الذي سيكون مصفًّى كالماء الزلال، وسيكون ذلك الشراب خاليا من جميع العيوب، بحيث لن يتسبب في صداع ولن يصيب بإغماءٍ أو سُكْر. لن يسمعوا في الجنة أي كلام لغو وبذيء ولن يُرتكب أي أمر أثيم، بل سوف يُسمع "سلاما سلاما" من كل حدبٍ وصوب وهو علامة الرحمة والحب والفرح... يتجلى من هذه الآيات كلها أن خمر الجنة لا علاقة له بخمر الدنيا ولا يشبهها، بل يخالفها في جميع مزاياها وصفاتها، ولم يرد في أي موضع من القرآن الكريم أن ذلك الخمر سيُصنع- مثل خمور الدنيا- من العنب أو السكّر الأسود أو قشور شجر السَّمُر أو من أي مادة دنيوية.

كلا بل قد ورد في الكلام الإلهي مرارا وتكرارا أن البذرة الحقيقية لذلك الشراب هي حبُ الله تعالى ومعرفته التي يأخذها العبد المؤمن من هذا العالم. أما القول كيف سيتمثل الأمر الروحاني في صورة الشراب، فهذا سرٌّ من أسرار الله ينكشف على العارفين في المكاشفات، وإن العقلاء يتوصلون إلى حقيقته من خلال بقية الآثار والعلامات". (الكحل لعيون الآريا، الخزائن الروحانية، المجلد: 2، ص. 156-157)

وبنفس الطريقة، يصف الله تعالى في القرآن الكريم طهارة الأزواج في الجنة بقوله إنهن سيكن رفقاء أطهارًا مطهرات يختبئن في الخيام كاللؤلؤ المكنون ولم يطمثهن جن أو إنس من قبل.

والأهم من ذلك قوله تعالى: "وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ" (سورة الطور:21) أي أننا سنزوج أهل الجنة بأجمل الرفاق. إذن فالجنة ليست مجرد مكان للرفاهية والفرح بل هي مكان روحاني ثمين جدًا. وعلى الرغم من أنه قد تم تسمية نعم الجنة بمسمياتٍ دنيوية، إلا أنها تشير إلى نعمٍ روحانية غير مادية، كأن يقول رجل غني لعالم أن لديه ثروة فيشير العالم إلى مكتبته ويقول "لدي ثروة أكبر من ثروتك". وجوابه هذا لا يعني أن الكتب مليئة بالمال بل يعني أن ما لديه أكثر قيمة مما يسميه الآخرون بالثروة.

ردًا على مثل هذا الاعتراض، يقول حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) في أحد المواضع: "كل ما ورد في القرآن الحكيم من وصف للجنة إنما هو على سبيل التمثيل لا غير. فلا يصح أن نستنبط منه معانٍ بناءً على معنى هذه الكلمات في الدنيا، فحينما يقول القرآن المجيد إن للمؤمنين جنات ذات ظل ظليل، وأنهارًا جارية، ولبنا سائغا لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وعسلا مصفى من الشوائب، وخمرا نقية لا تسكر، مطهرة للقلوب.. فإنه بذلك القول يرد على المعترضين قائلا: إن الأشياء التي تعدونها متاعا وتعتزون بها هي أحط من النعم التي يتمتع بها المؤمنون في الجنة...

باختصار، فإن الحدائق والأنهار والفواكه واللبن والعسل والخمر الوارد ذكرها في القرآن الكريم تختلف كثيرًا عن حدائق وأنهار ولبن وعسل وخمر الدنيا. وقد شرح القرآن الكريم بنفسه هذه الأمور بطريقة تجعل الشك فيها بعد ذلك مجرد تعصب. وحيث أن هذه الأمثال موجودة أيضًا في الكتب السماوية السابقة، فلا يوجد في هذه الآيات ما يصعب على الناس فهمه. (التفسير الكبير، المجلد الأول، ص. 241 - 246).

علاوة على ذلك، فقد تمت تسمية نعم الآخرة هذه بمسمياتٍ دنيوية حتى يفهمها الناس وينجذبوا إليها، ذلك لأن الدين مسألة تخص كافة أنواع الناس، وبالتالي، فإن الظواهر صعبة الفهم، تتطلب شرحًا يمكن لجميع الناس من كافة المستويات فهمه والاستفادة منه. وعلى ضوء ذلك، فقد استخدم القرآن الكريم مثل هذه الكلمات لوصف نعم الآخرة، وهذا مصدر مواساة وطمأنينة لكافة أنواع الناس مع اختلاف درجاتهم ومستويات فهمهم.

وكذلك كان الكافرون يستهزئون بالمسلمين ويقولون إنهم محرومين من الملذات الدنيوية وكانوا يدّعون بأنهم يتمنون لهم نفس هذه الملذات أيضًا.

لذلك ومن أجل تقريب نعم الآخرة من الفهم فقد وصفها الله تعالى بمصطلحات دنيوية كان الكفار يعتبرونها نعيمًا وأعلن أن المؤمنين سينالون هذه النعم في الآخرة.

ومن ناحية أخرى، فقد نص القرآن الكريم والأحاديث بوضوح على أن نعم الجنة لم ترها عين من قبل، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر على قلب أحد. 

نعم، الأتقياء والصالحون فقط، الذين يعيشون في هذه الدنيا ويهجرون الملذات الدنيوية ويصلون إلى أعلى المعارج الروحية، سيتذوقون طعم هذه النعم في هذه الدنيا. وعندما يجدون النعم بأبهى صورتها أمامهم في الآخرة، سوف يهتفون: "هَذَا الذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ" (سورة البقرة: الآية 26). 

يذكر المسيح الموعود (عليه السلام) مفهوم الآخرة هذا في الكلمات التالية: "إن حقيقة الجنة الإسلامية أنها ظِل لإيمان الإنسان وأعماله في الحياة الدنيا.. وما هي بشيء جديد يتلقاه الإنسان من الخارج، بل إن جنة الإنسان تنشأ من باطن الإنسان نفسه، وأن جنة المرء إنما هي إيمانُه وأعماله الصالحة التي يبدأ في التلذذ بها في هذا العالم نفسه. فيتراءى له في باطنه الإيمانُ حدائقَ والأعمالُ أنهارًا .. ثم في الآخرة سيشاهدهما عيانا. إن كتاب الله الكريم يعلّمنا أن الإيمان الصادق الخالص الراسخ الكامل بالله وصفاته وإراداته جَنّةٌ نضرة وشجرة مثمرة، وأن الأعمال الصالحة أنهار هذه الجنة ".  (فلسفة تعاليم الإسلام، ص. 123).

والجزء الآخر من سؤالك هو لماذا وُعد الرجال بالمكافآت في الآخرة دون النساء. ينشأ هذا السؤال أيضًا نتيجة الجهل بالتعاليم الإسلامية لأنه في القرآن الكريم والأحاديث، قد تم اعتبار المؤمنين ورثةً لنعم الآخرة، وذُكر أن المؤمنات سيحصلن أيضًا على نفس المكافآت. يقول الله تعالى: "وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" (سورة النساء: 125) وبالمثل قال تعالى:

"مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ" (المؤمنون:41)

لقد شرح حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) هذه المسألة بالكلمات التالية:

"لقد قدمت الأمم الأولى بالطبع حقوقًا للرجال ولكنها لم تذكر حقوق النساء، لقد كان نبي الإسلام الكريم (صلى الله عليه وسلم) أول من علّم بأنه كما أن حقوق الرجال هي مسؤولية النساء فإن حقوق النساء هي مسؤولية الرجال "ولهنّ مثلُ الذي عليهنّ بالمعروف" وكما أن للرجل حقوقًا على المرأة، كذلك للمرأة حقوقًا كثيرة على الرجل الوفاء بها. ثم فتح سبلاً لتقدم المرأة في كافة مجالات الحياة، فأعطيت حق التملك، وتم الاهتمام بمشاعرها وعواطفها، وحصلت على حق التعلم. وأمر الإسلام بحسن تربيتها ثم أعلن أنه مثلما توجد مستويات لا حصر لها من الرقي للرجال في الجنة، كذلك هناك قدر لا حصر له من الأبواب المفتوحة للنساء في الجنة من أجل تقدمهن الروحاني." (خطبة الجمعة، بتاريخ 26/11/1937، الفضل، 04/12/1937، ص. 5)

وفي مناسبة أخرى، قال حضرته (رضي الله عنه):

"اقرأوا القرآن الكريم من أوله إلى آخره. تنطبق القواعد والمكافآت في جميع القضايا والأمور على كلٍ من الرجال والنساء دون تمييز. على سبيل المثال لو قال "الصالحون"، لقال "الصالحات" في الوقت ذاته، ولو قال: (العابدون) لقال (العابدات) في الموضع ذاته، وإذا ذكر أن "الرجال سيدخلون الجنة" فيذكر في نفس المناسبة أيضًا أن "النساء سيدخلن الجنة". وإذا فاز الرجل بدرجة عالية في الجنة جزاء مناقبه العالية، فستنال زوجته نفس المكانة بسبب زوجها حتى لو كانت أعمالها لا تؤهلها لتلك المرتبة. وبالمثل، إذا فازت المرأة بدرجة عالية في الجنة جزاء مناقبها العالية، فسينال زوجها بسببها نفس المكانة مع أن أعماله الصالحة قد تكون أقل". (خطاب بتاريخ 31/07/ 1950 والمنشور في جريدة الفضل بربوة بتاريخ 14/11/1962، ص. 4)

وقد خطبت أنا كذلك بالسيدات في العديد من الجلسات السنوية حول موضوع مسؤوليات المرأة في الإسلام وحقوقها في الدنيا والمكافآت التي ستنالها في الآخرة.  وقد خاطبت النساء في جلسة ألمانيا السنوية 2019 حول نفس الموضوع ويمكنك الاطلاع على هذه الخطب أيضًا.