الصيام في رمضان في ظل تحدي وباء كورونا



  

الصيام في رمضان في ظل تحدي وباء كورونا: وجهة نظر أخصائية تغذية

 

بفضل الله تعالى، نمر بشهر رمضان المبارك راجين الله أن يرحمنا برحمته ويرفع عنا بلاء وباء كورونا.

رمضان شهر مقدس للمسلمين في جميع أنحاء العالم. وبصفتي أخصائية تغذية، فأنا مهتمة بشكل خاص بتجربة الصيام وبالطعام الذي نستهلكه خلال الشهر الفضيل وتأثيره على أجسامنا.

أعمل في شبه القارة الهندية، وقد التقيت بمرضى من مختلف أنواع الدخل، تراوحوا من الفقراء جدًا إلى الطبقة المتوسطة المنخفضة والعالية المتوسطة، وكذلك الأثرياء. وعلى سبيل المثال، كلما نصحت الذين ينتمون إلى خلفيات فقيرة بتناول الفاكهة، والتي تعد جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي الصحي، رأيت في غالبية الأحيان الدموع في عيونهم. لذا أحاول مساعدتهم على وضع ميزانية لضبط نمط حياتهم حتى يتمكنوا من شراء الأطعمة الصحية. فعلى سبيل المثال، أعرف عاملًا يتناول علبة بسكويت في الصباح، فأقنعته أنه بدلاً من شراء البسكويت، أن يشتري تفاحة أو حبتي جوافة أو موزتين أو ثلاث موزات بنفس المال. وبهذه الطريقة، يمكنه الاستفادة من نظام غذائي صحي دون الحاجة إلى إنفاق المزيد.

في هذا المقال، سأحاول تقديم نصائح غذائية بسيطة، والتي يمكن اعتمادها من قبل  أصحاب الدخل المحدود. ومع ذلك، فإن نصيحتي دائمًا لمن يستطيعون تحمل تكاليفها أو أصحاب الدخل المرتفع، أن يجعلوا قوائم مشترياتهم بسيطة وصحية أيضًا، حيث أن الأطعمة البسيطة هي جوهر النظم الغذائية الصحية والمعززة للمناعة. ويمكن للناس أن يستفيدوا حق الاستفادة روحانيًا وجسديًا من شهر رمضان إذا ما تناولوا وجبات بسيطة وصحية في نفس الوقت.

الصيام - وفقًا للعديد من الأبحاث الجديدة - هو وسيلة طبيعية وفعالة لتقوية المناعة ومقاومة الالتهاب فأعضاء الجسم تكون قادرة على الاستراحة والتجدد بينما يقوم الجسم بالتخلص من السموم. وبالتالي، قد يتمكن الإنسان من التخلص من الأمراض التنكسية وتعزيز جهازه المناعي، طالما أنه لا يعاني من مرض كورونا، أو أي مرض آخر، حيث يحرّم القرآن الكريم الصيام على المريض.

وبصفتي خبيرة تغذية، أنصح مرضاي بأن الصيام وسيلة مفيدة للغاية ليس فقط لتحسين صحتنا الروحانية ولكن أيضًا لصحتنا الجسدية. ومع ذلك، فقد شاهدت الكثير من الناس ينتهي بهم الأمر بالإضرار بصحتهم في رمضان. ويرجع ذلك إلى عادات الأكل غير الصحية خلال هذا الشهر ولا سيما وقت الإفطار. وقد لاحظت تواجد العديد من مرضى القلب في معهد طاهر لأمراض القلب ممن يعانون من أزمات قلبية بعد عيد الفطر. وبعد مقابلتهم، استنتجت أن معظم الناس في ثقافتنا يفطرون على المشروبات الغازية ظانين أن المشروبات الغازية أو مزيج الحليب والصودا مشروباتٍ صحية.

يحب الكثيرون أيضًا تناول الأطعمة المقلية في وجبات الإفطار. في الواقع، إن أجسامنا على استعداد لامتصاص العناصر الغذائية بعد الصيام وبقاء المعدة فارغة. لذا عادة ما يقترح أطباء الطب الشعبي في شبه القارة الهندية تناول أطعمة أو أعشاب صحية عند الإفطار لأن الأطعمة الصحية توفر المزيد من العناصر الغذائية على المعدة الفارغة، في حين أن الأطعمة غير الصحية تضر الجسم أكثر عند تناولها على معدة فارغة، ومن الحكمة توخي الحذر الشديد حول ما نتناوله وقت الإفطار. وإلا فقد تضيع هذه الفرصة الذهبية التي وفرها الله لنا لتحسين صحتنا.

في رمضان، نبدأ بالسحور وهي أهم وجبة في اليوم للحفاظ على عمل أجسامنا. وقد نصحنا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بتناول السحور وقال إن فيه بركة.

ومن الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها الكثيرون، وخاصة الذين يركزون على وزنهم، تناول القليل جدًا من الطعام في هذا الوقت.

السحور، كالإفطار، مهم جدًا لتوفير الطاقة ليوم طويل من العمل والعبادة. لا يمنحنا السحور الجيد الطاقة فحسب، بل يساعدنا أيضًا على تجنب الانغماس في الطعام غير الصحي عند الإفطار. ومن خلال ضبط النفس حول خيارات الطعام على السحور والإفطار، يمكننا الحفاظ على وزن أفضل. السحور كالإفطار، يوفر ويستخدم السعرات الحرارية، وعند تناوله في وقت متأخر من الليل، يؤدي إلى زيادة الوزن وإلى مشاكل معوية ومعدية.

في وقت السحور، من الحكمة تناول رغيف أو اثنين من خبز القمح الكامل للمساعدة على توفير الطاقة ليوم طويل فهو يوفر كربوهيدرات بطيئة التحرر ويعطي طاقة بطيئة التحرر ليوم كامل من الصيام. وكذلك لزيت الزيتون والزبدة الطبيعية خصائص مضادة للفيروسات. ويمكن إضافة البصل الأخضر، أو الطماطم، والفلفل الأخضر والسبانخ لتحسين مضادات الأكسدة.

يعتبر اللبن أو المشروبات التي تحتوي على اللبن عونًا كبيرًا لإرواء عطشنا طوال اليوم. وهناك طريقة أخرى للحفاظ على رطوبة الجسم وهي تجنب المشروبات والأطعمة السكرية عند السحور. وفي ثقافتنا، هناك عادة تناول اللبن بعد إضافة الكثير من السكر إليه. بدلاً من ذلك، يمكننا رش قليل من الملح فيه (ملح البحر العضوي أو ملح الهيمالايا الوردي، وليس ملح الطعام) أو يمكن إضافة العسل كمُحلي، مما يعزز المناعة.

وتعد إضافة بذور الشيا طريقة أخرى للحفاظ على رطوبة الجسم. كما أن تلبينة الشعير مع الحليب والماء والعسل خيار ممتاز (وقد كانت من الأطعمة المفضلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوصى بها كدواء لكل داء).

عادة ما نأكل التمر على الإفطار امتثالًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أن تناول تمرتين إلى ثلاثة تمرات على السحور يساعد على إبقائنا نشيطين طوال اليوم والحفاظ على قوة نظامنا المناعي فالتمر مصدر جيد للكربوهيدرات، وهو يحتوي أيضًا على كميات جيدة من المغنيسيوم وفيتامين B6 والحديد والمنغنيز والنحاس التي تساعد على مقاومة الالتهابات. ويُنصح من لديهم عادة شرب الشاي أو القهوة بالقيام بذلك على السحور.

ومن غير المستحسن الإفراط في النوم أثناء النهار، بل يجب أن يكون يومنا مثمرًا وحيويًا. وفي الوقت نفسه، يجب أن نحاول أيضًا الحفاظ على طاقتنا من خلال تجنب المزيد من الأنشطة المجهدة جسديًا، وتجنب التعرق الزائد. فعندما يسألني المرضى عن ممارسة الرياضة أثناء الصيام، أقول لهم إنه من الجيد دائمًا المشي لمدة خمسة عشر إلى ثلاثين دقيقة بعد تحضير الإفطار. وأثناء المشي، يمكن للمرء أيضًا الاستفادة من الوقت قبل الإفطار في الصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى جانب قراءة العديد من الأدعية الأخرى. فهذا هو الوقت الأنسب للذهاب في نزهة حتى لا نفقد طاقتنا.

كما ذكرت سابقًا، فإن تناول الأطعمة الصحية وتجنب الأطعمة غير الصحية أمر بالغ الأهمية لجهاز المناعة وما أقترحه هو أن يفطر المرء على التمر أو الماء كما علمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. ثم يتناول بعض الفاكهة، ربما على شكل سلطة فواكه. ويمكن أيضًا تناول الفاكهة مثل البطيخ والشمام وما شابه. وهناك خيار آخر وهو تناول سلطة الحمص مع البصل والطماطم والخيار والكرفس مع الليمون أو التمر الهندي فجميعها مصادر جيدة لفيتامين سي ومضادات الأكسدة.

كما يمكن تحضير العصير الطازج أو كوكتيل الفراولة أو غيرها من الفاكهة في المنزل ويجب استخدام العسل بدلاً من السكر. ويمكن صنع مزيج بسيط من العسل والماء، وهو مشروب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المفضل. ويمكن أيضًا تناول مرق العظام أو أي حساء مع التوابل التي تقوي المناعة. فتناول أي من الخيارات المذكورة أعلاه مع مشروب صحي جيد يكفي لجهازنا الهضمي للاستعداد لتناول العشاء. ومن سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكل الفاكهة قبل الوجبات بدلاً من تناول الفاكهة كحلوى بعد الوجبات كما نفعل عادة. فتناول الفاكهة قبل الوجبات يساعد على إفراز إنزيمات الجهاز الهضمي ويساعد في هضم الطعام. كما أن زيادة الشبع يساعد في إنقاص الوزن.

بعد الإفطار البسيط، تساعد الفترة الممتدة من 15 إلى 20 دقيقة المخصصة للصلاة في تجهيز الجهاز الهضمي لتناول وجبة بعد فترة طويلة من الصيام. وبعد الصلاة، ينبغي للمرء أن يتناول عشاء بسيط. تذكروا أن الأطعمة البسيطة يتم هضمها بشكل أفضل وتعزز المناعة. ولا ينبغي تناول العشاء في وقت متأخر حيث تبدأ إنزيمات الجهاز الهضمي في التقلص. ويمكن تحضير الطعام بزيت جوز الهند أو الزبدة الطبيعية فلهما خصائص مضادة للفيروسات والفطريات والبكتيريا. ويوصى باستخدام الكركم الحار خاصة خلال هذه الفترة من وباء كورونا، كما أن الصلصة الخضراء المعدة منزليًا من الكزبرة والنعناع تساعد على الهضم. وتناول البصل أو الزنجبيل أو الثوم أو الفلفل الحار أو الفلفل الأخضر يقوي أيضًا جهاز الهضم والجهاز المناعي. وبعد العشاء، يمكن تناول الشاي الأخضر واليانسون والقرفة والقرنفل الأسود وشاي الهيل الأخضر. وإذا كان تناول الشاي الأخضر يسبب لكم الأرق، فإن شاي البابونج أو شاي الليمون يعد خيارًا جيدًا لإرخاء الجسم.

لذا، فإن القليل من الاهتمام بخيارات نظامنا الغذائي ونمط حياتنا يمكن أن يحافظ على توازن أجسامنا. ذات مرة، ذكر الخليفة الرابع للجماعة الإسلامية الأحمدية حضرة ميرزا طاهر أحمد (رحمه الله) أن الفيروسات والبكتيريا لا تسيطر على الجسم إلا عندما يكون هناك خلل في توازن أجسامنا.

أدعو الله أن يرحم البشرية جمعاء، ويرفع الوباء ويعافي المرضى، آمين.