خليفتنا في البيت: قمة التواضع



 خليفتنا في البيت: قمة التواضع

ما من أحد ينكر أن الأسرة يمكن أن تؤثر في كثير من الأحيان على علاقتك بالدين، لا سيما حين تنشأ في أسرة متدينة. 

كطفل، يمكن أن تؤثر كيفية رؤيتك لأقاربك المتدينين على الطريقة التي تنظر بها إلى الدين نفسه - إما للأفضل أو للأسوأ، وعندما نتقدم في العمر ونفهم الإسلام، يمكننا أن نميز الفرق بين أفعال المسلمين وتعاليم الإسلام الأصيلة. ونتيجة لذلك، قد نسعى لنصبح أفضل من الذين سبقونا.

على أية حال، كبرتُ وأنا أشاهد شخصًا أدركت بسرعة أنه يتبع الإسلام بصدق وإخلاص... إنه: حضرة ميرزا ​​مسرور أحمد، الخليفة الخامس للجماعة الإسلامية الأحمدية (أيده الله تعالى بنصره العزيز)، والذي يكون جدي.

 طوال حياتي وأنا على يقين من صدقه ونزاهته.. وأنا لا أقول هذا باندفاع، فأنا أؤمن بأنه لا يوجد مقياس أفضل لمعرفة شخصية الإنسان من رؤية الطريقة التي يتصرف بها عندما لا يكون هناك من يراقبه، وعندما لا يكون هناك سبب للاعتقاد بأن ما يقوله أو يفعله سيتم تسجيله أو حتى تذكره. ولكن لطالما كان أمير المؤمنين أسوة لا تنسى بالنسبة لي.

 أنا لا أتحدث عن الأحداث الكثيرة المتسمة بالعظمة أو المجد، ولكن عن لحظات التواضع والرفق والحنان، حيث يمكن رؤية شخصية الإنسان الحقيقية. وهذه هي اللحظات التي أعرفها حق المعرفة.

تواضع أمير المؤمنين - كما هو حال التواضع الحقيقي - صامت... فهو يصمت عندما يمسح شيئًا عن الأرض لم يره أحد أو لم يكلف أحد نفسه عناء تنظيفه.  ويصمت عندما يغسل الفواكه التي تصل إلى الباب قبل أن يدرك ذلك أحد. ويصمت عندما يقطف الخضار من الحديقة أو يرفع الأكياس الثقيلة، أو يفرغ المكنسة الكهربائية.

لقد حفظت خطواته واستمعت لصمته - حيث لا تصدر منه كلمة واحدة، بل  الصبر فقط.

 لكن أمير المؤمنين يتحدث عن الظلم. ويتحدث عندما يقول شخص ما كلمة غير لطيفة. ويتحدث بقوة عندما تقسو بعض الدول على مواطنيها. ويتحدث عن معاناة الأحمديين في جميع أنحاء العالم. ليس فقط في خطب الجمعة، لكنه يذكر ذلك كثيرًا على مائدة العشاء. هذا أمرٌ دائم الحدوث. ومع ذلك، فهو لا يشكو أبدًا من أية معاناة شخصية، كبيرة كانت أو بسيطة. أسأله كيف حاله؟ فيبتسم ويقول: الحمد لله.

لقد شكّل لطف أمير المؤمنين حياتي، وأنا ممتنة لإتاحة الفرصة لي لقول هذا علانية.  قد يفاجأ بعض الذين قرأوا مدوناتي الأخرى، أنني عندما كنت مراهقة صغيرة، كنت خجولة جدًا بشأن كتاباتي، وخاصة شعري.

لقد اكتشف أمير المؤمنين وكذلك جدتي ذلك وشجعاني على مشاركة شعري معهما، وهو ما فعلته مبدئيًا. فبتشجيعٍ منهما، شاركتهما قصيدة ثانية وثالثة. وفي القصيدة الرابعة، أخذ أمير المؤمنين قصيدتي وبدأ بقراءتها بصوت عال. في ذلك اليوم، اختبأت تحت طاولة الطعام لمدة خمس دقائق إلى أن خفّ حرجي. وبمجرد خروجي من تحت الطاولة، شعرت أن خجلي بدأ يهدأ.

 شجعني أمير المؤمنين على إعطاء قصائدي للجنة إماء الله لنشرها وذلك من أجل تمكين الفتيات الأخريات ممن في مثل سني. لذلك، بدأت في الكتابة ومشاركة المزيد.  بعد جلسة واحدة، ألهمتني أسوة أمير المؤمنين كثيرًا لدرجة أنني كتبت قصيدة عنه وبعد أن أعطيته إياها هربت. وفي وقت لاحق، أخبرني ببساطة أنه لا يعرف ماذا يقول. لن أنشر هذه القصيدة ليس فقط لأنني سأموت حقًا من الإحراج، ولكن أيضًا لأن أمير المؤمنين لم يشجعني أبدًا على مشاركتها مع الآخرين. لا أعتقد أن هذا ما يريده، فأمير المؤمنين لا يسعى للثناء، مما يجعله يستحق الثناء أكثر. إن الأشياء التي تُركت دون أن تُقال هي التي غالبًا ما تحتاج إلى قولها أكثر من غيرها.

هناك أمثلة كثيرة أخرى على رفق أمير المؤمنين وقد تناثرت طوال حياتي...

عندما تساقطت الثلوج في الشتاء الماضي، توقفت عن بناء رجل الثلج لأن قفازيّ كانا بدون أصابع مما جعل يداي باردتان جدًا. لاحظ أمير المؤمنين أنني توقفت فأعطاني قفازيه. وعندما كان عمري 11 عامًا، أردت حقًا، لسبب ما، أن ألعب الشطرنج مع أمير المؤمنين. لقد عاد تلك الليلة من مكتبه حوالي الساعة الـ 11:30 قبيل منتصف الليل، وفي ذلك العمر، أعتقد أنني كنت أفتقر إلى الحس فلم أفكر بأنه قد يكون متعبًا من العمل لوقتٍ متأخر. 

أنا أدرك هذا الآن عند النظر إلى الوراء، لكن في ذلك الوقت، لم يقل أمير المؤمنين أبدًا كلمة واحدة تجعلني أشعر وكأنني سخيفة أو أن الوقت لم يكن مناسبًا.. لقد لعب معي ببساطة، وأخبرني أنني تحسنت في لعبة الشطرنج. 

عندما يكون المزاج في حالٍ سيء، وينشغل الجميع بمتاعبه، فإن روح الدعابة لدى حضرته تنير الغرفة دائمًا... هناك أوقات شعرت فيها بالحزن يتسلل إلي، لكن سلوك أمير المؤمنين المبهج أعادني إلى الواقع.

ولعل الأمر الأهم هو أنني تعلمت الكثير من أمير المؤمنين. لقد علمني أنه، على سبيل المثال، عندما يقع مقبض الخزانة فعلى الإنسان الاعتماد على نفسه لإصلاحه، بدلاً من طلب المساعدة الخارجية.

وعلى الرغم من أن العشاء ليس بالضرورة أفضل وقت لمناقشة الأمور الدينية، إلا أن حضرته يجيب دائمًا على أسئلتي حول الإسلام بوضوح وتفصيل. وهو من علمني كيف أصلي.

عندما أسمع صلاة أمير المؤمنين، أشعر بقلبي يصبح ثقيلًا وخفيفًا في نفس الوقت.  ثقيلًا.. بسبب فهمي البسيط للمسؤوليات التي يضطلع بها.  وخفيفًا لأن الله اختار هذا الإنسان ليكون خليفتنا.