قطع الأيدي



 

لفهم تعاليم القرآن الكريم التي تتعلق بقطع الأيدي من المهم أولاً استيعاب فلسفة العقوبة في الإسلام: بحسب ما جاء في القرآن الكريم، يوجد أربعة أنواع من الرذائل وهي: الزنا والقذف والقتل، بالإضافة للسرقة.

بما أن الإسلام دينٌ قائمٌ على الحكمة فهو يسعى لاجتثاث تلك الرذائل التي تهدد أخلاق المجتمع كما أنه يسلط الضوء على قدسية حياة وممتلكات وشرف كل فرد من أفراد المجتمع لذلك يضع المجتمع الإسلامي مكانة مقدسةً خاصة بحياة وممتلكات وشرف الناس بالإضافة لمنحهم الحماية الكاملة:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"

إن تحدثنا عن الزاني على سبيل المثال فإن العقوبة التي تُطَبّق عليه تكون بغية المحافظة على قدسية العائلة، وينطبق الأمر نفسه على السارق الذي يسعى عمدًا إلى إلحاق الضرر بالآخرين فيُعاقب بعقوبة قاسية من أجل إثبات وجوب حماية ممتلكات الإنسان. أما القاذف فعقوبته تكون بسبب تدميره سمعة شخص آخر، والقاتل يُعاقب على ارتكابه جريمة لا تنتهك قدسية الحياة فحسب، بل تدمر كل النظام الاجتماعي بكل ما تملكه الكلمة من معنى.

من المهم ملاحظة أن الإسلام لا يعاقب بدون سبب بل تُطبق العقوبة فقط بعد الأخذ بعين الاعتبار الكثير من الظروف، ويجب استيفاء الشروط الصارمة قبل تطبيق أي عقوبة بالإضافة إلى التركيز الكبير على الالتزام بالعدالة المطلقة، كما هو واضح في الآية القرآنية أدناه:

"وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"

أما بالنسبة للفقير الذي يسرق ليسد رمقه فلن يُعاقَب كالذي يسرق عمدًا لإشباع جشعه، وحتى أن الإسلام يعفو عن أي فعل ناتج عن جهل أو عدم دراية أو عدم قصد في تخطي الحدود، ولهذا فإن الإسلام لا يعاقب لأجل العقاب بحد ذاته بل هو يرجو في نهاية المطاف أن يتفادى الإنسان أخطاءه.

إن الغاية من كون بعض العقوبات قاسية هي لردع الآخرين من ارتكاب الأمر ذاته كي لا تنتشر الرذيلة في المجتمع وبالتالي يكون دور العقوبة بمثابة أداة لتقويم المجتمع وأفراده.

يشرح حضرة ميرزا طاهر أحمد رحمه الله مصطلح "قطعّن أيديهنّ" بأنه "يمكن ترجمته حرفيًا إلى "تقطيع الأيدي" ولكن لا يجب تفسيره حرفيًا لأنه استُعملَ في موضع آخر في القرآن الكريم حيث كان يحمل معنى آخرًا كما وتم استعمال هذا المصطلح في سورة "يوسف" حين حاولت زُليخة -زوجة عزيز مصر- إغراء يوسف عليه السلام فأقنعت بعض نساء البلاط بمساعدتها في وضع خطة سرية للإيقاع بسيدنا يوسف عليه السلام، وذُكر عن هؤلاء النساء أنهن حين رأين جمال سيدنا يوسف عليه السلام قد قطعن أيديهن، فيمكن أن يكون المعنى إما أنهن اندهشن من مظهره الفاتن حتى أن بعضهن قطعن أيديهن بالسكاكين اللواتي بحوزتهن أو يمكن أن يؤخذ المعنى مجازيًا للدلالة على أنهن كنّ بحالة من الدهشة والتعجب".

"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم"

في بدايات الإسلام، وعلى الرغم من أن قطع الأيدي كان عقوبةً مشرعةً للسرقة لكن حالات السرقة الفعلية كانت نادرة وكان الفضل يعود لشدة العقوبة التي أصبحت رادعًا قويًا.

عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن امرأةً من عائلةٍ نبيلةٍ سرقت فأهمّ أهل قريش شأنها فقالوا‏:‏ من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقالوا‏:‏ من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "أتشفع في حد من حدود الله تعالى‏؟‏‏!‏" ثم قام فاختطب ثم قال‏:‏ "إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد‏!‏ وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"

وقد شرح حضرة الخليفة الرابع رحمه الله هذا الأمر في جلسة للأسئلة والأجوبة في نيجيريا عام 1988 وقال: "يوفر الإسلام لكل شخص في المجتمع الإسلامي الحد الأدنى لمتطلبات الرزق، والدولة مسؤولة عن تلبية هذه الاحتياجات وبالتالي لا يوجد أي مبرر للسرقة. كما أن الله قد أعطانا اليدين لكسب العيش. ولكن إذا استعملنا هذه الأيدي لتدمير العجلة الاقتصادية عوضًا عن المساهمة في بناء الاقتصاد، فبهذه الحالة لن يبقى أي داعٍ لوجود هذه الأيدي. كما تُدمّر العجلة الاقتصادية عندما يحاول بعض الناس اختصار الطريق من خلال أعمال السرقة التي هي عكس العملية الاقتصادية تمامًا، وبالتالي لن تعود اليد مطلوبة وهذا هو مغزى الأمر المنبثق عن "قطع أيدي".

في الحالات المتقدمة، عندما يتعين معاقبة مجرم بهذه الطريقة فسيرى الجميع أن مخلوقًا من مخلوقات الله.. إنسانًا حباه الله بوسائل كسب الرزق وضمن له الإسلام أنه حتى لو لم يجد وظيفة لكسب رزقه، فستكون الدولة الإسلامية مسؤولة عن ذلك، ولكنه رغم كل هذا اختار عدم استعمال يده للغرض الذي خُلقت من أجله، وبالتالي فيجب قطع هذه اليد كي يكون عبرة للآخرين".

لذا يتضح أن الإسلام يلجأ للعقوبة كحلّ أخير فقط بغية إصلاح الفرد وإذا كان العفو سيحدث التغيير فسيتم تطبيقه وفقًا لذلك؛ وعلى الرغم من ذلك إن لم تُطبق وسائل الردع الشديدة بما تقتضيه الحاجة في الأمور الإجرامية فسيؤدي ذلك في النهاية للمعاناة والفتنة في المجتمع.