الجن



  

كتب أحدهم إلى حضرة أمير المؤمنين، خليفة المسيح الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز) أنه في مقابلة نشرت في مجلة طارق، طُرحت وجهة نظر حضرة خليفة المسيح الرابع رحمه الله بأن الجن ]الشبحي[موجود بالفعل، على عكس وجهة نظر حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه. وقال كاتب الرسالة إن هذا قد أثار بعض مزاعم المعارضين وسأل كيف يمكن الرد عليها؟

فردّ حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) برسالة مؤرخة في 18/03/2021 بالآتي:

وردت كلمة الجن مرارًا في القرآن الكريم والأحاديث. وهي تعني الشيء الذي يبقى مخفيًا بسبب شكله أو سلوكه. فتأخذ الكلمة دلالات عديدة حسب تغير الحال أو تُصرَّف بطرق أخرى. ومع ذلك، فإن مفهوم الاختفاء والغموض مشترك في جميع هذه الدلالات.

الكلمات التالية، على سبيل المثال، المشتقة من الجذر "جنّ"، تحمل الدلالة المذكورة أعلاه:

• الفعل "جَنَّ" على سبيل المثال يعني "ألقى ظلاله" أو "أظلم".

• الجنين: الولد ما دام في رحم أمه.

• الجنون: زوال العقل.

• الجِنَان: القلب، وما خفي في الصدر.

• الجنة هي الحديقة، الظل الكثيف للأشجار الذي يغطي التربة.

• الـمجَنَّة: الدرع، ترس المحارب.

• الجَانّ: الثعابين التي تعيش مختبئة في الأرض.

• الجنن: القبر.

• الجُنّة: الغطاء الذي يغطي الرأس والجسد.       

وفضلاً عن ذلك، فإن كلمة "جن" تُستعمل أيضًا للإشارة إلى المحجبات. كما أنها تستخدم بحق الزعماء والأشخاص البارزين الذين لا يختلطون بالعامة. ويتم استخدامها أيضًا بحق شعوب الدول التي تعيش في مناطق نائية جغرافيًا ومعزولة عن بقية العالم.

"وبالمثل، تُستخدم كلمة "جن" أيضًا للإشارة إلى الحيوانات الليلية التي تبقى في الظلام والحشرات الصغيرة جدًا أو الكائنات الحية الدقيقة مثل الجراثيم وما إلى ذلك. ولهذا السبب أوعز النبي بضرورة تغطية أواني الطعام ليلًا. كما نهى عن استعمال العظام للاستنجاء بعد التغوط وقال إنها طعام الجن أي النمل والنمل الأبيض والبكتريا.

وعلاوة على ذلك، تستخدم كلمة الجن أيضًا للإشارة إلى الأرواح الشريرة المخفية، أي الشياطين، وللأرواح الطيبة الخفية أي الملائكة.

يقول القرآن الكريم:

"مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ" (الجن:12)

في أدبيات الجماعة، ولا سيما في كتابات وخطب المسيح الموعود عليه السلام والخلفاء، عادة ما تستخدم كلمة الجن بهذا المعنى. فجميع خطبهم تنفي المفاهيم والأفكار الشعبية عن الجن التي تصورهم على أنهم يسيطرون على الناس، ويتلبسون النساء، ويعذبون الناس أو يضعون أنفسهم تحت سيطرة الناس الذين يأمرونهم بعد ذلك بجلب الأشياء التي يرغبون فيها. مثل هذا النوع من الجن هو من صنع عقول المؤمنين بالخرافات فقط ولا تقبل العقيدة الإسلامية ذلك.

أثناء رده على سؤال حول وجود الجن، قال المسيح الموعود عليه السلام:

"نؤمن بهم ولكن ليس لدينا علم بهم. وما حاجتنا للجِن أصلا في عبادتنا وحياتنا الاجتماعية وتمدُّننا وسياستنا وغيرها من الأمور؟ نِعم ما قال رسول الله : "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ". إن عمر الإنسان قصير والسفر شاق وطويل فليستعد المرء ليأخذ الزاد له. الانهماك في أمور سخيفة ولاغية مستبعد عن المؤمن. تصالحوا مع الله وعليه توكّلوا فلا أقدر ولا أقوى منه". (الملفوظات، الجزء الثالث، ص. 403، طبعة 2016).

كما رفض حضرة خليفة المسيح الأول (رضي الله عنه) الجن الخرافي هذا وقال:

"كان يعيش هنا ولد اسمه عبد العلي. وكان والده يزعم بأنه قادر على استدعاء الجن. كثيرًا ما كان يبقى معي لكنه لم يتمكن أبدًا من استدعاء الجن أمامي". (مرقاة اليقين في حياة نور الدين، ص. 249، طبعة فبراير 2002).

كما أوضح حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) في كتاباته المختلفة وخطبه وخطاباته قضية الجن من زوايا مختلفة وبتفصيل كبير في ضوء تعاليم القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم ودحض بشدة وجود مثل هذا الجن الذي لا يوجد إلا في أذهان الناس، والذي يعتقد البعض أنه يتلبس الناس أو يسيطر عليهم ويتحكم بهم كما يحلو له. وردًا على سؤال عن الجن قال حضرته:

"أؤمن بوجود الجن، لكنني لا أؤمن بأنهم يتلبسون الناس أو أنهم يجلبون لهم الفاكهة. فكما أن الملائكة لا يتلبسون البشر، فالجن لا يتلبسونهم أيضًا. وكما تلتقي الملائكة بالبشر، كذلك يفعل الجن، ولكن بقدر ما يسمح به كيانهم الطبيعي فقط.

أما تعاليم النبي ، فأنا أؤمن بأنها للبشر وللجن والإيمان بها من قبل الجن ضروري. كما يتعين [على الجميع] العمل بالوحي الذي نزل عليه. ومع ذلك، فإن إيماني هذا دفعني أيضًا إلى الإيمان بأن الجن لا يتلبسون الناس ولا يمكنهم جلب أي فاكهة لهم.

ينص القرآن الكريم على أن من واجب المؤمنين بالرسول نصره ومساندته. فإذا كان للجن القدرة على مساعدة أو نصرة البشر، فلماذا لم يتلبسوا أبا جهل وغيره؟ فالقيام بذلك لم يكن ليتطلب منهم تقديم أية تضحيات.

يقول البعض بأن الجن يجلب الحلوى وغيرها للناس، لكنني لا أؤمن بمثل هذا الجن الذين يجلب الحلويات لهذا أو ذاك، لكن للنبي الأكرم الذي من الواجب الإيمان به والذي جاء إليه نفرٌ من الجن ليعلنوا إيمانهم به، والذي كان في بعض الأحيان، يتضور جوعا لمدة ثلاثة أيام متتالية، لم يجلبوا له ولا حتى كسرة خبز. فلو لم يكن من واجبهم الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) رسولًا لله، لربما وضعنا قدرتهم أو عدم قدرتهم على إيذاء الناس موضع شك، ولكننا الآن على يقين بأنهم لا يستطيعون القيام بذلك.

أما فيما يتعلق بتلبس الجن للنساء فهذه كلها أمراض وخرافات وظواهر طبيعية. فمثلاً الفوسفور يضيء ليلاً، وغالبا ما يُرى في المقابر لأن الفوسفور يخرج من العظام فيضيء، لكن الناس ينسبونه إلى الجن". (الفضل، قاديان، العدد 82، المجلد 8، 2 مايو 1921، ص. 7)

وبالمثل، في إحدى خطبه المنشورة بعنوان "فضل القرآن"، سلط حضرته الضوء على جانب آخر من جوانب الجن فقال:

"يقول بعض الناس إن الجن الذين آمنوا بالنبي وبموسى وسليمان (عليهما السلام) لم يكونوا بشرًا. ولكن يجب النظر فيما إذا كان القرآن الكريم يعترف بهذا التفسير. فإذا كانت هذه استعارة، فمن المؤكد أن القرآن الكريم قد أوضحها في آية أخرى. وإذا لم نأخذها على أنها استعارة، فسيحصل تعارض بين آيتين من القرآن الكريم مما يؤدي إلى التناقض فيه.

وهكذا علينا أن نرى ما إذا كان سينشأ تناقض في القرآن الكريم من خلال رفض المعنى بأنه استعارة أو قبوله كما هو. فالذين لا يعتبرونه استعارة يقولون أنها مثل كلمة "شيطان" المستخدمة [في القرآن]. فكما أن الشيطان مخلوق منفصل عن البشر فكذلك الجن مخلوقات منفصلة عن البشر. ومع ذلك، يتفق المفسرون بالإجماع فيما يتعلق بـ "وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ" (البقرة: الآية 15) [أي عندما يكونون وحدهم مع زعماء الشر] وكلمة الشياطين هنا تشير إلى اليهود وزعمائهم البارزين. وبالتالي، فإذا كان من الممكن للبشر أن يكونوا شياطين، فلماذا لا يكونون جنًا؟

وكذلك قال الله تعالى:

"وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِن يُوحِيْ بَعْضُهُمْ إِلٰى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوْرًا" [الأنعام: الآية 113].

هنا ذكر الله تعالى بوضوح أن البشر يمكن أن يكونوا شياطين أيضًا. فإذا كان من الممكن أن يكون هناك شياطين من البشر فلماذا لا يوجد جن من البشر؟ أي مثلما يمكن أن يكون هناك بشر يشار إليهم باسم الشيطان، كذلك يمكن أن يكون هناك أيضًا بشر يشار إليهم بالجن. ومن ثم، يمكننا أن نستنتج من القرآن وحده أن حضرة سليمان لم يأمر الجن فحسب، بل كان هناك أيضًا جن أعلنوا إيمانهم بحضرة موسى والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم." (فضل القرآن، رقم 6، ص 387، 388).

وبالمثل، بعد مناقشة مستفيضة لموضوع الجن في التفسير الكبير، قال حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه):

"إن كلمة "الجن" قد وردت في القرآن الكريم في عدة معانٍ منها:

1 - كل كائن خفي غير مرئي لأعيننا من قبيل الشيطان. هذه الكائنات الخفية تحض البشر على الشر كما تحث الملائكةُ على الخير، ولكن تأثير الملائكة يكون واسعًا، بينما يكون تأثير هذه الكائنات ضيق النطاق .. بمعنى أنها إنما تتغلب فقط على أولئك البشر الذين يميلون برغبتهم إلى الأفكار الشريرة. وقد تسمَّى هذه الكائنات شياطين أيضًا.

2 - سكان الكهوف: أي أولئك البشر الذين عاشوا ما قبل صلاحية الإنسان لتلقي الوحي، والذين كانوا يقيمون تحت الأرض في المغارات والكهوف، وما كانوا ملتزمين بأي نظام أو قانون. ولكن القرآن الكريم توسّع في هذا الاستخدام فاخترع اصطلاحًا جديدًا، حيث أطلق كلمة "الإنسان" على من يميل إلى الطاعة والانقياد من البشر، وكلمةَ "الجن" على البشر الذين طبعائهم نارية ثائرة، فلا يخضعون للنظام والقانون.

3- سكان المناطق الشمالية الغربية مثل أوروبا وغيرها الذين كانوا شبه منعزلين عن أهل الجنوب من آسيا وغيرها، وكان من المقدر لهم أن يحققوا ازدهارًا ماديًّا مدهشًا، وأن يتمردوا على الدين بشكل محير. وقد ذكرتهم سورةُ "الرحمن".

4- الأجانب من أهل الشعوب والأديان الأخرى الذين اعتبرهم البعض- مثل الهندوس واليهود - كائنات غريبة. وبحسب هذا الاعتقاد السائد لدى هؤلاء قد أطلق عليهم القرآنُ هذه التسمية، كمثل الجن الذين عملوا لسليمان - عليه السلام -، أو الذين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.

وعندي أن الجن الذين ورد عنهم أنهم يدخلون النار فإنهم أصحاب الطبائع النارية من البشر أنفسهم الذين لا يخضعون للنظام والقانون، ولا يقبلون أي شرع أو دين. وأما الناس الذين ورد عنهم أنهم يدخلون النار فإنهم أولئك الكفار الذين يكونون منتمين إلى دين من الأديان. أو المراد من "الجن" هنا سكانُ المناطق الشمالية الغربية، وأما "الإنس" فهم أهل الجنوب والشرق، مثلما كان هؤلاء معروفين بهذه الأسماء.

وقبل إنهاء تعليقي هذا أود أن أضيف أن كثيرًا من الأسلاف يتفقون معي - على الأقل - في أنه لا وجود للجن الذين يمكن أن يقابلوا الناس ويركبوهم ويعطّلوا عقولهم ويسخّروهم في بعض الأعمال، كما تزعم العامة. فقد كتب العلامة أبو حيان: "قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم، كما تقول العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة. قال: وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه." (البحر المحيط، سورة الحِجر، قوله تعالى: إلا عبادَك منهم المخلَصين).

ولو قيل: إن بعضا من الأسلاف قد ذكروا رؤية الجن، فالجواب أن ما رأوه كان من قبيل الكشوف التي تعني رؤية بعض المشاهد في عالم المجاز والتمثيل، وهذا ليس بأمر مستبعَد. ولكن لما حكى هؤلاء كشوفَهم للناس اعتبر العامة منهم هذه الكائنات التمثيلية كائنات حقيقية، مغترّين بما كان شائعًا بينهم من عقائد خاطئة عن الجن، وكذلك بسبب ورود هذه الكلمة في القرآن الكريم.

وأما عن خبرتي الشخصية فقد تلقيت في مختلف الأوقات كثيرًا من الرسائل التي قال لي أصحابها إن الجن يقتحمون بيوتهم ويعيثون فيها الفساد. وفي كل مرة اقترحتُ على صاحب الرسالة أنني مستعد أن آتي إليك لتحري الأحوال بنفسى وعلى مسئوليتي ونفقتي، ولكنني استلمتُ في كل مرة جوابًا واحدًا بأن الجن قد توقفوا الآن عن مداهمة البيت، أو أنهم قد هربوا من البيت ببركة رسالتِك أو رسولِك الذي أتى بها.

وعندي أن ما رأوه كان من قبيل أعراض بعض الأمراض العصبية التي كانوا مصابين بها، وبما أنهم اطمأنوا بمجيء رسالتي أو رسولي فلذلك زالت عنهم الحالة العصبية الطارئة.

وبعد قولي هذا لو مر أحد باختبار مع هذا الكائن فليخبرني فإني لا أزال جاهزًا لتحري الحقيقة على نفقتي الخاصة.

غير أن ما فهمتُ بناء على كثير من الأدلة القرآنية هو أن عقيدة عامة الناس عن الجن التي تقول بأنهم يتصلون بالبشر ويعملون لهم المستحيل فهي ليست إلا ضربًا من الوهم، أو من قبيل شعوذة بعض السحرة، التي لا يستطيع العامة أن يعرفوا مصدرها، فيعزونها إلى الجن. إنني ملمٌّ بهذا العلم وأعرف الكثير من الحيل التي يلجأ إليها هؤلاء المشعوذون.(التفسير الكبير (بالأردية)، المجلد 4، ص. 69-70).

علاوة على ذلك، فإن حضرة خليفة المسيح الرابع رحمه الله تعالى، ردًا على أسئلة حول الجن خلال جلسات الأسئلة والأجوبة، ذكر دائمًا أنه لم يرد في القرآن والأحاديث ذكر مثل هذا الجن الموجود في عقول الشيوخ والذي يستطيع، بناءً على طلبهم، التقاط شخص وإحضاره أمامهم في غضون ليلة واحدة. ومن ثم، يذكر حضرته في كتابه العظيم: "الوحي، العقلانية، المعرفة والحق":

"فليستعد القارئ الآن لأن يبدأ القيام برحلة إلى الماضي السحيق على أجنحة الخيال العلمي للكشف عن طبيعة وشخصية الجن. وقد سبق أن تطرقنا باختصار إلى موضوع فكرة القرآن عن الجن.. وهي تدل حرفيا على كل شيء يتصف بصفة الخفاء أو الاختفاء، أو الانعزال، أو البعد، كما يدل أيضا على الأطياف القاتمة والظلال المعتمة. ولهذا استعمل القرآن لفظ "جنة" التي تعني حديقة كثيفة الأشجار.. للتعبير عن فردوس الآخرة، وذلك لأن كثافة أشجار الحديقة تخفي الأرض وتلقي عليها ظلالا كثيفة.

كذلك فإن نفس اللفظ يُطلق على النساء اللواتي ينعزلن في خدورهن عن مخالطة الناس، وأيضا تنطبق على القادة وعِلْية القوم الذين يُفضلون الانعزال عن عامة الناس. كذلك فإن اللفظ يُطلق أيضا على سكان الجبال الوعرة التي يصعب الوصول إليها، لانعزالهم عن المجتمع البشري العادي. وعلى هذا.. فإن كل ما يظل بعيدا عن أعين الناس عامة والنطاق المباشر لرؤية العين المجردة يمكن أن يُطلق عليه لفظ الجن.

ويؤيد هذا المعنى أيضا حديث شريف للرسول - صلى الله عليه وسلم - ينصح فيه الناس بعدم الاستنجاء بكتلة من الرَوَث أو بعظام الحيوان الميت حيث إنها طعام الجن. وكما أننا نستخدم الآن "أوراق التواليت".. كان الناس في القديم يستعملون كتلة من الأرض، أو بعض الأحجار، أو أي شيء جاف يكون في متناول اليد لتنظيف أنفسهم. ومن هنا يمكن استنباط أن ما كان يعنيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلفظ الجن لم يكن سوى الكائنات غير المرئية التي تتغذى على الرَوَث، وعلى العظام العفنة، وما شابه ذلك. ولنتذكر أن فكرة البكتريا والفيروسات وغيرها لم تكن موجودة عندئذ، ولم يكن لدى أحد أدنى تصور عن وجود كائنات متناهية في الصغر لا تستطيع العين المجردة أن تراها. ومما يثير العجب حقا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعني هذه الكائنات الدقيقة غير المرئية باستخدام لفظ الجن، فليس في اللغة العربية لفظ يصلح لوصف تلك الكائنات أفضل من لفظ الجن.

(الوحي، العقلانية، المعرفة والحق ص. 363 - 364).

وردًا على سؤال حول ماهية مفهوم الجن في الإسلام، وما هو الدليل عليه في القرآن والحديث، وإذا كان هناك أي حدث في حياة النبي الكريم يثبت وجود الجن أم ما إذا كانت فكرة سيطرة الجن على الناس صحيحة أم لا، قال حضرته (مازحا):

"لقد تحدثت بإسهاب عن الجن ولكن هؤلاء الجن كارثة لدرجة أنهم لا يتركون أحدًا بمفرده. فأي تجمع أو بلد يذهب إليه الإنسان، سيأتي هناك جني بالتأكيد، أي أن مسألة الجن ستطرح دائمًا. لقد أجبت على هذا السؤال عدة مرات.

هؤلاء الجن كانوا يأتون إلى اجتماعات خدام الأحمدية ولم يتركونا وحدنا في اجتماعات أنصار الله أيضًا. ولا يزال السؤال حول الجن يطرح نفسه، سواء أذهبت إلى كراتشي أو بيندي. فالباكستانيون في كل مكان، سواء كانوا في إنجلترا أو قارة أوروبا، يهتمون بشدة بالجن.

ظهرت كلمة الجن في مواضع مختلفة من القرآن الكريم بدلالات مختلفة. باختصار، يشير الجن إلى الأشياء المخفية في اللغة العربية. أي أن كلمة الجن في العربية تنطبق على الأشياء المخفية بأي شكل من الأشكال. ولهذا يطلق على الثعابين أيضًا اسم الجن والمرأة المحجبة تسمى جنًا أيضًا. يُشار أيضًا إلى الأشخاص البارزين الذين يعتزلون عامة الناس ويبقون مختبئين باسم الجن. كما توصف القبائل الجبلية المختفية عمومًا عن الناس الذين يعيشون في السهول بالجن. ويُطلق على سكان الكهوف أيضًا اسم الجن. كلمة الجن تنطبق أيضًا على الأشخاص الأشداء والأقوياء. وتستخدم كلمة الجن أيضًا للبكتيريا. ومن هنا نهى الرسول الكريم عن استعمال العظام للاستنجاء بعد تلبية نداء الطبيعة، معتبرًا إياها طعام الجن. في ذلك الوقت، لم يكن هناك مفهوم للبكتيريا ولم يكن معروفًا أن العظام غذاء لأي شيء. وكشفت الأبحاث اللاحقة أن البكتيريا تتشبث بالفعل بالعظام وأنها ضارة ولا ينبغي استخدامها للتنظيف بعد الاستجابة لنداء الطبيعة. فأحد معاني الجن كل ما هو خفي. وكل المعاني الأخرى تنبع من هذا المعنى.

ومع ذلك، هناك معانٍ أخرى وهي أنها خلقت من نار، وأن لها صفات نارية وروح متمردة. ومن ثم فإن كل أمة ذات مزاج ناري، متقلب وسريع الغضب، وكل أمة متمردة ومقاتلة توصف بالجن. الجن الذي خضع لسيدنا سليمان وسيدنا داوود هم في الواقع أمم تم غزوها. لقد كانوا أقوياء وكان فيهم صفة التمرد. لذلك يقول القرآن الكريم أنهم كانوا مقيدين بالسلاسل وأجبروا على العمل. لو كانوا من نوع الجن الذي اختلقته عقول الشيوخ، فلا يمكن تقييد مثل هذا الجن. ومن هنا يتبين أن الجن كان خلقًا ماديًا. لذلك استخدم القرآن الكريم أيضًا كلمة الجن للإشارة إلى الشخصيات البارزة وللنظام الرأسمالي.

قال الله تعالى في سورة الرحمن مخاطبًا كبار القوم من الرأسماليين أو ممثلي الحكومات الاشتراكية:

"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"

"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ" يعني: يا علية الناس من بين الجن!" والإنس تعني "يا علية الناس من عامة الناس!" هذا هو المقصود. إذن، مصطلح الجن مستخدم في كل تلك الأماكن. إنها كلمة واسعة جدا. كما حضر بعض ممثلي القبائل الجبلية القوية للقاء النبي وأرادوا إجراء محادثة منفصلة معه. لذلك، اتفق النبي صلى الله عليه وسلم معهم على وقت لرؤيتهم خارجًا حيث نزلوا ودار بينهم نقاش. وقد سجل هذا الحادث القرآن الكريم وهو مذكور في سورة الجن. وفي وقت لاحق  أصبحوا مؤمنين.

وفي الوقت نفسه، يخبرنا الحديث أيضًا أنه عندما ذهب الصحابة (رضوان الله عليهم) إلى هناك لاحقًا، رأوا أن هناك آثارًا لمواقدهم حيث تم طهي الطعام. لذا، إذا كانوا جنًا، فإن طعام الجن، الذي يتخيله الشيوخ، لا يُطهى على النار بل يتكون من مواد مختلفة نارية أو شفافة. لذلك يتضح أن الجن الذين جاءوا للقاء النبي الكريم كانوا من بني البشر. كما أنهم على دراية بمفهوم الأنبياء حيث قالوا إنهم كانوا جاهلين جدا وأنهم كانوا يظنون "أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا" ولكن انظروا، لقد ظهر الآن نبيٌ".

يبعث الأنبياء لهداية البشر. لقد قيل في القرآن الكريم للرسول الكريم دائمًا أن يبلغ الرسالة إلى البشر. لم يُطلب منه في أي مكان أن يخاطب ذلك النوع من الجن. ومن هنا ذكر هؤلاء الذين أعلنوا إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم أنهم أنكروا الأنبياء ظنًا منهم أنه لن يأتي نبي في المستقبل. وهذا يوضح تمامًا أنهم كانوا بشرًا. لقد ذكر القرآن الكريم الجن في مواضع كثيرة بنفس المعنى أو بمعنى مماثل لما ذكرته آنفًا. ومع ذلك، فهو لم يذكر الجن الذي يسرق دواجن الناس ويحضرها إلى الشيوخ ولا ذاك النوع من الجن الذي يمسك بشخص تتمنى أن يُقبض عليه ويحضره إليك في غضون ليلة. لم يرد ذكر مثل هذا في القرآن الكريم أو في حياة الرسول الكريم. (جلسة الأسئلة والأجوبة، 29 /12/1984).

وكذلك كتب حضرة صاحب زادة ميرزا بشير أحمد (رضي الله عنه) مقالات ممتازة عن الجن. وكتب في موضع:

"كلمة الجن قد تدل على أشياء كثيرة. ومع ذلك، ليس صحيحًا على الإطلاق أن هناك جن في العالم يقدمون أنفسهم للناس حتى يتمكنوا من توظيفهم كما يحلو لهم، وليصبحوا ألعابًا في أيديهم؛ أو الجن الذين يوظفون الناس كما يحلو لهم بعد إخضاعهم لسيطرتهم، فيجعلون منهم ألعابًا لهم؛ أو الجن الذين يصبحون أصدقاء للناس ويجلبون لهم أشياء جيدة أو الجن الذين يضايقون الناس بعد أن يصبحوا أعداء لهم؛ أو الجن الذين يجعلون الناس يعانون من الجنون والمرض بعد تلبسهم؛ أو الجن الذي يفتح أبواب الصحة والازدهار لبعض الناس وما إلى ذلك. كل هذه خرافات اختلقها ضعاف العقول ولا أساس لها في الإسلام ويجب على المسلمين الحقيقيين تجنب مثل هذه الخرافات.

من الناحية اللغوية (وليس كمصطلح إسلامي)، يمكن أيضًا تسمية الملائكة بالجن لأنها مخلوقات غير مرئية. تثبت تعاليم الإسلام أن الملائكة تلعب دورًا هامًا في زيادة معرفة المؤمنين وتنمية طاقتهم وتغلبهم على الكافرين كما حدث في معركة بدر عندما هزم المسلمون الضعفاء -الذين كان عددهم 313 شخص- ألفًا من المحاربين الكفار المدججين بالسلاح بإذن الله (صحيح البخاري). لذلك، إذا كان السائل مهتمًا بإقامة علاقة مع الأرواح غير المرئية، فعليه التخلي عن فكرة هؤلاء الجن الذين يمكنه التلاعب بهم أو الذين يمكنهم التلاعب بالآخرين؛ وبدلاً من ذلك، يجب أن يركز على صداقة الملائكة، فتلك العلاقة يمكن أن تغير الإنسان بالكامل بفضل الله". (الفضل، 13/06/1950)

وبالمثل، أثناء شرح بعض هذه الحوادث ذكر مولانا غلام رسول راجيكي (رضي الله عنه) في كتابه "حياة قدسي" قول حضرة صاحب زادة ميرزا بشير أحمد (رضي الله عنه):

"فيما يتعلق بتلبس الجن بالإنسان فإن وجهة نظري هي أنه نوع من الاضطراب النفسي الذي يعتبر فيه الشخص المصاب، لا شعوريًا، نفسه مريضًا أو تحت تأثير روح خارقة للطبيعة. تجارب الإنسان السابقة ورغباته ومخاوفه تساهم بشكل غير إرادي في هذا الشعور أيضًا. فهذا أيضًا نوع من المرض يدعى التوهم المرضي وهو ليس مرضًا حقيقيًا. الإسلام يؤمن بوجود الملائكة والجن وهي مذكورة في القرآن الكريم.

صحيح أيضا أن ملائكة الله تعالى تسيطر على نظام الدنيا بأمر الله، وتحث الناس على فعل الخير، وتوقظ الضمير ضد الشر. ولكن من غير الصحيح أن نقول -ولا نجد أي أساس شرعي لذلك- أن الجن يتلبس الناس، ويستولي على قلوبهم وعقولهم ويجعلهم يقومون بأشياء مختلفة. فمثل هذه الأيديولوجية تتعارض كليًا مع تعاليم الإسلام وحرية الضمير للإنسان.

وعلاوة على ذلك، فقد حدد الإسلام مفهوم الجن بمثل هذه المصطلحات العامة التي تشمل بعض الأرواح الخفية وكذلك الحشرات والجراثيم غير المرئية. وعليه فإن القول الوارد في الحديث بضرورة تغطية أواني الأكل والشرب لئلا يدخلها الجن، يعني أنه ينبغي حماية أصناف الطعام والشراب من الجراثيم المسببة للمرض.

على أي حال، وجود الجن حقيقة ثابتة. ومن المؤكد أن نظام الله تعالى يقبل بالواقع وليس الغرائب. لذلك، لا أقبل، حتى لو كانت هناك روايات مضللة ومخادعة، أن هناك بعض الجن الذين جعلوا البشر هدفًا لأفعالهم الغريبة. لذا، بالنسبة لي، فإن ما يسمى بالأرواح الشريرة هو في الواقع [اضطراب نفسي]. وما يسمى بـ "الطبيعي" فيما يتعلق بالأرواح الشريرة هو وجه آخر لكيان ما يسمى بالشخص "الممسوس أو الملبوس" والذي يتحدث دون وعي. وبما أن الشخص "الممسوس" سيكون ضعيف الذهن، فعندما ينتبه إليه شخص يتمتع بعقل أقوى أو شخصية روحية أكثر، يكون قادرًا على كسر تعويذة "الشيطان" من خلال قوته العقلية أو الروحانية أو قوة قلبه. يخلق الأشخاص الماديون هذا التغيير فقط من خلال تركيز عقولهم، لكن عمل الأشخاص الروحانيين يشمل أيضًا التأثير الناجم عن تنبيه الروح والدعاء، والتنويم المغناطيسي بالتأكيد حقيقة واقعة. (حياة قدسي [الطبعة الأردية]، حضرة مولانا غلام رسول راجيكي رضي الله عنه، ص 617-618)

أما أقوال المقابلة المنشورة في مجلة طارق فهي مستندة إلى رواية شخص سمع وروى الحادث. ربما يكون المستمع قد أساء فهمها أو أساء تفسيرها لأنه، على حد علمي، لم يذكر حضرته في أي مكان أنه رأى الجن يضع شفرة الحلاقة لكنه قال إنه في صباح اليوم التالي، رأى أن هناك شفرة فيها.

كما أن حادثة الليلة السابقة التي رواها حضرته ربما كانت رؤيا لأن موقفه من الجن والذي طرحه حضرته في كتاباته وجلسات الأسئلة والأجوبة الأخرى مخالف لوجود هذا النوع من الجن.

وبالتالي، يمكن أن يكون لكلمة الجن دلالات عديدة ولكن من الخطأ القول إن هناك جن في العالم يقدمون أنفسهم للناس حتى يتمكنوا من توظيفهم كما يحلو لهم، بحيث يصبحوا ألعابًا بأيديهم أو الجن الذين يوظفون الناس كما يحلو لهم بعد وضعهم تحت سيطرتهم، وذلك لجعلهم ألعابًا بأيديهم، أو الجن الذي يصبح صديقًا للناس ويجلب لهم الفواكه والحلويات أو الجن الذي يضايق الناس بعد أن يصبحوا أعداء لهم، فيتلبسونهم. هذه المفاهيم من اختراع الشيوخ الذين يستهدفون ويستغلون الأشخاص ضعاف العقول والمؤمنين بالخرافات. مثل هذا الجن لا أساس له في الإسلام وعلى المسلمين الحقيقيين تجنب مثل هذه الخرافات.

لو كان مثل هذا الجن موجودًا بالفعل، لوجب عليهم بذل الجهود لمساعدة إمامنا وسيّدنا حضرة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وتدمير أعدائه من خلال السيطرة عليهم، لا سيما وأن القرآن الكريم والأحاديث يذكران قيام فريق من الجن بزيارته وإعلان إيمانهم به. ولكن الأمر لم يكن كذلك، كما يثبت أن هؤلاء الجن الخياليين غير موجودين في هذا العالم