خواطر سلمى



 

1-الدعاء بروح حقيقية:

ثمّةَ أيامٌ يمكن للدعاء فيها أن يكون بلا روح.. حيث يصدر منا لمجردِ القيامِ بالدعاءِ وأداء العبادة الواجبة فقط. فهل يمكن لهذا الدعاء أن يشفي أرواحنا؟!

لا، بل سيُؤثر سلبًا على المشاعرِ والأفكار وسيؤدي في نهاية المطاف نحو الاكتئاب ...
أما الذّي يُعطي القلبَ توهُجًا هو أن تدعو بحرقةٍ وطمأنينةٍ بحيث يكون للدعاء روحًا حقيقة.. ولكن أنّى لي تحقيقِ ذلك؟!

في البدايةِ ازدادَ الأمرُ سوءًا رغم التوجه لله عز وجل والدعاء إليه، ولم أشعر بالرضا عن النفسِ فخُيّلَ إلي أن دعائي بلا روح ولن يُستجاب، بل وأنه أيضًا استنزافٌ لطاقة الجسد مما خلّف عندي نتائجَ سلبيةٍ على عدةِ أصعدة.

ولكن مهلًا! كلَّ ما حدث ويحدث كل ساعة وكل يوم، وكل ما يهدر الطاقة ويستنزف القوى يراه الله ويعلمُ به... وهذا ما يُهون مرارة الأيام ويُـضفي إليها رشةَ سُكر ولا شيء بعد ذلك يستدعي القلق.

هل يمكن الاستمرار على هذا النحو طامعة برحمانية الله وقدرته؟

إن تواجدنا في هذه الحياة للتطور وليس للبقاء على منوالٍ واحد، قد تأتي أوقات لا نقوى فيها على شيء، وفي أوقات أخرى نشعر بقوة كبيرة وطاقة لنفعل أي شيء مهما بدا صعبًا وثقيلًا.
تمر أيامي بين قبضٍ وبسط روحاني فتارةً أشعر بالشجاعة والاندفاع وتارةً أشعر بالضياع، لذلك علي بالدعاء حتى تمر أيامي لطيفة وسعيدة. فالدعاء "مخ العبادة". وفي كل ما يعترض طريقي، علي التوجه إلى الله ولا يهم كيف يكون مظهري ومشاعري، المهم أن أتوجه إليه تعالى بكل حالاتي.. فهو القائل: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم" (سورة غافر:61) و: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡیَسۡتَجِیبُوا۟ لِی وَلۡیُؤۡمِنُوا۟ بِی لَعَلَّهُمۡ یَرۡشُدُونَ" (سورة البقرة: 187).

فبذلك تتولد روح الرغبة للدعاء بكل قوة وعزم وإصرار، ويتولد بعدها اليقين بأن الدعاء سيستجاب وإن طال الزمن، مما يحدث انقلابا جذريًا بالروح والنفس وانجذابا لله عز وجل لا نظير له، ثم الشعور أن السعادة ستحالفنا ليقيننا بأن الله لن يُضيعنا ولن يخيب آمالنا.

 

2- الأملُ الأخضر:

كلُ أملٍ يرتبط باسم صاحبه أو بشخصيته... وأحيانًا بطريقة تفكيره وتأملاته ....

و الكثير منّا يعرف نوعين من الأمل فقط .. الأمل الأبيض والأمل الأسود ...

ونوع الآمال هنا يرتبط في بعض الأحيان بقوة الإيمان ومدى الارتباط بالله سبحانه وتعالى ...

ويرتبط أيضًا بالحلم وبالهدف والأماني...

من الواضح تمامًا أن الأمل الأبيض مرتبطٌ بصريح التفاؤل، والأمل الأسود يرتبط بعُمق الاكتئاب.

فما هو الأمل الأخضر؟؟

أظن أنه من الغريبِ جدًا التحدث عن الأمل ذي الألوان!!

من أين جاء اللون الأخضر؟ وما صلة ارتباطه بالأمل؟!

الإنسان بحد ذاته مرتبطٌ تمامًا بالأرض وعلى صلة متينة بها؛ فمنها خُلق وإليها سيعود حيث سيوارى الثرى. والأرض متقلبة المزاج فلها أربعة فصول في العام الواحد، تلبس ألوانًا عدة في كل فصل (الأصفر والأبيض والأخضر وغيرها من الألوان البديعة).. فهل لهذه التقلبات تأثيرٌ على أفكار ومزاج وروح الإنسان؟!

نعم، لها تأثيرٌ عميق وفي نفس الوقت لا يتوجب عليّ كإنسان أن أرتدي الألوان كما الأرض .

وهنا يأتي دور الأمل الأخضر الذي أصنعه لنفسي وأعيشُ فيه حتى لا أُجبر على لونٍ غيره.

متقلبات ومطبات الحياة كثيرة، الشقاء والعناء والجهد والتعب والفقدان.. كل هذا وأكثر يجعل الفؤاد هشيمًا وفتاتًا لا يقوى على التحمل.. تمامًا كما يحدثُ في فصلي الخريف والشتاء.

لذلك جعلت في داخلي مساحة صغيرة يصدر منها نور خافت يتوهج كلما ضاق بي الحال؛ فتُحَلّ نصف المشاكل وأجد نصف علاجي.

فلنزرع بداخلنا بذرةً خضراء تدعى الأمل ولننتبه أن "هذه البذرة حساسة" فلا ندعها تتأثر بأحوال الطقس ومرارة الظروف. فلنعتني بها ونعطيها جل الاهتمام لتنمو بشكلٍ سليم ومستقيم، ولنضع لها سماد الأمل الضائع والحلم المؤجل والهدف قيد الانتظار .ولنسقيها بماء التفاؤل والأمل المؤكد وبيقين التحقيق بأن ما زُرِع اليوم سينبتُ غدًا بثمارٍ يانعة بهية.

زراعة الأمل داخل قلوبنا تفاؤلٌ أوصانا به رسولنا الكريم ﷺ "تفاءلوا بالخير تجدوه".. نلجأ إليه فيحتوينا ويقوينا فيكبر ويكبر فيعطينا الأمل بأن أصغر قشة ستُنجينا. فلا تكسرنا ظروف ولا أحوال ومهما كان الشر مظلمًا فالخير يكمن فيه.

واليوم ثمة أمل لن يخيب، ينزع من داخلنا كل يأس، ينتشلنا من خيباتنا ويزرع مكانه اليقين، بأن ما سيأتي سيُصلح ما أتلفه الزمن.