كيفَ لـرمضان أن يغلب ثوائرنا النفسية؟



 

كم تحمل لنا النسائم راوائح رمضان ونشتمها قبل قدومه... وكم تُخيل لنا أجواء رمضان قبل أن نعشيها. وكم نشعر بآذان المغرب أنه حان الإفطار قبل أن نصوم.

ما أعظمه من شهر، نعيشه قبل أن يحين وقته .

ها قد أتى رمضان المبارك في وقته بعد أحد عشر شهرا، حامِلًا ومُحملًا ببخور المحبة والتسامح.. لقد أتى رمضان معطرًا بجبر الخاطر والياسمين، حاملًا معه أداء حق الجار وزنبقةِ صلة الرحم، رغم أدائنا إياها في الأيام العادية،  إلا أنها في رمضان تحمل طعمًا آخر، وكأنها فاكهةٌ نزلت من الجنة.

أتى رمضان مباركًا وروحنا على شفا الجفاف؛ فسقاها بماء اليقين والإيمان المتجدد وكأن طعم الماء مختلفٌ عمّا كان في الأيام الماضية .

تمضي أُولى أيامه كأنها عيد، لا تعب ولا مشقة.. حاملة فقط البسمات والأدعية المتتالية ولذة الاستغفار والتسبيح وقراءة القرآن الكريم، وكأنه سباقٌ ليس بعده سباق .

أيامُ رمضان المبارك مختلفة عمّا نعيش في الأيام العادية فساعاته مباركة رغم المشاغل الكثيرة.

فكيف لهذا الشهر العظيم أن يمحي ثوائرنا النفسية فيتلاشى الغيظ ويتركنا الغضب ويرحل؟!

قال الله تعالى : (شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَـٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ)

فهو شهرٌ فيه اهتدى الناس وأضاء الكون بنزول القرآن الكريم الذي صار مصدرًا لهداية الناس أجمع؛ فـبالإكثار من قراءة القرآن الكريم يهدأ ما بداخلنا ونكبت ثوائرنا ونكيّفُها بأيدينا  فتصبح فقط لمرضاة الله سبحانه. فتغيب ويحضر محلها استشعار كل شيء جميل..  نستشعر قرب الله عز وجل في كل دقيقة بمراقبة السماء والقمر ولساننا وقلوبنا لا تهدأ في ترديد الأدعية، مما يُضفي لأيامِ رمضان المبارك بركةً وخيرًا وسكينةً وسلاما.

و السلام الأجمل والذي ينتظره الكثير من الناس هو اكتمال القمر، فكأنما يقول لنا البدر: ها أنا أتيت مضيئًا ونوري يعمُ العالم رغم ظلمةِ الليل والسواد الحالك، أبثُ اليقين وأرفع الروحانيات، فلمَ تبالي بهمومك؟! ولم تفكر بأدعيتك؟! أما زلتَ تظُنها لم تُستَجاب ولن تُستجاب؟ رغم أن الله قريبٌ مجيب؟ بعدها يتحول البدر إلى تربيع ومن بعدها نترقب ليلة القدر المباركة في العشر الأواخر من رمضان وبذلك تتزايد الأدعية والشغفُ يتعالى ويمتلىء الجسدُ قوة لأداء الصلاة والطاعات أكثر، و يبقى السؤال والأمل واحد، هل شهدنا ليلة القدر؟ وهل شرفنا الله بإحيائها؟

بهذا تدخل الطمأنينة قلوبنا رغم أننا لم نعلم الإجابة، لكننا نعلم أن الله رحمن رحيم مالك الكون وبيده الخير كله يهدي من يشاء .

بعد كل هذا ألا يجب أن تهدأ ثوائرنا بعد رمضان وفي الأشهر الباقية؟

ألا يجب علينا أن نفعل ما نفعله في رمضان بعد انقضاء رمضان؟

ألا يجب علينا التزام الهدوء والسكينة والسلام وأن ندع كل ما نتمناه يأتي من عند الله؟

ألا يجب علينا أن نعود أنفسنا على اليقين بأن ما سيأتي من الله سيكون جميلًا ويستحق الانتظار؟