مرور 100 عام على تأسيس لجنة إماء الله – صياغة القرن الجديد



 

الخطاب الختامي الذي ألقاه حضرة خليفة المسيح الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز) في اجتماع لجنة إماء الله الوطني في المملكة المتحدة لعام 2023

بعد التشهد والتعوذ وسورة الفاتحة، قال حضرة خليفة المسيح الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز):

"بفضل الله، تحتفل لجنة إماء الله هذا العام بالذكرى المئوية لتأسيسها، حيث أسسها حضرة خليفة المسيح الثاني في قاديان نهاية عام 1922 ومطلع عام 1923.

وحيث بدأت مع عدد قليل من النساء في قاديان، فالحمد لله تم اليوم تأسيس لجنة إماء الله في جميع أنحاء العالم. وحيث إن هذا مدعاة للسعادة، علينا أن نتذكر أننا لسنا كالجماعات الدنيوية أو اللادينية التي تبحث عن أي مبرر لإقامة الاحتفالات وتكتفي بفكرة بلوغ مائة عام من الوجود. وبدلاً من الفرح والابتهاج، يجب أن تكون هذه الإنجازات بمنزلة ذريعة للتأمل وفرصة للتعبير عن امتناننا لله تعالى على نعمه وبركاته. لن يأتي وقت الاحتفال الحقيقي إلا عندما تتحقق الأهداف التي تأسست من أجلها لجنة إماء الله.

في الواقع، عند تأسيس لجنة إماء الله والمنظمات المساعدة الأخرى، حدد حضرة خليفة المسيح الثاني (رضي الله عنه) بوضوح أهدافها ومسؤولياتها. وفي خطابات مختلفة للجنة، أعرب حضرته عن آماله وتوقعاته الكبيرة، وأوضح أنه لا ينبغي لأي امرأة أحمدية أن تعتبر نفسها أقل شأنا من أي رجل أو أن تظل مختبئة تحت ظله. فمن جميع النواحي، الرجال والنساء متساوون.

على سبيل المثال، فيما يتعلق ببناء العلاقة مع الله تعالى، حيث أمر الله الرجال بالخضوع له وعبادته وإقامة علاقة حية مع خالقهم، فقد طلب ذات الأمر من النساء.

ومن المؤكد أنه وفقًا لأمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، على المرأة أن تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على بيتها وأسرتها ولاسيما فيما يتعلق بتربية أطفالها. وفي الوقت نفسه، أوضح حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) أن السيدات المسلمات الأحمديات ملزمات بخدمة مجتمعهن والسعي لتحقيق ازدهاره، وخاصة من خلال تبليغ تعاليم الإسلام.

ومن ثم، لا ينبغي لأي امرأة أحمدية أن تظن خطًأ أن التبليغ حكر على الرجال. بل اعتبرن أن مهمتكن هي نشر تعاليم الإسلام من خلال الالتزام بقيمه ومعتقداته ونشر رسالته للقاصي والداني. والأمر متروك لكنّ، كعضوات في اللجنة، لتظهرن للعالم ما هو الإسلام وما يمثله حقًا.

في عالم اليوم، يقال الكثير عن حقوق المرأة، وتثار بشكل روتيني اعتراضات مغلوطة ضد الإسلام. إذا ردت المرأة المسلمة بشكل مباشر على مثل هذه الادعاءات من خلال إظهار عقيدتها بفخر واستخدام فكرها وتجاربها الإيجابية لتثقيف من يجهلون تعاليم الإسلام حول كيف أن هذه التعاليم تحمي حقوق المرأة، فسيكون لذلك وزن أكبر بكثير مما لو رد أي رجل بالنيابة عنها. لذا، ولتحقيق هذه الأهداف الأخلاقية والروحية الجسيمة، أنشأ حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) لجنة إماء الله قبل قرن من الزمان.

والآن، مع الاستفادة من أحد خطبه للجنة، سأناقش مستوى الإيمان الذي يجب أن تصبو إليه المرأة المسلمة الأحمدية.

أثناء مخاطبة لجنة إماء الله، ذكر حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) أنه لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة عندما يتعلق الأمر بالتزاماتهم الدينية. في الواقع، قد قال الله تعالى في الآية الثانية من سورة النساء من القرآن الكريم:

"وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"

أي أنه خلق الرجال والنساء كأزواج. أي أنهم يتحملون نفس المسؤوليات وسيحاسبون أمام الله تعالى على أعمالهم بالتساوي.

صحيح أن الإسلام قد نص على تقسيم العمل، حيث أعطي الرجال المسؤولية الرئيسية في إعالة أسرهم ماديًا، في حين أعطيت المرأة الواجب الأساس في إدارة شؤون المنزل وتربية أطفالها. فبغض النظر عن هذا التمييز، قد أكد الإسلام بشكل كبير على أهمية تعليم الفتيات والسيدات حتى يتم إطلاق العنان لإمكاناتهن، فيصبحن ذخرًا لمجتمعهن.

علاوة على ذلك، فإن التعليم سيمكن الأمهات من رعاية أطفالهن وتوجيههم بطريقة تجعلهم يكبرون ليصبحوا مواطنين مثقفين ومسؤولين ويساهمون بشكل إيجابي في مجتمعاتهم. لذلك، حتى لو كانت هناك درجة من الاختلاف في مسؤوليات الرجل والمرأة، فقد أعطاهما الإسلام حقوقًا متساوية من حيث قيمتهما كبشر ومن حيث مشاعرهما وعواطفهما.

لذلك، على النساء الأحمديات أن يعتبرن التزاماتهن الدينية فرصة لإرضاء ربهن ونيل ثوابه وبركاته.

ثم قدم مقارنة بين رجلين وقفا أمام ملكهما؛ أحدهما مجرم، وينظر إليه الآخرون بازدراء واشمئزاز. وقف المجرم أمام الملك بخوف يخشى عقوبته. والشخص الآخر الذي وقف أمام الملك كان جنرالا عسكريا بارزا وجاء لإطلاع الملك على شؤون الدولة. وحيث لم يتمكن الجمهور ورجال الحاشية من إخفاء ازدرائهم للمجرم، فقد شعروا بالهيبة من مكانة الجنرال الحائز على الأوسمة ولاحظوا مدى رضا الملك عنه.

عندما يتعلق الأمر بالتزاماتنا الروحية والأخلاقية، ينبغي أن نسعى لأن نعيش حياتنا وفق أمر الله تعالى، حتى لا نتقدم، عندما نقف بين يديه، خجولين كمجرم مخزي، بل كالجنرال الذي وفى بكل ما كان مطلوبا منه.

بعد ذلك، ذكر حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) أنه قد تم توثيق حياة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) والنبي عيسى (عليه السلام) وحفظها بتفصيل أكبر بكثير من أنبياء الله الآخرين. وفي كلا العصرين كانت هناك نساء صالحات وصلن إلى مرتبة روحية مرموقة.

فكان من بين حواريي عيسى (عليه السلام) نساء يقضين أيامهن ولياليهن في نشر تعاليمه، ومستعدات لأي تضحية في سبيل دينهن. على سبيل المثال، عندما أُنزل عيسى (عليه السلام) عن الصليب ووضع في كهف، جاءت تلميذاته المخلصات لمساعدته، بينما هجره أتباعه الذكور نتيجة الخوف. واليوم، لا تزال النساء المسيحيات يفتخرن بجهودهن النبيلة.

وفي عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) المبارك، كانت التضحيات التي قدمتها النساء المسلمات غير عادية أيضًا، ولا مثيل لها في تاريخ البشرية.

خلال السنوات القليلة الأولى من عمر الإسلام، اضطُهد المسلمون بشكل متواصل وتعرضوا لمعاملة وحشية، وكانت العبودية منتشرة في المجتمع العربي، وكان العبيد الذين اعتنقوا الإسلام يعاملون من قبل أسيادهم عديمي الرحمة، بطريقة أشد وحشية. على سبيل المثال، تم تعذيب زوجين مسلمين وإجبارهما على تحمل معاملة وحشية مريعة على يد سيدهما، بحيث لا يمكن للمرء إلا أن يرتعد لمجرد التفكير فيها. لقد أُجبرا على الاستلقاء في الحر الشديد على الرمال الحارقة وتم جرهما لمسافات طويلة فقط لأنهما اعتنقا الإسلام. لقد تعرضا للضرب المبرح لدرجة أن عيونهما قد تورمت تمامًا، ولم يسلم أي جزء من جسديهما من الإصابات الموجعة.

وفي أحد الأيام، أثناء تعرضهما للتعذيب، مر بهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فطالبهما سيدهما بالتخلي عن دينهما والكفر بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، لكنهما صمدا وتحملا كل قسوة في سبيل دينهما. ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، حزن وتألم كالأب الذي يرى ابنه في ضيق شديد، فغلبته المشاعر ونصحهما (صلى الله عليه وسلم) بالتحلي بالصبر وطمأنهما بأن معاناتهما ستنتهي قريبًا وأن بانتظارهما بيتًا دائمًا في الجنة. وبعد مرور بعض الوقت، مات الزوج مستسلمًا للتعذيب، في حين نجت زوجته. لكن سيدها الحقود لم يدخرها، بل أخذ رمحًا وطعن به جسدها بعنف وقتلها. وعلى هذا النحو، صارت أول شهيدة في الإسلام.

ومع استمرار الاضطهاد الذي كان يتعرض له المسلمون، أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة. وبينما كانت إحدى المجموعات تستعد لمغادرة مكة، لاحظ سيدنا عمر (رضي الله عنه)، الذي لم يكن قد أسلم بعد، سيدة مسلمة تجمع أمتعتها فسألها عن وجهتها، فأجابت وهي تشعر بالحزن الشديد لاضطرارها إلى مغادرة مكة أنهم لم يعد بإمكانهم تحمل قسوة المكيين، لذا سيغادرون وطنهم على الرغم من كونهم أبرياء تمامًا. وعند رؤية قلقها وسماع كلماتها الحزينة، شعر سيدنا عمر (رضي الله عنه) بالخجل وغلبه الحزن. وبدموع في عينيه، لم يستطع إلا أن يقول لها وداعًا ويتمنى لها الأفضل.

إن هذه أمثلة رائعة للنساء المسلمات الأوائل اللاتي كن على استعداد للتضحية بكل شيء من أجل دينهن، بما في ذلك ترك أوطانهن وراءهن. علاوة على ذلك، لم ينسين أبدًا الهدف من هجرتهن والذي هو نيل الحرية الدينية. وبعد ذلك، مارسن دينهن بإخلاص وآثرنه على كل شيء آخر.

اليوم، أُجبرت الكثيرات منكن أو أهاليكن أيضًا على مغادرة وطنهن بسبب الاضطهاد الديني. وبعد أن قمتن بذلك، يجب أن تسألن أنفسكن هل الآن، بعد حصولكن على الحرية الدينية، تؤثرن دينكن على كل شيء آخر؟ هل أنتن مستعدات لكل التضحيات الممكنة؟

قد يتساءل البعض ما المقصود بالتضحية في هذا العصر؟ الأمر بسيط للغاية: العمل بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله (صلى الله عليه وسلم) في جميع الأوقات، وهي الصلاة على وقتها خمس مرات في اليوم، ودراسة وتدبر معاني القرآن الكريم والعمل بأوامره، وتربية أطفالكن على تعاليم الإسلام وغرس القيم الإسلامية فيهم.

في هذا المجتمع، حيث الحرية الدينية، فإن بعض الحريات المزعومة للأسف تدفع المجتمع بقوة نحو طريق مظلم وخطير. وتتجذر الأنشطة والمعتقدات المبتذلة والضارة بشكل لا يصدق، وهي وسيلة لإبعاد الأجيال القادمة عن التعاليم الدينية والقيم الأخلاقية. ومن ثم، فإن توجيه أطفالكن ومساعدتهم على التمييز بين الخطأ والصواب أمر ضروري وتحدٍ كبير يجب على الأمهات المسلمات الأحمديات أن ينهضن له.

ثمة مثال شهير آخر عن الإيمان المتميز ذكره حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه)، وهو قصة أخت سيدنا عمر (رضي الله عنهما). ففي الوقت الذي كان فيه معارضًا شرسًا للإسلام، غادر سيدنا عمر منزله شاهرًا سيفه، ينوي قتل النبي (صلى الله عليه وسلم). وفي الطريق، سأله أحدهم عن وجهته؟ وعندما أخبره، قال له الرجل إن عليه أن يرى حال عائلته أولاً لأن أخته قد أسلمت.

عند سماع ذلك، غضب سيدنا عمر (رضي الله عنه)، وذهب مباشرة إلى منزل أخته، وطرق الباب بقوة. وكانت أخته وزوجها يقرآن القرآن، وعندما أدركا قدوم عمر، أخفيا معلمهما المسلم وصفحات القرآن التي كانت بحوزتهم. ومع ذلك، فقد سمعهم سيدنا عمر (رضي الله عنه) وأدرك ما كانوا يتلونه. وفي نوبة غضب، اندفع إلى الأمام محاولًا ضرب صهره، ولكن بتحدٍ وشجاعة لا حدود لهما، نهضت أخته كالأسد لحماية زوجها فأصيبت. وبينما كان الدم يسيل من أنفها، خاطبت سيدنا عمر بشجاعة قائلة: "نعم، نحن مسلمَين. وإن كنت تريد قتلنا فافعل". 

عندما رأى سيدنا عمر (رضي الله عنه) كيف ضحت أخته، التي كانت تنزف نتيجة ضربته، بنفسها لحماية زوجها ولاحظ إيمانها وشجاعتها غير العادية، أصيب بالدهشة والخجل. فخفتت لهجته العدوانية السابقة على الفور، وطلب رؤية ما كانوا يتلونه. فقالت أخته إنه نجس وإنه إذا أراد قراءة القرآن الكريم فعليه أن يغتسل. وبعد الاستجابة لطلبها، بدأ بقراءة القرآن الكريم، وعلى الفور اخترقت كلماته الجميلة قلبه ومكنته من إدراك صدق الإسلام.

ومن ثم، سارع يبحث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا ليقتله كما كانت خطته الأصلية، بل في حالة انصياعٍ تام. لذلك، كان مستوى الإيمان الرائع والشجاعة الهائلة التي أظهرتها أخت سيدنا عمر (رضي الله عنه) هو الذي أشعل الثورة الروحية بداخله.

ثم ومع استمرار اضطهاد النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه في مكة، جاء وفد من المدينة المنورة، بينهم سيدة مسلمة مخلصة، للقاء النبي (صلى الله عليه وسلم). وأبدى أعضاء الوفد رغبتهم الصادقة في هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة. وكانت السيدة المسلمة الموجودة في هذا الوفد شغوفة جدًا بدينها وتتمتع بأعلى الأخلاق. وفي وقتٍ لاحق، شاركت بانتظام في الجهاد وربت أبناءها على الإخلاص التام لقضية الإسلام.

وعندما قرر النبي (صلى الله عليه وسلم) في نهاية المطاف قبول عرضهم والهجرة إلى المدينة المنورة، كانت الوجبة الأخيرة التي قُدمت له في مكة من إعداد أخت السيدة عائشة (رضي الله عنها)، وقد لفتها بقطعة قماش قطعتها من نطاقها. اقترب منها العدو اللدود للإسلام، أبو جهل، مع مساعديه، للحصول على معلومات عن مكان النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر (رضي الله عنه)، لكنها لم تقل ولا كلمة واحدة. فضربها أبو جهل بقوة وأصابها إصابة بالغة، فسقط قرطها على الأرض. وعلى الرغم من الرعب الذي تعرضت له، إلا أنها ظلت حازمة ولم تفصح عن أي معلومات.

ثم عندما وصل النبي (صلى الله عليه وسلم) بسلام إلى المدينة المنورة، لم تغمر السعادة المسلمين الرجال وحدهم، وإنما النساء والفتيات المسلمات أيضًا، ورحبوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وقاموا بغناء الأناشيد التي تعبر عن امتنانهم لله تعالى، وقالوا: "طلع البدر علينا من ثنية الوداع" وهو الجبل الذي جاء من جهته النبي صلى الله عليه وسلم.

وبعد هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، واصلت النساء المسلمات تقديم تضحيات استثنائية في سبيل دينهن. وبعد غزوة أحد، التي تكبد فيها المسلمون الخسائر، كانت حالة النساء المسلمات لدرجة أنهن لم يبالين بموت أزواجهن أو أبنائهن أو إخوانهن. ولم يسألن إلا عن سلامة النبي صلى الله عليه وسلم، فشعرن بالارتياح عندما علمن أنه حي وبصحة جيدة، وكان هذا كله بسبب إيمانهن المطلق بصدق النبي (صلى الله عليه وسلم)، مما ألهمهن لتقديم أسمى التضحيات في سبيل الإسلام. وقد سُجلت أسماؤهن في التاريخ لأنهن لعبن دورًا بارزًا في ترسيخ الإسلام ونشره، وكن وسيلة فخر وإلهام للمسلمين حتى اليوم.

مستشهدًا بمثالهن لعضوات لجنة إماء الله، ذكر حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) أنه في هذا العصر، أعلنت النساء الأحمديات أيضًا إيمانهن بنبي، هو المسيح الموعود (عليه السلام)، والذي جاء وفقًا لنبوءات النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم)، وكان انعكاسًا تامًا له. وبالتالي، على كل امرأة أحمدية أن تسأل نفسها عما إذا كانت تمتلك نفس الروح والإخلاص الذي كانت تتمتع به صحابيات النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) من أجل دينهن، وما إذا كن يظهرن نفس مستويات الاستقامة والروحانية. هل تحاكي السيدات الأحمديات معايير عبادة النساء المسلمات الأوائل، بحيث يقمن ليلهن بالنوافل إلى جانب أداء الصلاة المفروضة ويصمن النهار ويستعددن لكل تضحية؟

لقد قدمت مؤخرًا، في الجلسة السنوية في كل من المملكة المتحدة وألمانيا، العديد من الأمثلة عن سعي صحابيات النبي (صلى الله عليه وسلم) بجد لتحقيق متطلبات دينهن والقيام بكل أمر من أوامر الله تعالى وأداء حقوق عبادته. لقد كن النساء الصالحات اللاتي تحولت حياتهن من حالة الجهل إلى التنوير وذلك فقط نتيجة طاعتهن ومحبتهن لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. لقد قدمن تضحيات لا يمكن تصورها في هذا العصر.

على سبيل المثال، استعد الجيش الإسلامي ذات مرة للمعركة، فتوسلت امرأة مسلمة للانضمام إلى صفوف الرجال على خط المواجهة. وعندما حاول أحد الرجال منعها، غضبت وسألت بسخط عما إذا كانت المرأة غير مطالبة بخدمة الإسلام. وبعد أن لاحظ هذا النقاش، ابتسم النبي (صلى الله عليه وسلم) بل ضحك قليلاً حتى. ولرؤيته حماسها، سمح لها بالانضمام إلى السرية كممرضة. وفي النهاية، لعبت دورًا كاملاً في الحرب، حيث اعتنت بالجنود المسلمين الجرحى وحصلت على نصيب من عائدات الحرب. كما شكلت خدمتها سابقة للمعارك المستقبلية حيث قامت النساء المسلمات، بما في ذلك زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) وابنته فاطمة، بتمريض الجنود الجرحى.

وفي الواقع، لم تكن هناك حرب أو معركة واحدة لم تشارك فيها المرأة المسلمة وتلعب فيها دورًا كاملاً. وكذلك وحيث يتحدث القرآن الكريم عن الرجال المؤمنين، فإنه يتحدث أيضًا عن النساء المؤمنات.

وفي ضوء هذه الأمثلة الرائعة من صدر الإسلام، أعرب حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) عن إيمانه الراسخ بأنه إذا نُفخت في النساء المسلمات الأحمديات في عصرنا الحالي روح وحماس النساء المسلمات الأوائل نفسها، فإن الجماعة الإسلامية الأحمدية ستزدهر وتتقدم بسرعة كبيرة. وبالتالي، كنساء مسلمات أحمديات، عليكن إدراك واجباتكن في نشر رسالة الإسلام بين السيدات الأخريات بحيث يمكن توجيه أجيال المجتمع القادمة بشكل صحيح. ونظرًا للتأثير المحوري للنساء على ذراريهن، فسيكون لتبليغ النساء تأثير بالغ وطويل الأجل على المجتمع. ولكي تنجحن في التبليغ عليكن أن تسعين لزيادة معلوماتكن الدينية. وتذكرن دائمًا أن المعرفة والدعاء اليوم هما أسلحتنا الوحيدة في قضية نشر الإسلام.

أمام جميع النساء المسلمات الأحمديات يوجد مثال السيدة عائشة (رضي الله عنها) التي وصلت، من حيث المعرفة الدينية، إلى مرتبة تفوق بكثير رجال عصرها أو أي عصر آخر. وبناءً على ذلك، تتمتع النساء بالقدرة على الوصول إلى أعلى المستويات الفكرية، لذا يجب ألا تقللن من شأن أنفسكن أبدًا. بل اسعين إلى تحقيق إمكاناتكن الغنية، لأنها ستزودكن بالقدرة على تربية أطفالكن بطريقة تجعلهم يكبرون ليكونوا مفيدين للمجتمع. وسيمكنكن هذا أيضًا من الدفاع عن دينكن ومعتقداتكن.

في هذه الأيام، تثار مرة أخرى بصخب مسألة معنى ختم النبوة من قبل خصومنا الذين يسعون إلى تحريض الناس ضد الأحمدية. ويزعم المسلمون غير الأحمديين أننا، والعياذ بالله، لا نؤمن بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم النبيين. وفي هذا الصدد، كانت امرأة من قدمت الإجابة على هذا السؤال قبل فترة طويلة.

ففي إحدى المرات، أثناء حديثها عن مكانة النبي (صلى الله عليه وسلم)، قالت السيدة عائشة (رضي الله عنها): " قولوا: خاتم النبيين، ولا تقولوا: لا نبي بعده". وبهذه الكلمات الثاقبة والعميقة، حسمت السيدة عائشة (رضي الله عنها) النقاش من خلال توضيح أنه في حين أن النبي (صلى الله عليه وسلم) آخر الأنبياء المشرعين، إلا أن باب النبوة ظل مفتوحًا. لقد أدلت بهذا التصريح بسبب حكمتها وبصيرتها لأنها أدركت خطر المعارضة المستقبلية حول هذه القضية.

وللأسف، فإن ما يسمى برجال الدين المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم علماء وحكماء قد وقعوا فريسة للجهل والباطل الذي حاولت السيدة عائشة (رضي الله عنها) إنقاذ الأمة الإسلامية منه. والآن، يقع على عاتق النساء الأحمديات أن يسعين إلى الاقتداء بأسوة السيدة عائشة (رضي الله عنها) وتوجيه العالم.

وقد ذكر حضرة المصلح الموعود (رضي الله عنه) أيضًا سيد أحمد البريلوي، الذي كان مجددًا من الهند والذي توفي قبل سنوات قليلة من ولادة المسيح الموعود (عليه السلام). ذات مرة، ذهب للحج، وكانت حملة السفر تضم 100 امرأة مسلمة، وكن وفقًا لعادتهن، يغطين وجوههن بالخمار بشكل صارم في جميع الأوقات في الأماكن العامة – كان ذلك كعادة وكواجب ديني أيضًا. ومع ذلك، عندما وصلن إلى مكة وكن على وشك بدء الطواف حول الكعبة، خاطبهن السيد البريلوي وقال: "أخواتي! نفس التعاليم الإسلامية التي أمرتكن بارتداء الحجاب وستر أنفسكن، تأمركن الآن أن تظهرن وجوهكن هنا أثناء الطواف. وعلى الفور كشفت النساء وجوههن إذعانًا لأمر الله تعالى.

فينبغي على كل امرأة أحمدية أن تسعى جاهدة للحفاظ على هذا المعيار من طاعة الله. وهكذا، بينما تحتفلن بالذكرى المئوية لتأسيس لجنة إماء الله، لا ينبغي للجنة أن تكون راضية إذا كان 40% أو 50% أو 60% من النساء الأحمديات يؤدين التزاماتهن الدينية. على النقيض من ذلك، يجب ألا تكن راضيات إلا إذا وصل 100% من عضوات اللجنة إلى أعلى مستويات عبادة الله وسعين لفهم تعاليم القرآن الكريم. ويجب أن لا يهدأ لكن بال حتى تسعى جميع عضوات اللجنة إلى تبليغ تعاليم الإسلام والقيام بواجباتهن في ضمان التربية الأخلاقية والروحية للجيل القادم.

فقط عندما تصلن إلى هذه المستويات العليا، تكن قد حققتن أهدافكن، وعندها فقط ستتمكن من الاحتفال حقًا بمرور 100 عام على تأسيس لجنة إماء الله. وبخلاف ذلك، فإن مجرد الوصول إلى 100 عام لا معنى له وليس مقياسًا لأي نجاح.

علاوة على ذلك، أثناء سعيكن لتحقيق أهدافكن الدينية، لا تشعرن أبدًا بالحرج أو تقعن فريسة لأي عقدة نقص، بل افتخرن بدينكن وقناعتكن الدينية. وبالمثل، إذا كان أزواجكن يشكلون عائقًا أمام أداء واجباتكن الدينية، فيجب أن تخبرنهم دون أي خوف أو تردد أنكن لن تتراجعن أبدًا عندما يتعلق الأمر بالوفاء بالتزاماتكن الدينية. إذا أظهرتن هذه الشجاعة والإيمان الراسخ، فسوف تقمن بإصلاح الرجال الأحمديين بحيث يؤثرون دينهم أيضًا على جميع الأمور الدنيوية.

والآن، وقد انتهى الاجتماع وستعدن إلى بيوتكن، ينبغي على كل واحدة منكن أن تغرس في نفسها عزيمة راسخة على العمل بتعاليم الإسلام في جميع الأوقات.

فبينما نقلب صفحة القرن الأول من عمر لجنة إماء الله، فإن أمامكن الآن صفحة بيضاء في القرن القادم، وسيحدد سلوككن ومعيار إيمانكن ما سيُكتب عليها في النهاية. عسى أن تُسجل تضحياتكن وإخلاصكن الثابت لدينكن في تاريخ الإسلام، تمامًا مثل النساء اللاتي أسلمن زمن النبي (صلى الله عليه وسلم). وأدعو الله أنه عندما يحين وقت كتابة تاريخ هذا العصر، فإن الصفحة البيضاء التي تحدثت عنها، ستكون مزينة بقصص عدد لا يحصى من النساء الأحمديات من هذا العصر اللاتي أثبتن أنهن مستعدات لكل التضحيات في سبيل دينهن، واللواتي قمن بمسؤولياتهن تجاه دينهن بشكل رائع. عسى أن يشهد التاريخ على أن النساء المسلمات الأحمديات كن في الطليعة في ترسيخ وحدانية الله في الدنيا، وعسى أن نشهد قريبًا النصر الروحي الكبير للنبي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) بحيث يتحد الناس من جميع الأمم والأجناس روحيًا ويتبعون تعاليم الإسلام الحقيقية. فبالتأكيد، في هذا فقط يكمن خلاص العالم.

بارك الله فيكن جميعًا، وأدعوه تعالى أن يكون فجر القرن الثاني من عمر لجنة إماء الله سببًا للتقدم الأبدي لجماعة المسيح الموعود (عليه السلام)، آمين.