صراع الحق والباطل



 

لقد أودع الله تعالى منذ الخليقة، قوانين تحكم هذا الكون واختار الإنسان لحمل الرسالة، ولما كان هذا المخلوق (الإنسان) مخيّر بين الخير والشر، نشأت هاتين القوتين ووضعت بصمتها في كل شيء.

إن كلمة الحق هي ذلك الينبوع الصافي، الذي يروي الحقول ويجعلها تثمر ما لذّ وطاب، وتروي عطش الإنسان التائه في بحر الشك، إلا أنّ الوصول إلى هذه الأشياء ليس بالأمر الهين، وعلى السالك الحذر من الوقوع في شبكة الشيطان، الذي يُوقع في طريق الباطل بطريقة سهلة وغير مكلفة في ظاهر الأمر، لأنه يجعل من الحق أمرا يصعب نيله ومحال مراده. وبالمقابل يبين الباطل على أنه ذلك الطريق السهل نيله بغض النظر عن النتائج،  حيث أنه يضيء الطريق بنوره المزيّف وإشعاعه الخادع للعيون، وبالتالي يكون من السهل الوقوع في شباكه الواهية. وإذا ألقينا نظرة من حولنا وجدنا هذه القوة المدمرة ( الباطل) تأكل في طريقها الأخضر واليابس سواء في المعتقد أو في  السياسة أو في العلاقات الإجتماعية.

في المعتقد وهو ما رأيناه على مر العصور بدءًا من آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، حيث كانت هذه القوة المدمّرة تقف في وجه الحق وتمنعه من الظهور بأي شكل من الأشكال، وقد واجه الأنبياء والتابعين هذه القوة ووقفوا في طريقها حتى لا تؤذي من سيأتي لاحقًا، ولكي نأخذ العبرة أيضا مما قد حصل في الماضي.

أمّا في السياسة فقد لعبت هذه القوة المدمّرة دورا كبيرا، حيث نسجت خيوطها الخبيثة في كل مكان، وأشعلت نار الفتنة في كل بقاع الأرض، وسخّرت جنودها لأغراضها الشريرة،  بحيث أنها تظهر بأشكال وأسماءٍ مختلفة. وما يجري في العالم اليوم لهو خير دليلٍ على أن هذه القوة المدمّرة بلغت حدّها، لقد أصبحت النفس التي حرّم الله قتلها مشهدًا اعتياديا وكأنه مشهد من مشاهد السينما للأسف.

 فالباطل في كل زمان ومكان يحشد جنده من أجل محاربة الحق، ولا يأنف أن يستخدم أقذر الأسلحة التي لديه لمواجهة الحق؛ فلا مبادئ ولا أخلاق في صراعهم مع الحق، لقوله تعالى «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ»  (الأنعام: 123)

لكن هذا لا يعني أن الله غافل عما يعمل الظالمون، بل جرت سنته تعالى أنه يمهل القوم ويحذرهم من عذابه، ويوريهم الآيات. يقول الله عز وجل «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ» (سورة إبراهيم: 42).

قد يقول قائل أين هي قوة "الحق" ؟ ولماذا لا تتدخل وتوقف هذا الطغيان؟

أولا تجدر الإشارة إلى أن الصراع بين الحق والباطل سُنّة من سنن الله التي بنى عليها هذا الكون، فلله -عز وجل- في ملكوته العظيم وكونه الفسيح سننٌ لا تتبدل ونواميس لا تتحول،  يقول الله تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر:43).

ومن هذه  السنن الربانية سنة التدافع والصراع بين الحق والباطل.

ثانيا هو أن الإنسان نفسه يساعد في تصاعد راية الباطل بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك من خلال مخالفة أوامر الله عز وجل والسير على نهج الشيطان، وخير مثال على ذلك هو تدهور حالة المسلمين اليوم، وتفرقهم، وهذا ما نتج عنه بيئة صالحة لهجوم أنصار الباطل وعلو شوكتهم ...

إن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب عباده إلا بعدما يعم الفساد في البر والبحر، وخاصة عندما يتعلق الأمر برفض مبعوث من السماء، والوقوف في وجه الحق والتمرد على سننه عز وجل، وهذا ما هو عليه حال المسلمين الآن تراهم تائهين وكأنهم محاصرون في مكان مغلق لا يستطيعون الخروج منه، لم ينفعهم لا علمهم ولا كثرتهم... وذلك لأنه ليس لديهم أي قوة روحية ترشدهم وتوجههم، مع أن هذه القوة موجودة في زمننا هذا وحاضرة، تأخذ إشعاعها من الحي القيوم، ولكن للأسف تم رفضها والطعن في مصداقيتها.

لذلك جاء الردّ من السماء لقوله تعالى «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبْعثَ رَسُولاَ» (الإسراء: الآية 15). فالآية تشير إلى أن الله تعالى قد أرسل من يبيّن للناس ويصحح لهم المسار وينقذهم من هجمات أنصار الباطل، الذي دسّ سمّه في انحاء المعمورة. لكن نزعة الأنَا والتكبر أغشت على أبصارهم وجعلتهم يظنون أنّهم على حق.

وفي هذا الصدد يقول الخليفة الخامس للإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام "السعي من أجل السلام طموح نبيل وأمرٌ يحتاجه العالم، فإذا نظرنا إلى حالة العالم اليوم، سندرك أن هنالك الآن، وأكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة وعاجلة للسعي من أجل السلام والوئام في العالم ".

وقال حضرته أن على الرغم من أن الإسلام يدعو إلى الإنصاف والمساواة والعدالة على كافة الأصعدة إلا أن غالبية المسلمين في العالم قد نسوا هذه التعاليم.

ثم دعا حضرته إلى التغيير من أجل إنقاذ العالم حيث قال: "إذا كنا نريد السلام الحقيقي، وإذا كنا نريد إنقاذ العالم من الدمار فعلينا أن نعمل بعدالة ونزاهة وأن نتحرى الحقيقة دائمًا. (من الخطاب الذي ألقاه حضرة أمير المؤمنين بمناسبة المنتدى العاشر للسلام في مسجد بيت الفتوح لندن 03/23/2013).

إذًا كما أشرنا من قبل وقلنا إن هذه حقيقة وسنة ثابتة قامت عليها السموات والأرض وقام عليها أمر المعتقدات والدعوات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،  لكن دائما ينهزم الباطل وتكون الغلبة الحق، مهما بلغت قوة الباطل ومهما علت شوكته، وهذا ما رأيناه على مرّ العصور، وفي كل فترات الأنبياء عليهم السلام، يقول عز وجل «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ » (الأنبياء: 18).

ويقول تعالى أيضا «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (الإسراء: 81).

إذًا فالقضاء على الباطل أمر محتوم، لكن يجب بذل جهد كبير والسعي لتحقيق ذلك. وقد يقول قائل لكن ما يجري في الواقع أمر مخالف، هنا نقول إنّ الحق هو الذي يحكم في الواقع، وليس الواقع الذي يحكم في الشيء أحق هو أم باطل، فقد يكون الواقع باطلاً، وقد يكون فيه انحرافات وخصوصًا في هذا الزمان، لم تسلم الأرض من طغيان قوى الشر. فكما هي سنة اللَّٰه منذ القِدم أنه حين تنسى الدنيا اللَّٰه تعالى ويشرع الناس بالتوكل على الدنيا تاركين اللَّٰه تعالى، يرسل سبحانه وتعالى رسله لكي يقيموا عظمة اللَّٰه مجددا.

"لقد أورد اللَّٰه تعالى قصص الأمم السابقة لكي نتعظ بها فلا يجب أن ننسى الهدف من خلقنا. والهدف من خلق الإنسان كما هو معروف إنما هو عبادة اللَّٰه تعالى ليس إلاّ، وإنّ حالة الدنيا تبين اليوم بجلاء أن هذا صحيح مئة بالمئة. إذ إن المسلمين أيضا ـــ ناهيك عن غيرهم ـــ قد نسوا اللَّٰه تعالى وقد أصبح توجههم وسعيهم واهتمامهم مُنصَّب على الحصول على المنافع الدنيوية. والهدف من وراء بعثة المسيح الموعود عليه السلام هو أن يقيم في الدنيا التعليم القرآني الذي قام بواسطة النبي ﷺ قبل ١٤ قرنا، والذي أدى إلى إنشاء العلاقة بين اللَّٰه وعبده حيث كانت حقوق اللَّٰه وعباده وحقوق المجتمع ـــ إلى جانب العبادات ـــ أيضا تؤدَّى بحسب المبادئ التي علّمها اللَّٰه تعالى، وابتغاءً لمرضاته سبحانه وتعالى. كان المؤمنين جاهزين لتقديم نصف ما يملكونه من الوسائل لإخوتهم الآخرين بُغية سد حاجتهم، وذلك لينالوا رضا اللَّٰه تعالى ويتقربوا إليه سبحانه وتعالى ولكي ينقذهم اللَّٰه في ظروف صعبة بسبب قربتهم هذه".

(خطبة الجمعة لسيدنا أمير المؤمنين مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي بتاريخ 02/11/2009)

إذًا فهذا الصراع هو قوة خفية تتضارب بشكل مستمر، ويولّد احتكاكًا يمتد وميضه إلى أبعد الحدود، فالباطل أو قوى الشر تتمركز دائمًا في الوسط حتى تصيب الهدف من كل النواحي، وحتى تخدع كل من حولها بكل ما تملك من قوة. والحق بدوره يملك قوة روحية قادرة على تدمير الباطل بشكل إعجازي ، لأنه مدعومٌ  بقوة ربّانية لا يمكن لأي شيء إيقافها مهما كانت قوته... لذلك وجب الإتحاد والعمل بأوامره عز وجل، للوصول إلى هذه الدرجة .