خطاب أمير المؤمنين، حضرة ميرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) في اجتماع الواقفات ناو في المملكة المتحدة لعام 2024



 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.  

الحمد لله، تعقدن اليوم مرة أخرى اجتماعكن الوطني للواقفات ناو، ويضم مخطط الوقف ناو عضوات من السيدات والفتيات اللاتي وقف آباؤهن حياتهن لخدمة الدين قبل ولادتهن. واللواتي بلغن منهن من العمر 15 عامًا فما فوق، قد جددن بشكل مستقل هذا العهد النبيل بأن يبذلن حياتهن لخدمة دينهن.  

علاوة على ذلك، وبفضل الله، أصبحت العديد من عضوات الوقف ناو الأكبر سنًا أمهات، ويقمن الآن بتربية الجيل القادم من الواقفين الجدد. المسؤولية الملقاة على عاتق هؤلاء الأمهات مضاعفة. فلا يتعين عليهن أن يسعين جاهدات للوفاء بمتطلبات عهدهن فحسب، بل عليهن أيضًا أن يسعين إلى غرس تلك القيم الأخلاقية والصفات الاستثنائية في نفوس أطفالهن والتي ينبغي أن تكون السمة المميزة للوقف الجديد.

والواقع أن المسؤولية الأساسية لهؤلاء النساء هي ضمان التربية الأفضل لأطفالهن بحيث يتم غرس التعاليم والقيم الإسلامية في نفوسهم منذ الصغر، ويصبحون خادمين مخلصين لدينهم. ولذلك فإن السلوك الشخصي للأمهات الأحمديات يجب أن يكون دائما حسنًا وفاضلًا.

علاوة على ذلك، يجب على هؤلاء النساء أن يُفهِمْن أزواجهن الأهمية الأساسية للتمسك بأهداب التقوى في جميع الأوقات. وعندها فقط ستضعن الأساس ليكبر أولادكن على أعلى وأحسن الأخلاق، وستلهمنهم لإقامة علاقة متينة مع الله تعالى.

ولذلك فمن الأهمية بمكان أن تكون بيوتكن مملوءة بالفضيلة والتقوى وبعبادة الله تعالى قبل كل شيء. بالتأكيد، كعضوات في الوقف ناو، عليكن دائمًا المحافظة على الصلاة وأن تتأكدن من أداء كل صلاة في وقتها المحدد وبخشوع وإخلاص وتركيز عميق حتى تتمكنّ من تطوير رابطة الحب والولاء المتينة مع الله تعالى. 

وكذلك، في كل صلاة، اسجدن لله وادعين أن ينشأ أطفالكن على التقوى والصدق والثبات على دينهم. ادعين أن يطوروا علاقة أبدية مع الله تعالى ويصبحوا مستعدين دائمًا لخدمة دينهم.

وبالمثل، على الواقفات ناو اللواتي لم يتزوجن بعد، سواء كن شابات في لجنة الإماء أو الناصرات، أن يفهمن أن هدفهن الأساس هو تطوير رابطة الحب والولاء الخالص مع الله تعالى والوسيلة الأساسية لتحقيق ذلك هي أداء الصلوات الخمس.

إن أداء صلاتين أو ثلاث صلوات فقط في اليوم لا قيمة له، بل عليكن أداء الصلوات الخمس كلها بانتباه وعاطفة قلبية في أوقاتها المقررة. ادعين الله دائما أن يوفقكن للصلاح وفعل الخير والسير على الطريق المذهّب الذي يؤدي مباشرة إلى قرب الله ورضوانه، ويكون سببا لنيل ثوابه تعالى.

تذكرن أنه لا يمكنكن تحقيق أهدافكن الدينية إلا من خلال الصلاة وإقامة علاقة صادقة مع الله، بحيث تصبحن مستعدات وراغبات في تقديم أي تضحية من أجله. وإلا فإن البقاء ضمن مخطط الوقف ناو لا طائل منه ولا معنى له. 

استلهمن من النساء الصالحات اللاتي سبقنكن. على مر التاريخ، قدم عدد لا يحصى من النساء من جماعات الأنبياء تضحيات بارزة من أجل إيمانهن ومعتقداتهن الدينية.  

على سبيل المثال، أظهرت تلميذات عيسى (عليه السلام) شجاعة وإخلاصًا هائلين لإيمانهن، ولا يزال المسيحيون يفتخرون بالتضحيات التي قدمتها تلك النساء التقيات اللاتي نقلن تعاليم المسيح (عليه السلام) ليل نهار، وظللن مخلصات له ولإيمانهن تمامًا حتى في أوقات المحنة الكبرى. فعندما علق المسيح (عليه السلام) على الصليب، هرب جميع تلاميذه الذكور خوفًا، بينما بقيت تلميذاته مخلصات له على الرغم من التهديد الخطير بالعقاب والاضطهاد من قبل السلطات الحاكمة. وقد وجدن القبر الذي وضع فيه عيسى (عليه السلام) بعد إنزاله عن الصليب وقمن بعلاج جراحه ونقله إلى بر الأمان.

أثبتت تلك النساء التقيات أنهن على استعداد لتقديم كل التضحيات الممكنة في سبيل دينهن.

علاوة على ذلك، في عهد النبي ﷺ، وصلت التضحيات المذهلة والخدمة الاستثنائية للدين التي أظهرتها النساء المسلمات إلى الذروة، وستظل إلى الأبد مثالاً للبشرية جمعاء. لقد ركزت النساء المسلمات الرائدات بشكل كبير على تعلم دينهن وتحقيق فهم عميق لمعتقداتهن وممارساتهن الدينية. وفي المقابل، غرست فيهن المعرفة التي اكتسبنها الشجاعة والحماس لنشر دينهن للآخرين.  

على سبيل المثال، غالبًا ما نقدم مثال الشجاعة والإيمان المذهلين اللذين أظهرتهما أخت حضرة عمر (رضي الله عنه). لم تقبل الإسلام باللسان من خلال التلفظ بالشهادتين فقط، بل كانت كل ذرة من كيانها مشبعة برغبة عارمة لتعلم تعاليم القرآن الكريم حتى تتمكن من العمل بكل أمر من أوامره.  

وعلى هذا النحو، دعت أحد صحابة النبي ﷺ إلى منزلها، فقرأ القرآن وشرح لها ولزوجها معانيه. وكما تعلم الكثيرات منكن، خلال هذا الدرس وصل أخوها، حضرة عمر (رضي الله عنه) بشكل غير متوقع إلى منزلها. ولأنها تعلم أن شقيقها كان عدوًا لدودًا للإسلام، فقد أخفت المعلم المسلم قبل السماح له بالدخول. كان سيدنا عمر (رضي الله عنه) يشتبه في أن أخته وزوجها قد اعتنقا الإسلام وقد سمع تلاوة القرآن الكريم وهو قرب الباب.

وعند دخوله تأكدت شكوكه ولم يستطع السيطرة على غضبه. فاندفع بقوة إلى الأمام ولكم صهره، لكن أخته ركضت نحوه بتحدٍ وشجاعة لا تصدق وحمت زوجها. ونتيجة لذلك، تعرضت لضربة عنيفة على وجهها. ولكن حتى مع تدفق الدم من أنفها، لم تتراجع أو تصب بالخوف. وبدلاً من ذلك، وبشجاعة هائلة ومطلقة، قالت لسيدنا عمر (رضي الله عنه) أن بإمكانه أن يفعل ما يشاء ولكنهما لن يتخليا أبدًا عن الإسلام.

كان لرؤية إيمان أخته وشجاعتها تأثيرًا عميقًا على سيدنا عمر (رضي الله عنه). فهدأ غضبه فجأة وشعر بالخجل والإحراج لأنه تسبب في أذيتها، ثم طلب رؤية القرآن الكريم. فوضعت أخته في البداية بعض الشروط ثم دعت الصحابي (رضي الله عنه) من مخبأه ليقرأ القرآن.

عندما سمع آيات القرآن الكريم تتلى، تأثر قلب سيدنا عمر (رضي الله عنه) من نقائها وعظمتها. وفي تلك اللحظة، تغيرت حياته بالكامل. فبعد أن دخل منزل أخته كمعارض شرس للإسلام، غادره مقتنعًا بصدقه. وذهب على الفور إلى رسول الله ﷺ وأشهر إسلامه.

حدث كل هذا بسبب الشجاعة اللامحدودة لامرأة واحدة، والتي كانت شجاعتها وإيمانها الحازم وسيلة لجلب سيدنا عمر (رضي الله عنه) إلى حظيرة الإسلام.

وبالمثل، في سلسلة خطب الجمعة التي ألقيها عن صحابة النبي ﷺ، قد تحدثت عن العديد من النساء المسلمات المتميزات مثل حضرة أم عمارة (رضي الله عنها) التي قدمت تضحيات هائلة وأظهرت ثباتًا لا يصدق في سبيل الإسلام.

لقد شاركت الصحابيات في المعارك بلا خوف، وقاومن بصبر الاضطهاد المروع وأمضين حياتهن كلها في خدمة الإسلام. لقد أظهرن الحب والطاعة غير المشروطة للرسول ﷺ، وكن بمثابة مثال خالد للنساء والفتيات المسلمات الأحمديات، ولا سيما أنتن عضوات مخطط الوقف ناو.

وهكذا، وبصرف النظر عن دراسة القرآن الكريم وغرس محبة الله تعالى، يجب أن يكون هدفنا الأول تنمية الحب العميق والصافي لرسول الله ﷺ في قلوبنا. عندما تتشكل مثل هذه الرابطة، سوف تسعين تلقائيًا للعمل وفقًا لكافة تعليمات الله تعالى ورسوله ﷺ. وعندها فقط ستتمكنّ من تسمية أنفسكن بالمسلمات الحقيقيات، وعندها فقط ستتمكن من أداء واجباتكن كواقفات ناو.

أسأل الله تعالى أن يوفقكن جميعًا لتلبية متطلبات والتزامات كونكن جزءًا من مخطط الوقف ناو. وعلاوة على ذلك، أدعو الله أن لا يكون هذا الاجتماع مجرد وسيلة لكن للالتقاء معًا طوال اليوم وقضاء الوقت بصحبة بعض. بل أرجو أن تتركن هذا الاجتماع برغبة شديدة في إحداث ثورة روحية وأخلاقية في أنفسكن والتزام ثابت بأن تعشن حياتكن كمسلمات حقيقيات. 

وأدعو الله أن تمتلكن جميعًا قناعة لا تتزعزع بصدق دينكن، حتى تتمكن من الرد بثقة ودون خوف أو تردد على كل من يطرح الأسئلة أو يطلق الادعاءات الكاذبة حول تعاليم الإسلام. وأدعوه تعالى ألا تقعن أبدًا فريسة لأي شعور بالحرج أو عقدة النقص بشأن إيمانكن ومعتقداتكن  الدينية.

وأدعو الله أن تكتسبن بالفعل القوة الداخلية والشجاعة لإظهار دينكن دون خوف، والعيش وفقًا لتعاليم الإسلام في جميع الأوقات. على سبيل المثال، عند بلوغكن سن الرشد، عليكن ارتداء الحجاب في الأماكن العامة وارتداء الملابس المحتشمة في جميع الأوقات. لا تخفن أبدًا مما سيقوله أو يفكر فيه الآخرون. وكنّ واثقات وفخورات بمن أنتن وما تمثلنه. وبالمثل، ركزن باستمرار على زيادة معرفتكن الدينية لأن الجهاد الحقيقي في هذا العصر هو جهاد تبليغ تعاليم الإسلام الرائعة في كل مكان. ومن المؤكد أن من واجب فتيات وسيدات الوقف ناو أن يلعبن دورًا بارزًا في التبليغ. أدعو الله تعالى أن يوفقكن لذلك.

وفي الختام، أدعو الله أن تحققن جميعكن هدفكن الديني والروحي بأفضل طريقة ممكنة، وأن تكنّ على استعداد دائمًا لتقديم كافة التضحيات اللازمة من أجل دينكن، وأن تكن جميعًا في الطليعة في إحداث ثورة روحية وأخلاقية في العالم آمين، جزاكن الله خيرا.

الآن انضممن إلي في الدعاء الصامت..