حقيقة العلاقة بين العبودية والربوبية



 

إن العلاقة بين الرجل والمرأة عابرة فانية، وأقول إن العلاقة الحقيقية الأبدية ذات اللذة المتجددة إنما هي العلاقة بين الله والإنسان. إنه لمما يصيبني باضطراب شديد وكرب عظيم ينخر نفسي برؤية أن الإنسان عندما لا يجد في الطعام لذةً يذهب إلى الطبيب ويتوسل إليه ويتزلَّف إليه بشتى الطرق، وينفق أموالا طائلة ويقاسي صنوف الآلام ليجد تلك اللذة الموجودة في الطعام، وأن العِنّين الذي لا يقدر على الاستمتاع بزوجته، يصاب بقلق شديد حتى يريد الانتحار أحيانا، وكثيرا ما تقع مثل هذه الوفيات، لكن آهًا لذلك الشقي ذي القلب المريض الذي لا يجد المتعة في العبادة ثم لا يسعى للعلاج. لماذا لا تزهق نفسه حزنًا وألما؟ إنه كم يتكبد العناء من أجل الدنيا ومسرّاتها، ولكن لا يوجد عنده نفس العطش والالتياع من أجل الراحة الحقيقية الأبدية. فيا لحرمانه ويا لشقاوته! يبحث عن العلاج من أجل المتع الآنية الفانية فيجِدُها، فكيف يمكن ألا يوجد ثمة علاج من أجل اللذة الدائمة الأبدية. إن علاجها موجود يقينا، ولكن البحث عنه يتطلب صبرا وثباتا.

 لقد ضرب الله تعالى في القرآن بعض النساء مثلاً للصالحين، وفي ذلك سرٌّ وحقيقة. ضرب الله للمؤمنين مثال مريم وآسية، ليبين أنه تعالى يخلق من المشركين مؤمنين. باختصار إن في ضرْب مثالِ النساء سرًّا لطيفا، وهو أنه كما أن هناك علاقة بين المرأة والرجل، كذلك ثمة علاقة بين العبودية والربوبية. فلو كان بين الزوجين حب ووئام، كان زواجهما مباركا ونافعا، وإلا تفكّك نظام بيتهما ولم تتحقق الغاية المتوخاة من زواجهما، وفسَد الرجل نتيجة الارتباط بالنسوة الأخريات ورجع بأنواع الأسقام والأمراض، وأصيبَ بالجذام نتيجة مرض الزهري وأصبح من المحرومين الأشقياء في هذه الدنيا نفسها، ولو وُلد في بيته أولاد، ظل هذا المرض ينتقل إلى أجيال وأجيال. وأما امرأته فتأتي بالفاحشة وتلطخ شرفها وعزتها، ولا تُنال الراحة الحقيقية بتلطيخ الشرف. فكم من عواقب وخيمة تترتب على انفصال الزوجين، كذلك تماما يصبح الإنسان مجذوما ومخذولا جراء انفصاله عن الزوج الروحاني سبحانه وتعالى، ويكابد من الآلام والمحن أشد مما يكابده الزوجان الماديان. فكما أنه توجد في زواج الرجل والمرأة متعة لبقاء النسل، كذلك توجد في علاقة العبودية والربوبية متعة من أجل البقاء الروحاني الأبدي. وقد قال الصوفية: مَن حظي بهذه المتعة آثرَها على سائر ملذات الدنيا ومُتعها، ولو جرّبها مرة واحدة في الحياة كلها لفني فيها. ولكن المشكلة أن كثيرا من الناس في الدنيا لم يدركوا هذا السر، فتكون صلواتهم مجرد نقرات. يقومون ويقعدون في الصلاة بقلب راغب عنها منقبضين ومتضايقين. ومما يبعثني على الأسف الأشد أنني أرى بعضهم لا يصلّون إلا ليزدادوا احترامًا وعزًّا عند أهل الدنيا، وبالفعل ينالون بصلاتهم بُغيتهم هذه، أعني أنهم يُعَدّون من المصلِّين والصالحين، وإنني أتساءل: لم لا يفكرون أنهم ما داموا قد نالوا هذا العز والاحترام بصلاتهم التي صلوها كذبًا وريًاء وبقلوب راغبة عنها، فكم سينالون من العز والدرجة لو صلّوا وعبدوا بصدق القلب؟ (الملفوظات، المجلد الأول).