الأثر ووهم الإنجاز، خاتم النبيين نموذجًا



                          

النفس البشرية تواقة دائمًا إلى الشعور بالسعادة المؤقتة الناتجة عن وهم الإنجاز. "فطبيعة الإنسان تقوده لرغبة تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون القيام بمجهود كبير. ابتداءا من إيقاف السيارة في موقف غير مناسب في محاولة لكسب المزيد من الوقت، وانتهاءا بخسارات فاجعة في سوق الأسهم بعد محاولة للربح السريع دون عمل." (1)

ولذلك نجد الإنسان يدور في حلقات مُفرغة لا توصله إلى شيء، وتتسبب في اكتئابه على المدى الطويل. ربما لطبيعة العصر الحداثي الذي نعيش فيه الدور في صبغة النفس البشرية على هيئتها الحالية.

في تجربة أشرف عليها الدكتور (والتر ميشيل) (2) منذ السبعينات، عرفت باسم (اختبار المارشميلو)، طُبقت على مجموعة من الأطفال ليختاروا ما بين الحصول على قطعة كوكيز أو مارشميلو بشكل فوري، أو الانتظار لمدة 15 دقيقة وسيحصلون على كمية كبيرة من الكوكيز والمارشميلو. في سبيل معرفة هل سيختارون المكسب الفوري والحصول على سعادة سريعة، أم الانتظار في سبيل المكسب البعيد.

قادت هذه الدراسة لنتيجة أصبحت كلاسيكية معروفة في عالم العلوم قد يصعب علينا تطبيقها الآن كبالغين، وهي: "أن الأطفال الذين يملكون قدرة على تأجيل سعادتهم باختيار الخيار الثاني، سينتهي بهم الحال على الأغلب بامتلاكهم فرص نجاح أفضل في المستقبل بالمقارنة مع أقرانهم الأخرين." (3)

إذا فالسعادة المؤقتة أو ما نُطلق عليه وهم الانجاز نابع من الرغبة في الحصول على إرضاء فوري، لا الرغبة في عمل انجاز حقيقي يتطلب وقت وجهد وعناء وصبر.

ما سبق يُحيلني إلى سؤال مهم:

هل الإنسان خُلق ليعيش جُل حياته باحثًا عن وهم سعادة/ إنجاز فوري مؤقت؟ أم ليفعل عمل حقيقي يترك من وراءه أثر؟

بنظرة على حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتربية الله له وباعتبار حضرته أسوة نتأسى بها، كان الهدف من حياته فعل شيء حقيقي ألا وهو (تبليغ الرسالة)، وهذا الفعل يتطلب وقت وجهد وابتلاء وصبر واختبار كافة الأخلاق والفضائل فيه حتى ينجح ويترك أثرًا فيما بعد. وليس الهدف من حياته هو السعادة الفورية ولا الانجاز الوهمي.

"فمن مقتضى مشيئة الله في الأنبياء والأولياء أن تظهر منهم كافة أنواع الأخلاق الفاضلة وتبلغ درجة التحقق والثبوت. ولتحقيق هذا الهدف يُقسم الله عمرهم النوراني إلى قسمين:

فقسم منه ينقضي بالضيق والمصائب وكل أنواع الإيذاء والتعذيب لكي تظهر أخلاقهم السامية التي لا يمكن ظهورها أو تحققها قط دون المصائب الشديدة....

والقسم الثاني من حياة الأنبياء والأولياء يضم في طياته فترة بلوغهم درجة الكمال في الفتح والازدهار والثراء." (4)

فمن أجل تحقيق شيء ملموس على أرض الواقع، كان لا بد من الوقت والجهد والاختبار ليتحقق المُبتغى. فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من حياته مُضطهدًا هو ومن اتبعه لأنه كان يُبلغ الرسالة، فنال التعذيب والإيذاء بدلًا من الإرضاء الفوري. ثم انتقل إلى مرحلة أخرى تجلت فيها رسالته وشملت بقاع الأرض قاطبة، وحقق الإنجاز الحقيقي، ورغم هذا الانجاز الكبير لم تتغير أخلاقه ولم تتبدل، بل تجلت للعالم كله ليظهر أثرها فيما بعد للأجيال الأخرى.

ولكي يترك الإنسان أثر ما، يجب أن يحدث ذلك من خلال المقاييس التالية:

" 1. يغير الأثر حياة الآخرين قبل استفادتنا منه بشكل مباشر.

2. لا يمكن قياس الأثر بشكل دقيق، لكن يمكن الشعور به.

3. لا يرتبط ترك الأثر بوقت محدد.

4. لا ينحصر الأثر غالبًا بدائرة  محددة.

5. يستمر حتى بعد وفاة الإنسان." (5)

ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حقق غاية ما بُعث من أجله، "إذ قد فتح الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم أبواب كنوز لا تُعد ولا تُحصى، فأنفقها كلها في سبيل الله ولم ينفق على نفسه منها مثقال ذرة. لم يُشيد لنفسه بناء وما أعد بلاطا، بل قضى حياته كلها في حجرة صغيرة من طين لم تكن أفضل من أكواخ الفقراء قط. لقد أحسن صلى الله عليه وسلم إلى المسيئين والذين كانوا يؤذونه، فقد أراحهم بماله عند تعرضهم للمصيبة.... وآثر الفقر على الثروة، والمسكنة على القدرة دائمًا. لم يعتمد على شيء سوى مولاه الكريم، وذلك منذ يوم بعثته إلى أن لقى رفيقه الأعلى. فقد صمد في المعارك مقابل آلاف الأعداء خالصا لوجه الله حين بدا القتل أمرا محتومًا، وبذلك أثبت شجاعته ووفاءه وصبره." (6)

"وهنا أجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له المثل الأعلى في ترك الأثر بكل تجرد. فيعلم كل المسلمين أنه لم يكن يعيش حياة مترفة، ولم يكن يمتلك أهدافًا قصيرة المدى في حياته وحتى وفاته، إنما انشغل في ترك الأثر وإيصال رسالة الإسلام حتى توفاه الله. وها نحن اليوم في عالم يضم أكثر من مليار مسلم يعيشون على الأثر المتروك من رسالته." (7)

هذا ما خُلقت عليه النفس البشرية، وجُبلت عليه الفطرة. أن نسعى ونعمل ونُحقق، أن نُبتلى ونختبر مبادئنا وأفكارنا، وأن نحقق انجازًا ملموسًا حقيقي. إنجاز نابع من كد وتعب ناتج عنه خدمة الغير وخدمتنا، وهذا كله عكس ما تفرضه الحداثة من وهم الإنجاز والارضاء الفوري المؤقت.

وهنا يأتي دورك كإنسان في الاختيار ما بين الحصول على قطعة كوكيز ومعها سعادة زائفة فورية؟ أم الانتظار في سبيل تحقيق هدف فعلي تكون نتيجته كثيرًا من المارشميلو والكوكيز على المدى البعيد؟

 

المصادر:

(1) وهم الإنجاز_ كيف يتحرك العامة؟ وماذا يحفزهم؟ لأحمد حسن مشرف. ص 1

(2) والتر ميشيل، عالم نفس أمريكي من أصل نمساوي. ولد 22 فبراير 1930 في النمسا، وتوفي 12 سبتمبر 2018 في نيويورك.

(3) وهم الإنجاز_ كيف يتحرك العامة؟ وماذا يحفزهم؟ لأحمد حسن مشرف. ص 44

(4) البراهين الأحمدية_ الأجزاء الأربعة. لحضرة مرزا غلام أحمد القادياني. ص 291، 292

(5) وهم الإنجاز_ كيف يتحرك العامة؟ وماذا يحفزهم؟ لأحمد حسن مشرف. ص 137، 138

(6) البراهين الأحمدية_ الأجزاء الأربعة. لـ حضرة مرزا غلام أحمد القادياني. ص 294، 295

(7) وهم الإنجاز_ كيف يتحرك العامة؟ وماذا يحفزهم؟ لأحمد حسن مشرف. ص 138