مع تزايد النزعة النباتية، لماذا لا يزال المسلمون يذبحون الحيوانات في العيد؟



 

إن التضحية تعني بالأساس التخلي عن شيء قيم وعزيز علينا. والتضحية بالحيوان في الإسلام، تعني ذبح حيوان سواء كان ماعز أو خروف أو بقرة، أو جمل، خاصة في المناسبات مثل عيد الأضحى. ويتم الاحتفال بهذا العيد لإحياء ذكرى إخلاص وتضحية النبي إبراهيم عليه السلام. لقد كان على استعداد لتقديم التضحية القصوى، وهي التضحية بابنه بأمر من الله تعالى، وكان ابنه إسماعيل عليه السلام مستعدًا أيضًا وراغبًا في الخضوع لإرادة الله والتضحية في سبيله. وهذا يعلّم المسلمين درسًا مفاده أن الإيمان بالله يتطلب الخضوع لإرادته، وعندها فقط يمكن للمرء أن يطور علاقة وثيقة مع الله. 

لقد وُضع إبراهيم عليه السلام في ظرف صعب، لكنه قام بواجبه في خدمة الله، وأظهر الصمود والإخلاص والتقوى. وقد أوضح المسيح الموعود عليه السلام الفلسفة وراء ذلك بقوله: 

"لم يتردد إبراهيم - عليه السلام - في ذبح ابنه تنفيذا لأمر الله تعالى، وفي ذلك إشارة خفية إلى أن على الإنسان أن يكون كلُّه للهِ تعالى وألا يكترث بالتضحية بنفسه وأولاده وأقاربه وأعزته أمام أمر الله تعالى".

قد يتساءل أحد هنا، إذا كان الغرض الحقيقي من التضحية هو تحقيق التقدم الروحي، فما هو الهدف من التضحية بالحيوان؟ 

من الضروري أن نفهم الروح الحقيقية للتضحية ورمزيتها المقدسة، وقد شرح المسيح الموعود عليه السلام فلسفة أضحية الحيوان التي تقدم وقت العيد وقال: 

"وَقَدْ عُدَّ هَذَا العَمَلُ فيِ مِلَّتِنَا مِمَّا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهْ، وَحُسِبَ كَمَطِيئَةٍ تُحَاكِي البَرْقَ فيِ السَّيْرِ وَلُمْعَانَهْ. فَلأَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ الضَّحَايَا قُرْبَانًا، بِمَا وَرَدَ أَنَّهَا تَزِيدُ قُرْبًا وَلُقْيَانًا، كُلَّ مَنْ قَرَّبَ إِخْلاَصًا وَتَعَبُّدًا وَإِيمَانًا"

وقد أوضح المسيح الموعود عليه السلام أيضًا أن الاحتفال بعيد الأضحى هو لتذكير المسلمين بتطهير أرواحهم، وقلوبهم، حيث قال:

"أخبروني بعد التأمل، كم هم الذين ينتبهون بسبب العيد إلى تزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم، ويحصلون على حظٍّ من الروحانية، ويسعون للاقتباس من ذلك النور الذي وُضِع في هذا الضُحَى؟"

تعد القسوة على الحيوانات وسوء رعاية الحيوانات من الأسباب الرئيسة التي تدفع الناس إلى الابتعاد عن تناول اللحوم. ويستغل الإسلام فرصة عيد الأضحى لتعليم المسلمين الرحمة وتعزيز الرفق بالحيوان، حيث لا يُسمح للمسلمين بالتضحية إلا بالحيوانات التي تجاوزت سنًا معينًا، والتي يتم تربيتها ورعايتها بشكل جيد. ومن المهم ملاحظة أنه كما هو الحال مع جميع اللحوم الحلال، يتم التضحية بالحيوان بطريقة إنسانية قدر الإمكان، حيث يتلى اسم الله أثناء ذبح الحيوان، لتذكير المسلمين بالتواضع لأن كل شيء لله تعالى وإليه يعود. 

وهناك ملاحظة مهمة وهي أن التضحية بالحيوان ليست فقط من أجل العرض أو الرياء؛ إنها تخدم غرضًا اجتماعيًا أوسع، حيث يتم إعطاء ثلث اللحوم للفقراء، وأيضا يتم توزيع الثلث بين الأصدقاء والعائلة لتعزيز الانسجام والوئام المجتمعي. وهكذا فإن التضحية في عيد الأضحى تعزز الرحمة والمحبة لعباد الله. 

وفيما يتعلق بذبح الحيوانات، يقول الله تعالى: "لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ" (سورة الحج، الآية 38). وهكذا فإن الاحتفالات الدينية بعيد الأضحى والتضحية بالحيوان هي وصايا تعزز الرحمة والقيم الأخلاقية والمعنوية. 

يوضح القرآن الكريم أن الهدف الرئيس من التضحية بالحيوان هو التقدم في التقوى والصلاح. إن أكل لحم أضحية العيد هو بمثابة تذكير للمؤمنين بأن الله تعالى هو الأعلى، ولذلك ينبغي للإنسان أن يخصص كل مساعيه من التضحية والاستسلام والإخلاص لله تعالى فقط.  

إذن فالفلسفة الأساسية للتضحية الإسلامية هي التخلي عن الشكل الأدنى من المكاسب من أجل الحصول على  الشكل الأعلى من النجاح. إن النجاحات والإنجازات الدنيوية مؤقتة وصغيرة مقارنة بالنجاح الحقيقي في إيجاد الله. ومن ثم فإن الإسلام يأمر أتباعه بالتخلي عن العالم المادي وممتلكاته لتحقيق النصر النهائي للقرب الإلهي. إن تضحية عيد الأضحى هي تذكير للمسلمين بعمل الخير ومشاركة الاستعداد للتضحية في سبيل الالتزام بوصايا الله كما فعل أنبياؤه وأتباعهم. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك. آمين.