ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تلفورد، في 21/11/2025



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تلفورد، في 21/11/2025، حيث قال:

كَانَ وَرَاءَ غَزْوَةِ تَبُوكَ مُؤَامَرَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا فَشِلَتْ مَخَطَّطَاتُهُمْ وَعَجَزُوا عَنْ القضاء على الْإِسْلَامِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَفَشِلَتْ مُحَاوَلَاتُ قَتْلِهِ ﷺ، كَانَتْ هَذِهِ الْخُطَّةُ آخِرَ سِلَاحٍ لَهُمْ. وَلَوْلَا النَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ الْإِلَهِيُّ، لَكَانَتْ أَكْثَرَ مُحَاوَلَاتِ الْمُنَافِقِينَ نَجَاحًا، وقد نَفَّذُوها كَمَا يَلِي: كان فِي طريق الْعَوْدَةِ وَادٍ وَاسِعٌ، وَطَرِيقٌ ضَيِّقٌ يَمُرُّ بِوَادٍ عَالٍ وَعَسِيرٍ، وَكَانَ عَلَى الْجَيْشِ الْمُرُورُ مِنه. فخَطَّطَ الْمُنَافِقُونَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عِنْدَ ذُرْوَةِ الْوَادِي عِنْدَمَا يَمُرُّ الْجَيْشُ كُلُّهُ وَيَحْدُثُ ازْدِحَامٌ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، فَيَقْتَرِبُوا مِنْ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْفَعُوهَا بِالْقُوَّةِ إِلَى حَافَّةِ الْوَادِي، وَيَقْطَعُوا حِبَالَ الرحل، فَتُلْقِي بِهِ ﷺ فِي الْهَاوِيَةِ والعياذ بِاللَّهِ، أَوْ تَسْقُطَ مَعَهُ، وَفِي ظَلَامِ اللَّيْلِ سيُعْتَبَرُ ذلك حَادِثًا وَلَن يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أنه هُجُومٍ قَاتِلٍ.

لَكِن اللَّه تَعَالَى قد أعلم النَّبِيَّ بِهَذِهِ الْمُؤَامَرَةِ، فَأَعْلَنَ ﷺ أَنْ لَا يَمُرَّ أَحَدٌ مِنَ الْعَقَبَةِ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ثَلَاثَةِ صَحَابَةٍ: حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأَمَرَ بَاقِيَ الْجَيْشِ بِالْمُرُورِ مِنَ الْوَادِي الْوَاسِعِ. أَفْسَدَ هَذَا التَّغْيِيرُ الْمُفَاجِئُ خُطَّة المنافقين، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَتْرَاجَعُوا عَنْ نِيَّتِهِمِ الْخَبِيثَةِ، فَاخْتَارُوا ١٢ أَوْ ١٥ رَجُلًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَغْطِيَةِ وُجُوهِهِمْ بِالْعَمَائِمِ، وَالِانْطِلَاقِ سَرِيعًا إِلَى الْعَقَبَةِ، وَإِرْعَابِ النَّاقَةِ وَدَفْعِهَا حَتَّى يَحْدُثَ الْحَادِثُ الْمَأْمُولُ والعياذ بِاللَّهِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَفِيمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ فِي الْعَقَبَةِ سَمِعَ أَصْوَاتَهُمْ، فَاقْتَرَبُوا وَأَرْعَبُوا النَّاقَةَ فَسَقَطَ بَعْضُ الْأَمْتِعَةِ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ حُذَيْفَةَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِمْ وَطَرْدِهِمْ، فَضَرَبَ حُذَيْفَةُ دَوَابَّهُمْ بِالْعَصَا. عَرَفَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَلِمَ بِمَكْرِهِمْ، وَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يُعْرَفُوا فَنَزَلُوا سَرِيعًا وَاخْتَلَطُوا بِالْجَيْشِ.

يقُولُ حُذَيْفَةُ: لَمَّا وَصَلْنَا الْعَقَبَةَ حَجَبَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فِيهَا. فَلَمَّا أَعْلَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَادَاهُمْ فَوَلَّوْا هَارِبِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ عَرَفْتُمُوهُمْ؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ نَعْرِفْهُمْ لِأَنَّهُمْ مُتَنَكِّرُونَ لَكِنَّنَا عَرَفْنَا دَوَابَّهُمْ. قَالَ: «هَؤُلَاءِ مُنَافِقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. هَلْ تَعْلَمُونَ مَا أَرَادُوا؟» قُلْنَا: لَا. قَالَ: «أَرَادُوا أَنْ يَزْدَحِمُوا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي الْعَقَبَةِ وَيُلْقُوهُ مِنْهَا». قُلْنَا: أَلَا نَكْتُبُ إِلَى قَبَائِلِهِمْ أَنْ يَبْعَثُوا بِرُؤُوسِهِمْ؟ قَالَ: «لَا، لَا أُحِبُّ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».

لَمَّا أَصْبَحَ الصُّبْحُ جَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَيِّدُ الْأَوْسِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ النبي ﷺ بما حدث، فقَالَ أُسَيْدُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أْمُرْ كُلَّ قَبِيلَةٍ أَنْ تَقْتُلَ مَنْ كَانَ فِي الْمُؤَامَرَةِ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَتْرُكُهُمْ هَكَذَا؟ مَتَى نَنْتَهِي مِنْ مُدَارَاتِهِمْ وَهُمْ الْيَوْمَ قَلِيلُونَ مَذْلُولُونَ وَقَدْ ثَبَتَ الْإِسْلَامُ؟» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّدًا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَرْبِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدَأَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ». قَالَ أُسَيْدُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَصْحَابًا». قَالَ ﷺ: «أَلَيْسُوا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَ: «بَلَى، لَكِنْ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ». قَالَ ﷺ: «فَبِاعْتِرَافِهِمْ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ لَا أَقْتُلُهُمْ».

بعد فتح مكة ازدادت وتيرةُ مؤامرات المنافقين، ولما رأوا أن قبائل العرب المحيطة – بما فيها قبائل اليهود – قد فقدت قوتها وخضعت، خططوا لاستجلاب العون من قوى خارجية كبيرة مثل الروم، ووضعوا برنامجًا لبناء مركز دائم في المدينة يجتمعون فيه باستمرار للتآمر على الإسلام والمسلمين، ولتخزين الأسلحة وغيرها، لكن هذا المركز يجب أن يكون بحيث لا يُثير شكوك المسلمين الآخرين. وفجأة ظهر أبو عامر – الذي كان غائبًا مدة – وأخذ المنافقون يلقبونه بـ «أبي عامر الراهب». واقتُرح عليه أن يبني مسجدًا في قباء.

كان أبو عامر ينتمي إلى الأوس. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ذهب أبو عامر إلى مكة وحرَّض قريشًا على حرب النبي ﷺ وشارك معهم في غزوة أحد. ولما رأى ازدهار الإسلام احترق قلبه حسدًا، وهو الذي أمر بحفر الحفر في أُحد فوقع النبي ﷺ في إحداها فأصيب إصابة شديدة. ولما بدأت معركة أحد نادى قومه: «يا معشر الأوس! أنا أبو عامر!» فردُّوا عليه: «لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق!» فلعنوه وشتموه، فقال: «لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ عظيم!»

ورد في رواية أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة التقى بأبي عامر، فسأله أبو عامر: «إلى أي شيء تدعو يا محمد؟» فقال ﷺ: «أدعوك إلى دين الحنيفية الذي كنت تدَّعي أنك تبحث عنه». فقال: «أفأنت على ذلك الدين؟» قال: «نعم». ثم دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام فأبى، وسبَّ النبيَّ حسدًا، وقال مستهزئًا: «أيُّنا كاذب فليُمِت الله غريبًا طريدًا!» (يقصد النبي ﷺ)، فردَّ النبي ﷺ: «أجل، إن الله يفعل ذلك بالكاذب». ثم ظل أبو عامر يصدُّ قومه عن طاعة رسول الله ﷺ، بينما كانت معجزات النبي ﷺ وكراماته تتوالى يومًا بعد يوم، فازداد غيظ أبي عامر، فتعاون مع المنافقين لبناء مسجد يُعرف في التاريخ بـ «مسجد ضرار»، ليجمعوا فيه الناس ويصدُّوهم عن رسول الله ﷺ.

 

وفي رواية أن أبا عامر قال لأتباعه: «ابنوا مسجدًا وأعدُّوا ما استطعتم من قوة وسلاح، فأنا ذاهب إلى قيصر الروم لآتي بجيش جرار فنخرج محمدًا وأصحابه من المدينة». فتوجه أبو عامر إلى الشام ولقي قيصر، وحرضه على حرب المسلمين قائلًا: «إنهم قوم ضعفاء فقراء قليلون، أعداؤهم كثيرون، لا تخش شيئًا منهم، وإن تركتهم اليوم سيكونون خطرًا على مملكتك غدًا». فأكرمه قيصر الروم هرقل ووعده بالنصرة. وكتب أبو عامر إلى أتباعه يبشرهم بقرب قدوم جيش عظيم، ويأمرهم بإعداد مكان خاص له، فعمد المنافقون إلى بناء مسجد في قباء، وهو مسجد ضرار المشهور. ومات أبو عامر في الشام غريبًا وحيدًا.

لما فرغ المنافقون من بناء المسجد جاءوا إلى النبي ﷺ وطلبوا منه أن يصلي فيه. وقد اقتضت حكمة الله أن يأتوا بهذا الطلب حين كان النبي ﷺ يتهيأ لغزوة تبوك، فقالوا: «يا رسول الله، بنينا مسجدًا للضعفاء والمرضى، فنحب أن تأتي فتصلي فيه». فقال ﷺ: «إني على سفر، وإذا رجعنا إن شاء الله صلينا فيه».فلما رجع النبي ﷺ من تبوك ونزل بذي أوان وهي على ساعة من المدينة، نزلت الآية الكريمة:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فدعا النبي ﷺ مالك بن الدخشم وعَدِيّ بن معن وأمرهما بهدم مسجد ضرار.

هذه من أبرز أمثلة رحمة النبي ﷺ الواسعة، وسعة صدره، وعفوه. فمع كل هذه المؤامرات الخطيرة التي تصل إلى حد القتل والإيذاء، كان ﷺ يعفو عن المنافقين كلما أمكن، ولا يعاقبهم إلا إذا كان هناك خطر على الدولة، وحتى في هذه الحالة لا تتجاوز العقوبة إزالة الخطر فقط، مع أنه كان يملك السلطة لإيقاع أقسى العقوبات.