ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 19/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 19/12/2025، والتي استهلها بقوله تعالى:
"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا"
ثم قال:
سأل أحدهم السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي ﷺ، فقالت: "ألم تقرأ القرآن؟ لقد شهد الله تعالى بأخلاق النبي ﷺ بقوله: "وَإنك لعلى خُلقٌ عَظِيمٌ"
لقد أرسى النبي ﷺ أعلى المعايير في أداء حقوق الله وحقوق الإنسان. ولذلك قال الله تعالى إنه الأسوة الحسنة التي علينا الاقتداء بها.
قد يحقق البعض في الدنيا، نجاحًا في مجالٍ معين، فيُكافأون ويُكرَّمون تقديرًا لإنجازاتهم. إلا أن هذا التكريم يكون من الحكومات أو اللجان التي اختيرت لهذه المهمة. ولكن لم يسبق لأمة بأكملها أن اتفقت بالإجماع على الاعتراف بعظمة شخص ما، كما هو الحال مع النبي ﷺ. في الواقع، حدث هذا حتى قبل نبوته، عندما أطلق عليه قومه "الصادق الأمين".
وبما أن الله نفسه قد شهد بأن النبي ﷺ هو الأسوة الحسنة لنا، فعلينا أن نقتدي بأسوته ونلتزم بكل ما قاله وفعله لأن كل ذلك مبني على القرآن الكريم.
وسأقدم اليوم أمثلة من جوانب مختلفة من حياة النبي ﷺ، وأولها أسوته في أداء حقوق الله وعبادته. فقد كرّس النبي ﷺ حياته كلها لحب الله، وعاش وهو يتحمل مسؤوليات جسيمة، كإرساء الشريعة وتعليم الناس. وكما ذكر المسيح الموعود (عليه السلام)، فقد بُعث ﷺ إلى قوم متوحشين، ثم جعلهم بشرًا، ثم جعلهم بشرًا متعلمين، ثم جعلهم من أهل الله. كان هذا جهدًا عظيمًا، ومع ذلك لم يتوانَ ﷺ قط عن عبادته. كما واجه هجمات من الأعداء، ومع ذلك لم يتخلَّ عن أداء حقوق عبادة الله في كافة الظروف. وكان معيار صلاته أنه كان يقوم نصف الليل. روت السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ ذات مرة وهو يصلي: "لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلماذا كل هذا؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورا".
لقد أنعم الله على النبي ﷺ بنعمة عظيمة، فجعله خاتم الأنبياء، وأنزل عليه القرآن الكريم، فكان صلى الله عليه وسلم شاكرًا جدًا، وعبر عن ذلك بالصلاة.
وقد أنعم الله علينا بنعم عظيمة، لذا فمن الطبيعي أن نشكره ونعبده. فالله لا يحتاج إلى عبادتنا. ولكن النعم الروحية والدنيوية التي أنعم بها علينا تستوجب شكره.
كان النبي ﷺ كلما سمع كلام الله تغرورق عيناه بالدموع، لا سيما عند سماعه الآيات التي تُذكّره بمسؤولياته. ذات مرة، طلب ﷺ من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن يقرأ عليه القرآن الكريم. فقال: "أأقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟" فأجابه ﷺ إنه يحِبُّ أن يسمَعَه من غيرِه. فبدأ عبد الله بقراءة الآيات التي تتضمن قوله تعالى: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا". عند سماع ذلك، بكى النبي (صلى الله عليه وسلم) وطلب منه أن يتوقف. كان يبكي على قومه خشية أن يفعلوا ما يستوجب عليه الشهادة ضدهم. فعلينا أن نحذر من التصرف بما يستوجب شهادته ﷺ ضدنا.
لقد كان النبي ﷺ حريصًا على أداء الصلاة حتى في أشد مرضه. وفي مرضه الأخير، مع أنه يجوز في مثل هذه الظروف أداء الصلاة في حالة الاستلقاء، إلا أنه ﷺ ذهب إلى المسجد ليصلي واثنان من الصحابة يسندانه.
كذلك كان لرسول الله ﷺ أسلوبٌ عظيم في تعليم الناس وإظهار عظمة الله في الوقت نفسه. في ذلك الزمان، كان شائعًا أن يصفق الناس للفت الانتباه إلى شيء ما. فعلّمهم النبي ﷺ أن الأفضل تمجيد الله. فذات مرة كان (صلى الله عليه وسلم) مشغولاً بأمرٍ ما، فأمر أبا بكر (رضي الله عنه) أن يؤمّ المصلين. ثم ذهب النبي إلى المسجد، وعندما وصل، كان سيدنا أبو بكر قد بدأ الصلاة. ولما رأى الناس النبي (صلى الله عليه وسلم) في المسجد، بدأوا بالتصفيق ليُنبهوا أبا بكر إلى وجود النبي ﷺ فتنحى أبو بكر مُفسحًا المجال للنبي ﷺ ليؤمّ المصلين. وبعد الصلاة، قال النبي ﷺ لأبي بكر إنه كان عليه أن يكمل الصلاة. فأجابه: كيف لابن أبي قحافة أن يؤمّ المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر؟ ثم خاطب النبي ﷺ الناس قائلًا إنه لا يجوز التصفيق أثناء الصلاة، وإذا لزم لفت الانتباه إلى شيء ما في الصلاة، فيجب ذكر اسم الله تعالى.
ومع حرصه على الصلاة، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يتخذ الناس إجراءات غير ضرورية. فعلى سبيل المثال، رأى مرة حبلًا مُعلقًا في المسجد، فسأل عنه، فقيل إنه للسيدة زينب رضي الله عنها، لأنها عندما تشعر بالتعب أثناء الصلاة واقفة، تستخدم الحبل ليساعدها على الوقوف. فقال (صلى الله عليه وسلم): لا حاجة لذلك، بل ينبغي الصلاة ما دامت هناك قدرة بدنية.
وهذا لا يعني أن يُصلي المرء بسرعة متذرعًا بالتيسير، بل يجب أن تُؤدى الصلاة بتأنٍّ. ذات مرة، جاء رجل إلى المسجد بعد انتهاء صلاة الجماعة، فصلى ثم انضم إلى مجلس النبي (صلى الله عليه وسلم). فأمره (صلى الله عليه وسلم) أن يعود ويُصلي مرة أخرى، وتكرر ذلك ثلاث أو أربع مرات. أخيرًا، سأل الرجل النبي (صلى الله عليه وسلم) عما ينبغي عليه فعله. فأجابه (صلى الله عليه وسلم): أن يُصلي بتأنٍّ.
وكان النبي ﷺ ينفر بشدة من الشرك بالله، وفي مرضه الأخير أعرب عن حزنه على الأقوام السابقة التي حوّلت قبور أنبيائها مساجد.
وأظهر النبي ﷺ تواضعًا كبيرًا أمام الله. فرغم يقينه برضا الله، إلا أنه قال إن المغفرة ودخول الجنة لا يكونان إلا بفضل الله وحده، وليس بأعماله.
وشدد على تحمل المسؤولية الشخصية، فعندما نصح سيدنا عليّ والسيدة فاطمة رضي الله عنهما بشأن صلاة التهجد، صحح بلطف ميلهما إلى عزو التقصير إلى قضاء الله وقدره بدلًا من تحمل المسؤولية الشخصية. كما علّم أن العبادة تشمل الاستخدام الصحيح للحواس: فالعينان والأذنان وسائر الحواس يجب استخدامها بتجنب المناظر المحرمة والكذب والإشاعات، لأن إساءة استخدام هذه النعم إثم.
روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما خُيِّر بين طريقين، اختار الأسهل ما لم يكن فيه إثم، أما إذا كان فيه معصية، فكان يختار الطريق الأصعب.
وفي حياته الزوجية، كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا يُحتذى في معاملة زوجاته بالعدل والصبر واللطف. وظل وفيًا لخديجة رضي الله عنها حتى بعد وفاتها، يُكرم صديقاتها ويتأثر عند ذكرها. ففي غزوة بدر، عندما رأى عقدها الذي أرسلته له زينب رضي الله عنها فديةً لزوجها، طلب من الصحابة بكل احترام إعادته إن رضوا بذلك، ففعلوا ذلك بسرور. وكان كثيرًا ما يتحدث عن دعم خديجة رضي الله عنها الاستثنائي له.
ومنذ صغره، أظهر النبي صلى الله عليه وسلم خُلُقًا رفيعًا. فرغم المشقة في بيت عمه، لم يتذمر قط ولم يُبدِ أي استياء، بل ظل صبورًا كريمًا. وفي أواخر حياته، استمر في معاملة أقاربه أنفسهم بلطف وعناية. كان صبره لا يُضاهى؛ فرغم وفاة سبعة من أبنائه، لم يتذمر قط. وعندما نصح أمًا ثكلى بالصبر، قالت له لو مات لك ابنك لعرفت هذا الألم فذكر لها النبي صلى الله عليه وسلم بهدوء أنه قد مات له سبعة أبناء.
وكان صبره أيضًا لافتًا للنظر. فعندما ناداه رجل يهودي باسمه بقلة احترام، منع أصحابه من الرد عليه بقسوة. وفي تعاملاته اليومية، كان مثالًا يُحتذى به في الأخلاق: يسمح للناس بمصافحته لفترات طويلة، ويعطي السائل، وينصح المخلصين بالتوكل على الله، كل ذلك دون تذمر أو شكوى.
وفي ختام الخطبة دعا أمير المؤمنين نصره الله أن يوفقنا الله لاتباع أسوة النبي ﷺ، وأن نكون مسلمين حقيقيين، وأن ننشر رسالته في أرجاء العالم، وأعلن أنه سيصلي الجنازة على بعض المرحومين.
