ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 16/01/2026



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 16/01/2026، حيث تحدث عن حب النبي ﷺ لله، قائلاً:

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ.

فكان النبي ﷺ يقصد حراء شوقا لعبادة الله وحبًّا بمحبوبه، بعيدًا عن أعين الناس.

يقول المسيح الموعود (عليه السلام): "لقد فنى النبي ﷺ في حب الله تعالى لدرجة كان يجد اللذة والمتعة الكاملة في ذلك. فكان يمضي عدة ليالٍ وحيدا في مكان لم تتوفر فيه أسباب الراحة والرفاهية قط بل يستوحش الإنسان من الذهاب إليه. وهذا يُثبت كم كان النبي رمضان شجاعا وباسلا. عندما تتوطد علاقة المرء بالله تتولد فيه الشجاعة تلقائيا، فالمؤمن لا يكون جبانا. أما الناس الماديون فيكونون جبناء لا توجد الشجاعة فيهم.

يعترض بعض الناس حين يسمعون أنه كلما تكون علاقة المرء قوية مع الله يحب الخلوة، ويقولون لماذا يكون للأنبياء الزوجات والأولاد إذًا؟ وهم يمشون في الأسواق ويأكلون ويشربون! ولكن من المؤسف أن المعترضين لا يفكرون أنه ينطبق مثل أحد الشخصين، منهم يتسول على باب أحد، والآخر يذهب لزيارة صديقه فقط. فإذا قدّم له صديقه طعاما فاخرا فما خطأ الزائر فيه. ولا شك أن الصديق يتلذذ في هذا الطعام أما المتسول فيُعطى كسرة من خبز جاف، وإذا توقف أكثر طُرد من الباب. والصديق لا يُعامَل هذه المعاملة بل يستمتع المضيف نفسه بطول إقامته عنده وأكله وشربه.

المبدأ نفسه ينطبق على الأنبياء والمبعوثين، أي ما يجدونه لا يكون نتيجة أهوائهم النفسانية بل يجدون جُلّ متعتهم وسعادتهم في ذكر الله تعالى ويحبون العزلة في الحقيقة حيث يقدمون أمام حبيبهم أمانيهم القلبية".

وكتب عليه السلام:

"يقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} ويقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. ففي حياة صحابة النبي ﷺ أسوة حسنة وقدوة رائعة لنا. تأملوا في حياتهم رضي الله عنهم، هل نالوا تلك المدارج نتيجة الصلوات العادية فقط؟ كلا، بل لم يأبهوا بحياتهم أيضا للفوز برضا الله وقُتلوا في سبيل الله كالخراف والشياه؛ عندها نالوا هذه المرتبة. لقد رأيت كثيرا من الناس الذين يريدون أن يُعطوا درجات عليا بنفخة واحدة، ويصلوا إلى العرش.

من عساه أن يكون أفضل من نبينا الأكرم ﷺ؟ فكان أفضل البشر وأفضل الرسل والأنبياء، فلما لم ينجز هو هذه الأعمال بالنفخ فأنّى لغيره أن يفعل؟ انظروا كم قام بالمجاهدات في غار حراء! والله وحده أعلم كم مدة قضاها في التضرعات والابتهال، وكم سعى لتزكية النفس وكم تحمل من المشاق في هذا السبيل حتى نزل عليه فيض من الله تعالى.

الحق أنه ما لم يورد الإنسان على نفسه موتا وحالة من الفناء في سبيل الله لا يعبأ به الله. أما عندما يرى أن الإنسان أبلغ السعي منتهاه وأورد على نفسه الموت من أجله فيتجلى عليه بنفسه ويبارك له ويرفعه بقدرته."

ويقول سيدنا المصلح الموعود (رضي الله عنه):  

"كان النبي ﷺ جامع الميزات كلها ومصدر الحسنات كلها، لذا كلما عبَد اللهَ اضطرمت نار الشوق أكثر وبَعُدت عبادته عن الاستكبار والزهو. وبدلًا من أن يمنّ على الله بالعبادة كان يشكره عز وجل كثيرا على أنه وُفِّق للعبادة نتيجة فضل الله تعالى. كانت عبادته تتسم بالتسلسل، فكلما قضى بعض الوقت في العبادة توجه إلى شكر الله واضعا في الاعتبار أنها منة الله العظيمة إذ وفّقه لهذا فلا بد من شكره على هذه المنة. ثم عبد الله تعالى أكثر مدفوعا بعاطفة الشكر التي يعدّها أيضا منّة من الله واضعا في الحسبان أنه لا يوفَّق المرء للشكر أيضا ما لم يوفِّقه الله، ثم يهيج شوقه أكثر فينصرف إلى عبادة ربه مرة أخرى. وكانت دائرة المناجاة هذه تتسع كثيرا لدرجة تتورم قدماه ﷺ نتيجة العبادة مرارا وتكرارا. كان الصحابة يقولون: ما حاجتك إلى العبادة إلى هذا الحد يا رسول الله؟ فيقول: أفلا أشكر؟

سبحان الله، ما أعظم العشق، وما أكثره من حُب، إذا قام لذكر الله لم يهتم بنفسه وراحتها فكانت قدماه تتورمان بسبب ضغط الدم إلى الأسفل، ولكن الحب لا يسمح له ليفكر في ذلك. كان الناس حوله يستغربون بالنظر إلى ذلك وكانوا يوجّهونه إلى هذا الأمر ويشعرون بألمه ويقولون له: لماذا تكلّف نفسك إلى هذا الحد وتتحمل المعاناة هكذا؟ عليك أن تهتم بصحتك وراحتك أيضا. ولكن المعاناة التي كانت تجعل الناس مضطربين ويتأثر الناظرون إليها لم تؤثر فيه ﷺ شيئا بل ما كان ليُعجبه قولهم، وبدلا من ترك القيام في ذكر ربه يقول لهم: أفلا أكون عبدا شكورا لله الذي يمن سبحانه وتعالى علي بكثرة ويتلطّف بي، أفلا أسبح بحمده عوضا عن تلك المعاملة الحسنة؟ وهل لي أن أقصّر في عبادته؟

كم هو زاخر بالإخلاص هذا الجواب وكم يُظهر عواطف الشكر والامتنان، وكيف يكشف عن مشاعر قلبه الطاهر! هل توجد هذه اللوعة والحرقة لذكر الله في قلب أحد غيره؟ هل لأحد أن يُقدم نموذجه؟ هل لصالحٍ من أيّ قوم آخر أن يضاهيه ﷺ في إخلاصه هذا؟

كان النبي ﷺ يسعى طول النهار جاهدا لإعلاء اسم الله ولترويج طاعته تعالى، وكان يؤم الصلاة خمس مرات يوميا ويقابل الوفود والسفراء القادمين من بعيد ويرد على مطالبهم، ويقود الجيوش في الحروب، يعلّم الصحابة القرآن الكريم، كان قاضيا بنفسه يحكم في نزاعات الناس، يُدير نظام العُمّال، وبيت المال ونظام البلد وإعلاء كلمة الإسلام وقيادة الجيوش في الحروب، ويؤدي حقوق الزوجات ويُسهم في الأعمال المنزلية. كان يُنجز كل هذه الأعمال أثناء النهار، وبدلا من أن يستلقي على السرير متعبا منهكا بعد أداء كل هذه الأعمال دون أن يرفع رأسه من الوسادة إلى طلوع الشمس في اليوم التالي، كان النبي ﷺ ينهض مرارا وتكرارا ويحمد الله ويسبحه، ثم يتوضأ عند منتصف الليل ويقوم وحده في حضرة الله يُناجيه ويعبده حين السكوت المطبق سائد في كل حدب وصوب، ويتلو القرآن الكريم ويقوم طويلا حتى تتورم قدماه. يقول ابن مسعود رضي الله عنه ما مفاده: قمتُ ذات مرة مع النبي ﷺ للصلاة وقد عانيت ما كان يفوق قدرتي فكدتُ أنقض الصلاة وأهرب لأن رجلَيّ ما كانت لتحملاني أكثر من ذلك، فكان الوقوف أكثر من ذلك يفوق قدرتي. اعلموا أنه بيان شخص كان شابا وأصغر من النبي ﷺ سنًّا بكثير، الأمر الذي يمكن أن نفهم منه بسهولة أن عزيمة وعاطفة الحب عند النبي ﷺ كانت عالية جدا بحيث كان يقوم للعبادة طويلا على الرغم من التقدُّم في السن وانشغاله الدائم طول النهار ولم يكن الشباب الأقوياء أيضا الذين لم تبلغ أعمالهم عُشر معشار أعماله ﷺ قادرين على القيام معه بل كانوا ينهارون متعَبين منهكين.

لماذا كل هذه العبادة؟ ولماذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتجشّم هذه المشقة؟ السبب الوحيد هو أنه كان عبدا شكورا وكان قلبه ميالا دائما إلى ذكره تعالى نظرا إلى مننه وإحساناته

وفي ختام الخطبة، ذكر أمير المؤمنين أن الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في بنغلاديش تبدأ اليوم، وهناك معارضة شديدة. فيجب الدعاء للأحمديين هناك أن يحفظهم الله جميعًا ويوفقهم في عقد جلستهم.