ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 13/02/2026



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 13/02/2026، حيث سرد وقائع تتعلق بعبادة المسيح الموعود (عليه السلام) لله تعالى، والتي كان يؤديها اقتداءً بسيده، رسول الله ﷺ حيث قال:

وصف المسيح الموعود (عليه السلام) أن طريقته في العبادة كانت نعمةً من الله له. فليس في قدرة كل إنسان أن يعبد الله بمثل هذا الإخلاص. وأوضح أن صلاته وعبادته كانتا منسجمتين تمامًا مع سُّنَّة النبي ﷺ. ولم يُدخِل بدعًا أو يبتكر أساليب جديدة في العبادة كما يفعل بعض الزهّاد. ولم يتبنَّ الرهبنة، بل حرص على أن يعبد الله بالطريقة التي أرسى قواعدها النبي (صلى الله عليه وسلم).

يقول سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام):

قضيت قرابة أربعين عامًا من حياتي بكنف والدي العطوف. رحل والدي من هذا العالم وفي الزمن نفسه بدأت سلسلة المكالمات الإلهية معي بكل قوة. لا أستطيع أن أذكر عملاً لي كان جديرًا بأن تتوجّه إليَّ هذه العناية الإلهية، وإنما أشعر في نفسي أن قلبي منجذب بطبعه إلى الله تعالى بوفاء جذبًا لا يمكن لشيء أن يحول دونه، فهي عنايته تعالى وحده، أما أنا فلم أقم بالرياضات الشاقة قطُّ، كما لم أخُض في المجاهدات الشاقة على شاكلة بعض الصوفية المعاصرين، ولم أنعزل في إحدى الزوايا مدةً، ولم أرتكب خلاف السنة أي عمل يدلُّ على الرهبانية ويعارض كلام الله تعالى؛ بل ظللت على الدوام متبرئًا من هؤلاء الزهّاد المعروفين والمبتدعة الذين يغرقون في أنواع البدع، إلا أنه في أيام حياة والدي، بل حين اقتربت وفاته اتفق لي أن رأيت مرة في المنام شخصًا من أهل الله متقدِّمًا في السنّ، جميل المظهر، فقال لي ما مفاده: إن من سنة أهل بيت النبوة الصيامَ لبعض الأيام من أجل استقبال الأنوار السماوية، وأشار إليَّ أن أتأسّى بسنة أهل بيت النبوة هذه. فرأيت من المناسب أن ألتزم بالصيام لفترة من الزمان. وللتو خطر ببالي أن الأفضل أن أقوم بذلك سرًّا. فكنت أطلب طعامي من البيت إلى غرفة الضيوف وأوزعه سرًّا على الأيتام الذين كنت قد أكّدت عليهم سلفًا ليحضروا في الوقت المحدَّد.  وهكذا كنت أصوم طول النهار، ولم يعرف عن هذا الصيام إلا الله. وبعد أسبوعين أو ثلاثة رأيت أنني لم أتعرّض لأي نوع من الأذى بسبب الصيام الذي آكل فيه مرة واحدة فحسب، لذلك عليَّ أن أقلِّل من قدر هذه الوجبة الوحيدة أيضًا، فطفقت أقلِّل من طعامي منذ ذلك اليوم حتى كنت أكتفي برغيف واحد فقط في اليوم والليلة، وبقيت أقلله حتى صار طعامي يعادل بضعة عشرات الغرامات من الخبز خلال اليوم والليلة. لقد استمر بي الحال على هذا المنوال لمدة ثمانية أو تسعة شهور، وعلى ضآلة الطعام الذي كنت أتناوله، والذي لم يكن ليصبر عليه ابن الشهرين أو الثلاثة أيضًا، إلا أن الله تعالى قد حفظني من كل سوء ومكروه. ومن العجائب التي حظيت بها من خلال هذا النوع من الصيام تلك المكاشفات اللطيفة التي كُشفت عليَّ؛ فقد قابلت العديد من الأنبياء الكرام، وكذلك بعض كبار الأولياء والصلحاء المسلمين الذين خلوا من قبل. وقد رأيت رسول الله ﷺ بحالة اليقظة التامّة وهو في رفقة الحسنَين وعليّ وفاطمة رضي الله عنهم. ولم يكن ما رأيته في رؤيا وإنما كان في حالة من اليقظة. فعلى هذا المنوال قابلتُ عديدا من المقدسين الذين يطول ذكرهم.

وبالإضافة إلى ذلك رأيت الأنوار الروحانية على وجه التمثيل كأعمدة لها ألوان مختلفة كالأخضر والأحمر، وكانت من الجمال وقوة التأثير ما يعجز الإنسان عن وصفه. وكانت تلك الأعمدة النورانية المتصاعدة نحو السماء، التي كان بعضها ناصع البياض وبعضها أخضر وأخرى حمراء، كلها كانت تتصل بقلبي اتصالا خاصا يبعث السرور في القلب، حتى كنت أشعر عند مشاهدتها في قلبي وروحي بنشوة خاصة لا سبيل لمقارنة لذَّتها مع أي شيء آخر. وكنت أتصور أن تلك الأعمدة الروحانية هي تعبير عن الحب المتبادل بين الله والإنسان، ويعني ذلك أن نورا قد تصاعد من القلب ونورا آخر قد نزل من فوق، وحين التقيا أخذا شكلَ عمود نوراني. إن هذه الأمور الروحانية مما لا يمكن لأهل الدنيا أن يدركوها، لأنها بعيدة عن عيونهم، ولكن هناك مَن مَنَّ الله عليه في الدنيا بإدراك هذه الأمور.

باختصار، من العجائب التي ظهرت عليَّ في فترة الصيام تلك ضروبٌ من المكاشفات. واستفدت من خلال هذه التجربة أيضًا أنني تبيّنت أني أقدر، إذا اقتضى الحال، على تحمُّل الجوع لفترة طويلة من الزمن. وخطر ببالي أكثر من مرة بأنه إذا أُجبر شخصٌ ضخمٌ مصارعٌ قويٌ ليتحمَّل الجوع معي، فسوف يموت قبل أن أضطر لتناول شيءٍ من الطعام. وتأكد لي من خلال هذه التجربة أن الإنسان يستطيع أن يتقدَّم في تحمُّل الجوع إلى حدّ بعيد، وإنني على يقين أن مَن كان جسمه لا يتحمَّل المشقة والشدة بل يخلد إلى حياة التنعُّم والراحة فلا يسمو إلى المراتب الروحانية. ولكني لا أنصح كل واحد أن يقوم بمثل هذا الصيام، كما لم أقم به أنا أيضًا بناء على اختياري. لقد رأيت بعض الدراويش الأغبياء الذين قاموا بمجاهدات شاقة حتى أصيبوا بالجنون في نهاية المطاف نتيجة "نقص التروية"، للدماغ وقضوا بقية أعمارهم في الجنون، أو أصيبوا بأمراض أخرى مثل السل وغيره. إن قوى الناس الدماغية ليست سواسية، فالناس الذين قواهم الفطرية ضعيفة لا تناسبهم المجاهدة الجسدية من أي نوع، ويصابون بمرض خطير سريعا. وخير للإنسان ألا يوقع نفسه في المجاهدات الشديدة باختيار نفسه بل ينبغي أن يظل متمسِّكًا بدين العجائز. غير أنه إذا تلقَّى من الله إلهاما غير مناف لشريعة الإسلام الغراء فالعمل به واجب.

 

اليوم، يروّج بعض الناس لأنواع من المشقة البدنية الشديدة باعتبارها وسيلة للتقرب إلى الله. غير أن الطريق الوسط هو الذي ينبغي اتباعه. فينبغي للإنسان أن يؤدي الحقوق الواجبة لله ولخلقه بحسب طاقته. وأساس العبادة يجب أن يكون ما أرساه النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ثم يتدرج بعد ذلك في التقدم. فالإسلام ينهى عن المشقة غير الضرورية، كما بيّن المسيح الموعود (عليه السلام).

ومنذ صغره، كان المسيح الموعود (عليه السلام) مواظبًا على العبادة. ويُروى أنه سقط مرة فاقداً للوعي وهو طفل، فلما أفاق كان أول ما قاله: هل حان وقت الصلاة؟

وكان صومه أيضًا وفق تعاليم الإسلام الصحيحة كما علّمها النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم). ففيما يتعلق بوجبة السحور، يُروى أنه كان أحياناً يواصل الأكل حتى ينتهي الأذان. لكنه لم يربط انتهاء السحور بالأذان نفسه، بل بطلوع الفجر الحقيقي، إذ قد يسبق الأذان طلوع الفجر.

وكان المسيح الموعود (عليه السلام) مواظبًا على صلاة التهجد، فيؤدي ثماني ركعات مثنى مثنى، إلا في حال المرض الشديد. وحتى في تلك الحال، كان يبقى مستيقظًا في الذكر والدعاء.

ورغم القضايا القضائية التي كان يحضرها بأمر والده، كان يحرص على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها. وحدث مرة أنه كان يصلي في المحكمة حين نودي على قضيته، فحاول الخصم استغلال غيابه، لكن القاضي حكم لصالحه.

وكان يؤدي السنن في البيت، والفرائض في المسجد. وبعد صلاة العشاء ينام، ثم يستيقظ للتهجد، ويتلو القرآن بين التهجد والفجر.

وإذا صلى في البيت، صلى جماعة مع أسرته.

ومنذ سن مبكرة، كان يقضي وقتاً طويلاً في تلاوة القرآن الكريم وكتابة الملاحظات على هوامشه. وكان شديد الحرص على صلاة الجماعة.يقول المولوي عبد الكريم السيالكوتي:

"كان يصلي الصلوات الخمس جماعةً في المسجد إن لم يكن مريضًا، ويؤكد بإصرار على الالتزام بالصلاة جماعة. ولا شيء كان يحزنه أكثر من فوات الصلاة جماعةً.

بعد أداء الصلاة المكتوبة كان يتوجه حضرته إلى الداخل فورًا وينشغل في أعمال التأليف، ويجلس بعد صلاة المغرب في المسجد، وبعد أداء صلاة العشاء ينتقل إلى الداخل".

وفي ختام الخطبة دعا أمير المؤمنين نصره الله أن يوفقنا الله لنتبنى هذه الروح في عباداتنا.

وذكر أنه سيصلي صلاة الغائب على مرحومين اثنين وذكر نبذة عن سيرتهما.