ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في27/02/2026



  

بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في السابع والعشرين من فبراير حيث قال:

جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) برسالة التوحيد، وعلمها للناس بالحجج والبراهين. ولم يكتفِ بالنهي عن الشرك، بل بيّن مخاطره وغرس في قلوب الناس النفور منه.

لقد أثرت تعاليم الإسلام في الآخرين لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه كان مثالًا حيًا لها، وبيّن عمليًا كيفية تطبيقها.

إن كل قصة في سيرته (صلى الله عليه وسلم) تظهر سعيه لنشر التوحيد، وقد تمسك منذ طفولته بوحدانية الله؛ عن أم أيمن قالت: كان ببوانة صنم تحضره قريش وتعظمه وتنسك له النسائك ويحلقون رؤوسهم عنده ويعكفون عنده يوما إلى الليل وذلك يوم في السنة وكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه أسوأ الغضب فيقول: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا. ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوبا فقلن عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم. فقلن: ما كان الله عز وجل ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه. فما عاد إلى عيد لهم صلى الله عليه وسلم.

ولما خرج ﷺ فی تجارة بمال خدیجة إلی الشام باع هناك سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ فقال له: احلف باللات والعزى، فقال صلى الله عليه وسلم: ما حلفت بهما قط، فأعرض عنهما.

یقول المسیح ا لموعود علیه السلام:

كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو المجدد الأعظم في مجال بيان الصدق الذي أعاد الحقيقة المفقودة إلى الدنيا، ولا أحد يشارك نبينا - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشرف، حيث وجد العالم كله في الظلام، ثم تحوّل الظلام إلى النور بظهوره - صلى الله عليه وسلم - ولم يغادر الدنيا حتى خلعَ كل القوم الذين بُعث إليهم لباسَ الشرك، ولبسوا لباس التوحيد. وليس هذا فحسب، بل وصل هؤلاء إلى أرفع مراتب الإيمان، وظهرت على أيديهم من أعمال الصدق والوفاء واليقين ما لا نظير له في أي مكان في العالم. وإن النجاح بهذا القدر لم يكن من نصيب أي نبي سوى نبينا الأكرم - صلى الله عليه وسلم -. هذا هو الدليل الأكبر على صدق نبوة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ بُعث في زمن غارق في الظلمات؛ لسان حاله يتطلَّبُ بعثة مصلح عظيم الشأن. ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - ارتحل من الدنيا بعد أن تمسك آلاف الآلاف من الناس بالتوحيد والصراط المستقيم، متخلين عن الشرك وعبادة الأصنام. والحق أن هذا الإصلاح الكامل كان خاصًّا به وحده، حيث علّم قومًا همجيين ذوي طبائع وحشية؛ الآدابَ الإنسانية، أو بتعبير آخر جعل البهائم أناسًا، ثم حوّل الناس إلى أناسٍ مثقفين، ثم جعل المثقفين أناسًا ربانيين، ونفخ فيهم الروحانية وأنشأ لهم علاقة مع الإله الحق؛ فذُبحوا في سبيل الله كالشياه، ودِيسوا تحت الأقدام كالنمل، ولكنهم لم يتخلوا عن الإيمان أبدًا، بل مضوا قُدُمًا عند كل مصيبة.

ویقول علیه السلام:

ألف ألف شكر لك يا ربَّنا، على أنك بنفسك هديتنا إلى سبيل معرفتك وأنقذتنا من أخطاء وهفوات فكرية وعقلية بإنزال كتبك المقدسة. والصلاة والسلام على سيد الرسل محمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه، الذي أرشد إلى الصراط المستقيم عالَما ضالا، ذلك المربي النافع الذي هدى الخلق الضال إلى الصراط السوي من جديد، ذلك المحسن ذا المنة الذي خلّص الناس من بلاء الشرك والأوثان، ذلك النور وناشر النور، الذي نشر نور التوحيد في الدنيا، ذلك الطبيب ومعالج الدهر الذي ثبّت أقدام القلوب التي كانت فاسدة على عتبات الصلاح، ذلك الكريم، رمز الكرامة الذي سقى الأموات ماء الحياة، ذلك الرحيم المتعاطف الذي حزن للأمة وتأذى، ذلك الشجاع والبطل الذي انتشَلنا من فوّهة الموت، ذلك الإنسان الحليم الذي أفنى نفسه والذي أخضع رأسه في تربة العبودية وسوّى ذاته بالتراب، ذلك الموحد الكامل وبحر العرفان الذي ما راقه إلا جلال الله، وأسقط غيره من نظره.

ویقول علیه السلام أيضًا:

 ما يسمَّى التوحيد لا يوجد على صفحة الأرض اليوم في أي قوم سوى أمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يوجد كتاب يُقِيم الملايين من الخلق على وحدانية الله ويرشدهم إلى ذلك الإله الصادق بتعظيمه الكامل إلا القرآن الكريم.

 

ویقول المصلح الموعود رضي الله عنه:

يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}، أي يا محمد من واجبك تحذير الناس من كل أنحاء العالم، ولكن عليك أن تُنذر أقاربك أوّلاً، فلهم عليك حقّانِ: فإنهم يهلكون كباقي الناس، ثم إنهم أقاربك وإن آباءهم قد صنعوا بك معروفًا في يوم من الأيام. يقول المثل الإنجليزي: إن الإحسان يبدأ من البيت. ونفس الحال بالنسبة للنصح، فعلى الإنسان أن يبدأ النصح بأهل بيته. وعملاً بهذا الأمر الرباني صعد صلى الله عليه وسلم على جبل "الصفا" كعادة أهل مكة، وأخذ ينادي كل قبيلة باسمها.... فحضرت قبائل قريش جميعًا، ومن لم يحضر منها بعث ممثله، ليعلم سبب هذا الاجتماع. فخاطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: لو قلت لكم إن جيشًا كبيرًا قد اجتمع وراء هذا الجبل لشن الغارة عليكم، فهل كنتم مُصدِّقِيّ؟ قالوا: بلى، فما جرّبنا عليك إلا الصدق. ويعلم المطّلعون على أحوال مكة أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا يماثل قول من يُطالب بتصديق المستحيل. ذلك أن أهل مكة كانوا يرعون مواشيهم في ذلك الوادي، وكانوا يعرفون أن من المحال أن يختفي فيه جيش.

ولكنهم كانوا متأثرين بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسداده لدرجة أنهم صدّقوه وإن لم تصدق عيونهم ما يقول، لأن صدقه أمر لا غبار عليه. فلما اعترفوا بصدقه وسداده بلسان رجل واحد قال - صلى الله عليه وسلم -: ألا إني قد جئتكم بخبر هام. ألا إن الله تعالى قد بعثني إليكم رسولاً، فاتّبِعوني إذا أردتم النجاة من عذاب الله تعالى. فلم يتمالك أبو لهب نفسه وقال: "تبًّا لك، ألهذا جمعتَنا". فانفضّ الجميع من حوله ساخرين مستهزئين. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ظل ينشر عقيدة التوحيد بين الناس ويبلّغهم رسالة الله رغم ما لاقاه منهم من معارضة وسخرية واستهزاء. فأخرج الله من بينهم قومًا ضحّوا بحياتهم في سبيل الإسلام.

وفي ختام الخطبة،  قال أمير المؤمنين نصره الله إن واجبنا هو بذل كل ما في وسعنا لنشر وحدانية الله، وفقنا الله لذلك آمين.