ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 13/03/2026



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 13/03/2026 حيث قال:

كان الغرض الأساس من بعثة النبي ﷺ هو إقامة التوحيد، ولم يكتفِ ﷺ بنفسه بالسعي لإقامة التوحيد، بل غرس في أصحابه أيضًا شغفًا لذلك، إلى درجة أنهم قدّموا تضحيات كثيرة في سبيل الحفاظ على التوحيد.

لقد تحمّل النبي ﷺ المشاق من أجل إقامة توحيد الله. ففي إحدى المرات أحاط المشركون به ﷺ بسبب ما قاله عن أصنامهم. وفي تلك الأثناء أُخبر أبو بكر رضي الله عنه أن يذهب ليتفقد صديقه. فذهب إلى المسجد الحرام فوجد النبي ﷺ محاطًا بالمشركين. فخاطبهم بكلمات من القرآن الكريم: "أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ"

فعند ذلك حوّل المشركون انتباههم عن النبي ﷺ واتجهوا إلى أبي بكر رضي الله عنه وضربوه ضربًا شديدًا إلى درجة أن ابنته أسماء تروي أنه عندما عاد إلى البيت ومسح شعره كان يتساقط في يده بسبب شدة ما شدوه منه. ومع ذلك ظل سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يردد: "تباركت يا ذا الجلال والإكرام"

وفي رواية أخرى أن هؤلاء المشركين شدوا النبي ﷺ من شعر رأسه ولحيته بعنف شديد حتى تساقط كثير من شعره. وعند ذلك جاء أبو بكر رضي الله عنه للدفاع عن النبي ﷺ. فقال له ﷺ:

اتركهم! فوالذي نفسي بيده، إني لمبعوث لأُذْبَحَ.

ورأى الحارث بن الحارث الغامدي قريشًا يوقعون الأذى بالنبي ﷺ، فسأل أباه من هؤلاء الناس. فأجابه إنهم اجتمعوا حول "صابئ"، وهو الاسم الذي كانت قريش تطلقه على النبي ﷺ استهزاءً به. يقول الحارث إنه اقترب لينظر عن قرب فوجد النبي ﷺ يشجّع الناس على الإيمان بإله واحد، مع أنهم كانوا يواصلون إيذاءه.

وبلغ الاضطهاد الشديد ذروته في الطائف. فقد ذهب النبي ﷺ إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، وكانت موطنًا لبني ثقيف، وكان أهلها من أصحاب المكانة والنفوذ. وقد سخروا من النبي ﷺ ورفضوا دعوته. ثم أمر أحد زعمائهم السفهاء أن يطردوه، فتبعه الصبيان ورموه بالحجارة حتى سال الدم من جسده الشريف كله. واستمروا في مطاردته لمسافة طويلة وهم يسبّونه ويرمونه بالحجارة بلا توقف.

وعلى مسافة من الطائف كان هناك بستان لعتبة بن ربيعة، فلجأ النبي ﷺ إليه بعد أن رجع أعداؤه. فوقف تحت ظل شجرة ودعا الله قائلاً: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين؛ أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربي ۔۔۔اللهم ۔۔۔ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقَتْ له الظلماتُ، وصَلُح عليه أمر الدنيا"

وكان عتبة وشيبة في البستان، فلما رأيا حال النبي ﷺ رقّ له قلبهما، فأرسلا إليه عنقود عنب مع غلامهما النصراني عدّاس. فأخذ النبي ﷺ العنب وسأل عدّاس: من أين أنت؟ وعلى أي دين أنت؟

فقال: أنا من نينوى وأنا نصراني.

فقال النبي ﷺ: من نينوى مدينة العبد الصالح يونس بن متى؟

فقال عدّاس: نعم، وكيف تعرف يونس؟

فقال النبي ﷺ: هو أخي، كان نبيًا وأنا نبي.

فتأثر عدّاس بذلك وقبّل يدي النبي ﷺ.

وكان عتبة وشيبة ينظران إليه، فلما رجع إليهما قالا له: ما الذي فعلت؟ إن هذا الرجل يفسد عليك دينك.

ثم استراح النبي ﷺ في ذلك البستان مدة، ثم غادر حتى وصل إلى نخلة، وهناك أرسل إلى المطعم بن عدي أنه يريد دخول مكة. وكان المطعم مشركًا لكنه كان كريمًا، فقبِل أن يجيره، فدخل النبي ﷺ مكة في حمايته، وطاف بالكعبة ثم عاد إلى بيته في حراسة المطعم وأبنائه.

ولما سُئل النبي ﷺ هل مرّ عليه يوم أشد من يوم أُحد، قال إن أشد يوم كان يوم الطائف، حيث لقي فيه من الأذى ما لقي. وجاءه ملك وقال له إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، لكنه رفض وقال إنه يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده.

لقد كانت حياة النبي ﷺ كلها في إقامة توحيد الله. وحتى في آخر حياته أوصى الناس ألا يشركوا بالله شيئًا. ومنذ بداية حياته، حين مات أبوه قبل ولادته ثم ماتت أمه وهو صغير، كان الله هو الذي تولى رعايته، ليُظهر عظمة توحيده.

وكان النبي ﷺ يذهب إلى الأسواق حول مكة حيث يجتمع العرب، ويدعوهم قائلاً:

"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"

وكان لا يُرى أحد يستجيب له، ومع ذلك لم ييأس ولم يتوقف عن الدعوة.

وكان المشركون يؤذون أيضًا من آمن به ﷺ. فبعد أن أسلم سيدنا بلال رضي الله عنه كانوا يعذبونه، فإذا اشتد عليه العذاب كان يقول: "أحدٌ، أحد".

ومع ذلك لم يواجه أحد من المشقة ما واجهه النبي ﷺ نفسه. فقد وُصف بالكذب، وخُنق، ورُمي بالحجارة، وألقيت عليه القاذورات. وكان حتى في القتال يحافظ على توحيد الله. ففي غزوة أُحد لما أخذ أبو سفيان يرفع شعارات بأسماء الأصنام، أمر النبي ﷺ أصحابه أن يجيبوا بأن الله أعلى وأجل.

ومما قاله المسيح الموعود عليه السلام عن مقام النبي ﷺ:

"إنني دائما أنظر بعين الإعجاب إلى هذا النبي العربي الذي اسمه محمد (عليه ألف ألف صلاة وسلام). ما أرفعَ شأنَه! لا يمكن إدراك سمو مقامه العالي، وليس بوسع إنسان تقدير تأثيره القدسي. الأسف، أن الدنيا لم تقدر مكانته حق قدرها. إنه هو البطل الوحيد الذي أعاد التوحيد إلى الدنيا بعد أن غاب عنها. لقد أحبَّ اللهَ حبًّا جمًّا، وذابت نفسه إلى أقصى الحدود شفقةً على خلق الله، لذلك فإن الله العالِم بسريرته فضَّله على الأنبياء كلهم، وعلى الأولين والآخرين جميعا، وحقق له في حياته كل ما أراد".

واليوم نرى أن كثيراً من الناس، حتى من المسلمين، يقعون في الإلحاد لأنهم لا يهتمون بتعاليم النبي ﷺ، بل يعتمدون على عقولهم فقط التي لا تستطيع الإحاطة بمعرفة الله. ولا يمكن فهم التوحيد فهمًا حقيقيًا دون اتباع تعاليم النبي ﷺ.

لذلك يجب أن نسعى لتأسيس التوحيد الحقيقي، وأن نطوّر إيماننا حتى نكون مستعدين للتضحية في سبيل ذلط. ويجب أن ننمّي محبتنا الصادقة للنبي ﷺ. وفي هذا العصر أرسل الله المسيح الموعود عليه السلام بوصفه الخادم الصادق للنبي ﷺ ليحمل رسالة التوحيد، وبعد أن بايعناه يجب أن نؤدي حق هذه المهمة وأن ندعو لتحقيقها.

وفي الأيام المتبقية من رمضان ينبغي أن ندعو خاصة أن يجعلنا الله في مقدمة من يقيمون التوحيد ويحافظون عليه. كما ينبغي الدعاء للعالم الإسلامي أن يفهم حقيقة التوحيد ويعمل به، لأنه عندئذ فقط سينجو، وعندئذ فقط سيُحفظ من هجمات الأعداء ومن فتنة الدجال.

وفي ختام الخطبة، أعلن أمير المؤمنين نصره الله أنه سيصلي الغائب على الداعية ذكر الله أيوبا من نيجيريا وذكر نبذة عن حياته.