ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 03/04/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 03/04/2026 حيث تابع الحديث عن جهود النبي ﷺ في إقامة وحدانية الله في العالم، وكيف وقف بقوة في وجه كافة أشكال الشرك. واقتبس من كلام المسيح الموعود عليه السلام، الذي قال:
يجب التأمل كيف استقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصمد على إعلانه النبوة من أول يوم إلى آخر لحظة من حياته مع ظهور آلاف الأخطار ونهوض مئات الآلاف من المعاندين والمعارضين والمخوِّفين، وواجه إلى سنين عديدة من المصائب وتحمّل من الإيذاء ما كان من شأنه أن يؤدي إلى اليأس والقنوط من النجاح تماما. وقد ظلت تلك المصائب تزداد يوما إثر يوم بحيث ما كان ليُتصور أو يخطر على البال تحقق أيّ هدف دنيوي نتيجة الصبر عليها، بل الحق أنه - صلى الله عليه وسلم - فقدَ أصدقاءه السابقين أيضا بسبب إعلانه النبوة. وبقيامه بإعلان واحد فقد اختار لنفسه مئات الآلاف من المعارضات، واستدعى لنفسه آلاف البلايا والآفات؛ فقد نُفي من وطنه، ولوحق للقتل، وقطعت أسباب معيشته، ودُسّ له السمُّ مرارا. لقد تحول المتعاطفون إلى أعداء، وعكف الأصدقاء على العداء. واضطر - صلى الله عليه وسلم - لتحمّل أنواع المرارة والمعاناة إلى زمن طويل لا يسع مكّارا ومزيِّفا أن يصبر خلاله عليها بأقدام راسخة. ثم حين حصلت للإسلام الغلبة بعد مدة، فما جمعَ - صلى الله عليه وسلم - لنفسه كنزا في أيام الازدهار والتقدم، وما شيَّد بناء وما أعدّ بلاطا، وما اختار أسباب الرفاهية وعيش الملوك، وما جلب لنفسه منفعة. بل أنفق كلّ ما جاءه على رعاية اليتامى والمساكين والأرامل والمثقَلين بالديون، ولم يأكل - صلى الله عليه وسلم - ملء بطنه ولا مرة واحدة. كان سديد القول لدرجة أنه حوَّل جميع الأقوام والفِرق وكافة الناس الغارقين في الشرك إلى معارضين له نتيجة وعظهم بالتوحيد. أما أقاربه - صلى الله عليه وسلم - فجعلهم قبل غيرهم أعداء له نتيجة معارضته لهم في عبادة الأوثان. أفسد علاقاته مع اليهود أيضا بمعارضته إياهم في أمر عبادة المخلوق بأنواعها المختلفة والأعمال السيئة الأخرى؛ مثل تكذيب المسيح - عليه السلام - والإساءة إليه، مما أدى إلى احتراق قلوبهم إلى أقصى الدرجات، فاستعدوا للعداوة المريرة وبدأوا يتحيَّنون الفرص لقتله. كذلك أسخط المسيحيين أيضا لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعتبر عيسى - عليه السلام - إلها ولا ابن إله ولا منجِّي الآخرين نتيجة موته على الصليب كما كانوا يزعمون. ثم سخط منه عبدة النار والكواكب أيضا لأنه عارض عبادة آلهتهم، وعدَّ التوحيد وحده مدار النجاة.
والآن قولوا عدلا وإنصافا، هل تعدُّ خطة لكسب مواساة الدنيا بأن يقال لكل حزبٍ أقوال صريحة وجارحة مثل ما جاء في أقواله - صلى الله عليه وسلم - أدت إلى أن شمَّر الجميع عن سواعدهم للمعارضة وانكسرت قلوب الجميع من السخط؟ وقد جعل الجميع يحتدمون -قبل أن يكوِّن لنفسه جماعة وإن كانت صغيرة، أو يحرز قوة لذب الهجوم عن نفسه- حتى صاروا عطاشى لدمه. بل كانت الخطة الذكية لكسب مواساة الدنيا أن يصدِّق - صلى الله عليه وسلم - بعضَهم أيضا كما كذَّب بعضَهم الآخر لكي يوافقه بعضهم عندما يعارضه بعضهم الآخر. ولئن قال للعرب إن اللات والعُزّى حق لسقطوا جميعا على قدميه - صلى الله عليه وسلم - ولاستغلهم كما شاء، لأنهم كانوا من أقاربه ومعارفه وعديمي المثال في الحميَّة العشائرية، فلو فعل ذلك لصار كل شيء على ما يرام؛ إذ كان العرب سيفرحون بتعليم عبادة الأوثان ولأطاعوه - صلى الله عليه وسلم - قلبا وروحا.
ولكن يجب التأمل؛ أكان لمصلحة دنيوية أن يفسدَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علاقته مع الأقارب وغيرهم دفعة واحدة وأن يتمسك بالتوحيد الذي ما كان هناك شيء أبغضَ منه في نظر العالم في تلك الأيام وكان مآل الاعتصام به يؤدي إلى مواجهة مئات المشاكل، بل كان الهلاك نفسه يحدق به بسبب ذلك؟ أيّ هدف كان - صلى الله عليه وسلم - ينوي تحقيقه نتيجة الإصرار على ذلك المعتقد المثير للبلايا الذي بإظهاره سُجن المسلمون وصُفِّدوا وضُربوا ضربا مبرحا خاصة حين جعل - صلى الله عليه وسلم - الدنيا كلها تعارضه للسبب نفسه وخسر من كان معه؟ هل هو أسلوب لكسب مواساة الدنيا بأن يقال لكل شخص كلامٌ مرير يعارض طبعه ومرضاته وعادته واعتقاده، وبذلك يحوَّل كلُّ شخص إلى عطِشٍ لدمه في لمح البصر، دون أن يبقى على أدنى صلة مع أيّ قوم قط؟
هل يقوم الطماعون والمكارون بما يحوِّل أصدقاءهم إلى أعداء لهم؟ هل يقوم الذين يريدون أن يكسبوا الدنيا بالمكائد بعمل يثيرون به الدنيا كلها لعداوتهم دفعةً واحدة ويوقعون أنفسهم في خطر داهم ودائم؟ بل الحق أنهم يسلكون مسلك الصلح والوئام مع الجميع لنيل مبتغاهم، ويشهدون بصدق كل فرقة، ولا يلاحظ فيهم الإخلاص لمرضاة الله تعالى، ولا يبالون بوحدانية الله وعظمته؛ فما لهم ولتحمل الضرب والمعاناة في سبيل الله دونما سبب؟ إنهم ينْصبون شراكهم مثل الصياد حيثما يتسنى لهم قتل فريستهم بكل سهولة. ولا يختارون سبيلا إلا الذي تقل فيه المشقة وتكثر الفائدة الدنيوية. النفاق سيرتهم، والتملق طبعهم، والمعاملة مع الجميع بكلام معسول عادتهم، والتعامل مع اللص وصاحب البيت على السواء شيمتهم. إذا كانوا مع المسلمين كانوا على أتم الاستعداد لترديد: الله الله، وإذا خلوا إلى الهندوس كالوا المديح لآلهتهم. وفي كل مجلس يوافقون الرأي بحسب مصلحتهم ومقتضى الحال. فمثلا إذا سمّى رئيس المجلس النهار ليلا لَهَبُّوا ليُروا الناس قمرًا ونجوما أيضا. ما لهم والعلاقة بالله تعالى! وما لهم والوفاءِ والإخلاصِ له - عز وجل -!! وما حاجتهم ليُلقوا بنفوسهم الفرِحة المسرورة في أتون أحزان شتى!!! لقد علّمهم معلِّمهم درسا واحدا فقط؛ وهو أن يقولوا للجميع: إن صراطك هو الصراط المستقيم، وإن رأيك هو الأصوب، وما فهمتَه هو الحق والسداد.
فباختصار، لا ينظرون قط إلى الصحيح والخطأ أو إلى الحق والباطل أو إلى الصالح والطالح، بل كلُّ من أطعمهم شيئا حُلوا كان هو التقي والزاهد والطيب في نظرهم. ومَن بمدحه تمتلئ جحيمُ بطونهم، يعدّونه ناجيًا ووارثًا الجنة وفائزا بالحياة الأبدية. ولكن النظرة إلى وقائع حياة سيدنا خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - توحي بجلاء تام أنه كان مخلصا وطاهر الباطن وجاهزا للتضحية بروحه في سبيل الله - عز وجل - من الدرجة العليا، وراغبا تماما عن أيّ أملٍ أو طمع في المخلوق، وكان متوكلا على الله وحده. فقد فنى في مشيئة الله تعالى ومرضاته تماما، ولم يبالِ قط بما يمكن أن يقع على رأسه من بلايا نتيجة إعلان التوحيد، وما سيتحمله من إيذاء ومعاناة على أيدي المشركين. بل حمل على عاتقه كل المشاق والمعاناة والمصائب في سبيل تنفيذ أمر ربه. وأوفى بشروط المجاهدة والوعظ والنصيحة كما هو حقها، ولم يبال بتخويف أحد. ونقول صدقا وحقا: إنه لا تثبت مواضع الخطر في وقائع حياة الأنبياء أجمعين كما ثبتت في حياته، كما لا يثبت أن أحدا منهم عارض الشرك وعبادة المخلوق بهذا الحسم والوضوح متوكلا على الله مثله - صلى الله عليه وسلم -، أو كان لأحدهم أعداء بهذه الكثرة ثم أبدى رسوخ القدمين والاستقامة والصمود مثله - صلى الله عليه وسلم -.
وختم حضرته بالدعاء أن نكون من ناشري التوحيد، فهو الطريق الوحيد لنجاة العالم.
ثم أعلن أنه سيصلي الغائب على المرحومَين خواجة ظفر أحمد من أمريكا وإزراكو هاليدو من بوركينا فاسو والذي استشهد في هجوم إرهابي وذكر نبذة من حياتهما.
