ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 24/04/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 24/04/2026، حيث تحدث عن المعايير الرفيعة للصدق والتي أُقيمت من خلال أسوة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) فقال:
قال رسول الله ﷺ: "كَفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بِكُلِّ ما سمِعَ" وكان إذا علم النبي ﷺ أن شخصًا قد كذب، يشعر بألم شديد حتى يتوب ذلك الشخص عن كذبه.
وذات مرة، جاءت امرأة إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي زَوجًا، ولي ضَرَّةٌ، وإنِّي أتشَبَّعُ مِن زَوجي، أقولُ: أعطاني كذا، وكساني كذا، وهو كَذِبٌ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المُتَشبِّعُ بما لم يُعطَ، كَلابِسِ ثَوبَيْ زُورٍ.
وهنا استخدم رسول الله ﷺ كلمة «ثوب» للدلالة على أن مثل هذا الشخص مغطى من رأسه إلى قدميه بالكذب.
وقال النبي ﷺ: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
ومع وضع هذا في الاعتبار، يجب على كل واحد منكم أن يحلل نفسه إلى أي درجة توجد فيه هذه الخصال.
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا". فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ "إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ. وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا... فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ… ثُمَّ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الشِّقِّ الآخَر"…ثم قيل له في تفسير ذلك: "أمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ… فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذِبَةَ، تَبْلُغُ الآفَاقَ".
يختلق الناس أحيانًا الشائعات للتسلية أو لإيذاء شخص ما. ويجب على مثل هؤلاء أن يتذكروا دائمًا أنهم مسؤولون عن هذا، وعليهم أن يخشوا الله تعالى.
وقال النبي ﷺ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا".
وقال رسول الله ﷺ: "إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ، تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ".
وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّ على صُبرةِ طَعامٍ فأدخَلَ يَدَه فيها، فنالَت أصابِعُه بَلَلًا، فقال: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قال: أصابَتْه السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قال: "أفَلا جَعَلتَه فوقَ الطَّعامِ كَي يَراه النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي".
لهذه الدرجة قد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الخداع. ومن المؤسف أن كثيرًا من المسلمين اليوم ينخرطون في معاملات خادعة. ولذلك، فمن مسؤوليتنا كأتباع للنبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) أن نحافظ على أعلى معايير الصدق.
يقول سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه:
"لدينا في هذا الشأن شهادة قومه التي أقروا بها قبل دعواه بالنبوة، ففي تلك المرحلة كان معروفًا في قومه "بالصادق" و"الأمين". ولا شك أن في كل عصر عاشت أعداد كبيرة من الناس دون أن يتّهمهم أحد بعدم الأمانة، وهناك أيضًا أعداد كبيرة من البشر لم يحدث لهم أن تعرّضوا للتجربة والامتحان، وكان سلوكهم في مجالاتهم العادية يتّسم بالأمانة والنّزاهة، ولكن لا يعتبر الناس أنهم يتميّزون بشيء خاص في هذا الصدد، إذ أن من يستحق أن ينال التميّز الخاص هم أولئك الذين تفيض حياتهم الشخصية بدرجة عالية من صفات الخلق السامي الكريم. إن كل جندي يدخل المعركة يضع حياته في مهب الأخطار، ولكن ليس كل جندي بريطاني ينال وسام الملكة فيكتوريا، ولا يستحق كل جندي ألماني وسام الصليب الحديدي. وهناك مئات الألوف من الناس في فرنسا يعملون في وظائف تستدعي منهم استعمال العقل والتفكير، ولكن لا يفوز كل منهم بوسام الشرف. وعلى هذا فإن مجرد أن يكون الإنسان أمينًا أو صادقًا لا يدل على أنه يتميّز بشيء خاص عن سائر الناس، ولكن عندما يُجمع شعب بأكمله على منح شخص لقب "الصادق" و"الأمين"، فإن هذا يدل على أنه بلغ في الأمانة والصدق مبلغًا عظيمًا، وأن له فيهما خصائص استثنائية خارقة عهدها الناس عليه. ولو كان من عادة أهل مكة أن يمنحوا تميّزًا كهذا لشخص ما في كل جيل من الأجيال، فحتى حينذاك لا بد أن يكون ذلك الشخص قد بلغ شأنًا عاليًا في خصال الصدق والأمانة. ولكن تاريخ مكة، بل وتاريخ الجزيرة العربية كلها، لا يشير من قريب أو بعيد إلى أن العرب قد اعتادوا منح هذه الألقاب أو ما يشابهها في أيّ جيل من أجيالهم. ولكن على العكس من ذلك، إن تاريخ العرب يبين أنه لم يحدث أنهم أطلقوا لقب "الصادق" أو "الأمين" على غير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم"
يقول المسيح الموعود (عليه السلام):
لقد تدهورت اليوم حالة الدنيا كثيرا، حيثما ترون تجدون شهودا كاذبين يُدلون بشهادات كاذبة. إن رفع القضايا الزائفة أمر سهل وبسيط، ولا يتورعون عن تلفيق وثائق زائفة. كلما بيّنوا عن أمر شيئا تحاشوا صدق المقال. فليسأل أحدٌ أولئك الذين لا يدركون حاجةً إلى هذه الجماعة، هل هذا كان الدين الذي جاء به النبي ﷺ؟ لقد سمّى الله تعالى الكذبَ رجسًا وأكد على اجتنابه فقال: "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" أي اعتبرَ الكذب مثل عبادة الأوثان. فكما يُخضِع شخص غبي رأسه أمام حجر تاركا عبادة الله كذلك يتخذ الكذب وثنًا لتحقيق مرامه تاركا الصدق والحق. لذلك اعتبر الله تعالى الكذبَ مثل عبادة الأوثان وذكر العلاقة بينهما. فكما يتحرى عابد الأوثان النجاة عند الوثن كذلك يتخذ الكاذب أيضا وثنا من عنده ويظن أنه سينال النجاة بواسطته. كم تردّت الحالة بحيث إذا قيل لهم: لماذا تعبدون هذا الوثن، اتركُوا هذا الرجس، قالوا: كيف نتركه، إذ لا تقوم لنا بدونه قائمة. أيّ شقاوة أكبر من أنهم يعتبرون الكذب مدار حياتهم.
ويقول سيدنا المصلح الموعود (رضي الله عنه):
لما بلّغ النبيُّ ﷺ زوجتَه بنزول أول وحي عليه لم تقلْ له: ما هذه البدعة التي جئتَ بها، وإنما قالت: "وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا. إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" ثم أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي صدَّقه فورًا.. وكان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه الذي كان فتى يافعًا، وقد آمن بصدقه على الفور، وكان له عبد أعتقه، فآثر البقاء عنده بدلاً من العودة إلى والديه، فلما سمع الخبر قال لرسول الله ﷺ: اسمحْ لي أن ألازمك وأنصرك.
وكان له r صديق حميم، فلما سمع الخبر، سارع إلى بيته صلى الله عليه وسلم، وقال له: أصحيح ما سمعتُ؟ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم توضيح الأمر له، فقال: لا تقدِّم لي أي دليل على ما تقول، بل أخبرْني فقط أصحيح ما يقال؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال أبو بكر: أشهدُ أنك رسول الله.
وفي ختام الخطبة، دعا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) أن يوفق الله الجميع للتأسي بأسوة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، باعتماد تعاليم القرآن الكريم، ورفع معايير صدقنا. آمين
