ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 8/05/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في الثامن من شهر مايو/أيار الجاري، حيث ذكر أحداثا من حياة المسيح الموعود عليه السلام تُظهر معايير صدقه الرفيعة ومنها اتهام حضرته بمحاولة الاغتيال وقد ذكر عليه السلام هذه القصة قائلًا:
"إن القضية التي رُفعت ضد المسيح كانت من قبل اليهود، أما القضية التي رُفعت عليّ في هذه السلطنة فكان رافعها قسيسا معتبَرًا ودكتورًا أيضا؛ أي الدكتور مارتن كلارك الذي رفع عليّ قضية زائفة بالقتل، وقدم الشهادات أيضا. حتى إن الشيخ أبا سعيد "محمد حسين البطالوي"- وهو عدو لدود لجماعتي - حضر المحكمة للإدلاء بالشهادة، وشهِدَ ضدي بكل ما في وسعه، وبذل قصارى جهده لأُدان في القضية. كانت القضية مطروحة أمام الكابتن دوغلاس نائب المفوَّض في محافظة غورداسبور. لقد عُرضت عليه القضية بشكل قوي ومرتَّب، وأُدلي ضدي بالشهادات بكل قوة وشدة. ولم يكن لأيٍّ من الملمِّين بالأمور القانونية والرأي السديد؛ أن يتخيل تبرئتي في هذه الحالة. كان من المحتمل أن يُحكَم عليّ بالموت، ولكن الله تعالى كما أخبرني برفع القضية ضدي، كذلك أخبرني قبل الأوان ببراءتي. وكان عدد كبير من أفراد جماعتي مطلعين على هذه النبوءة.
على أية حال، حين وصلت القضية مرحلةً استيقن فيها الأعداء والمعارضون أن المفوَّض سيحولّني إلى المحكمة حتما، عندها قال الكابتن للشرطة: إن حدسي يخبرني أن القضية زائفة، وتأبى فراستي أن يكون المتَّهم قد حاول ذلك فعلا، أو أرسلَ شخصا لقتل الدكتور كلارك؛ فعليكم أن تحققوا فيها من جديد. في ذلك الوقت لم يكن جميع معارضيَّ عاكفين على نسج أنواع المكائد والمؤامرات ضدي فحسب، بل انصرف الذين كانوا يدّعون باستجابة أدعيتهم إلى الأدعية، ودعَوا متضرعين أشد التضرع لأُعاقَب، ولكن هل لأحد أن يقاوم اللهَ؟ أعرف جيدا أن بعض الشفاعات أيضا قد وصلت إلى الكابتن دوغلاس، ولكنه كان قاضيا عادلاً فقال: لا يمكن أن تصدر مني هذه الدناءة والخسة.
فمجمل القول، لما حُوّلت القضية مرة أخرى ليُحقّق فيها إلى الكابتن "ليمار شند"؛ استدعى المتَّهِمَ "عبدَ الحميد" وطلب منه أن يقول الحق والصدق تماما. عندها أعاد عبد الحميد القصة نفسها التي سردها أمام نائب المفوَّض. وكان قد قيل له سابقًا بأنه إذا قال شيئا ينافي إفادته السابقة فسوف يعاقب، فظل يعيد الكلام نفسه. فقال له الكابتن "ليمار شند" بأنك قد قلتَ هذا الكلام من قبل، ولكن القاضي لا يقتنع بذلك؛ فإنك لا تصدق القول. فلما قال له الكابتن "ليمار شند" ذلك؛ سقط عبد الحميد على قدميه باكيا وقال: أرجو أن تُنقذني. فطمأنه الكابتن وقال: هاتِ ما عندك. عندها كشف "عبد الحميد" الحقيقة. وأقر بكلمات واضحة أنه أُكرِه- تحت طائلة التهديد- على الإدلاء بما أفاد به من قبل، وقال: الحق هو أن الميرزا المحترم لم يرسلني قط للقتل. فسُرّ الكابتن بسماع هذه الإفادة كثيرا وأرسل برقيةً إلى نائب المفوَّض قال فيها بأني توصلت إلى حقيقة القضية. فعُرضت القضية على محكمة غورداسبور مجددا؛ حيث استُحلِف الكابتن "ليمار شند" وأدلى بإفادته المقرونة بالحلف. رأيت أن نائب المفوض كان سعيدا جدا بكشف الحقيقة، ومن ناحية أخرى كان غاضبا جدا على المسيحيين الذين أدلَوا ضدي بشهادات كاذبة، وقال لي: تستطيع أن ترفع قضيةً ضدهم. ولكن لما كنتُ أنفر من القضايا أصلا قلت: لا أريد ذلك، فإن قضيتي مرفوعة في السماء. عندها كتب "دوغلاس" الحكمَ على الفور. كان الناس في ذلك اليوم مجتمعين بكثرة، فقال لي عند إعلانه الحكم: "مبارك لك، أنت بريء."
قولوا الآن بالله عليكم، ما أعظم ميزةَ هذه الحكومة إذ لم تبالِ بزعيمٍ ديني لها ولا بشيء آخر التزامًا بالعدل والإنصاف.
كنت أرى آنذاك أن عالَمًا كان يعاديني، وحين تعزم الدنيا على الإيذاء يسعى كل من هب ودبّ للإيذاء والتعذيب، ولكن الله تعالى ينقذ عباده الصادقين.
وقد قال أحد المحامين الذين دافعوا عن المسيح الموعود عليه السلام في هذه القضية إنه دافع عن كثير من الناس في قضايا مختلفة، ولاحظ بنفسه أن الأشخاص الذين يَبدون صالحين هم أيضا غيّروا شهاداتهم بناءً على نصائح المحامين. غير أنه لم يرَ قط شخصًا بقي متمسكًا بالصدق بكل ثبات سوى المسيح الموعود حضرة ميرزا غلام أحمد عليه السلام.
وقال إنه نصح المسيح الموعود عليه السلام بأن يدلي بجواب مُعدّ مسبقًا، إلا أنه كان يتضمن أمورًا غير صحيحة. وأوضح أن المتهم له الحرية في أن يقول ما يشاء، وأن ذلك لا يُعد ملزمًا قانونيًا. فأجابه المسيح الموعود عليه السلام بأن المحاكم الدنيوية قد تسمح بذلك، لكن محكمة الله تعالى لا تسمح بالكذب. ولذلك أعلن عليه السلام بحزم أنه لن يحيد عن الصدق مطلقًا. فقال له المحامي إنه بذلك يعرّض نفسه للخطر والمشقة. فأجاب المسيح الموعود عليه السلام بأن المشقة الحقيقية هي أن يُغضب الإنسان ربَّه بالكذب. فقال المحامي لحضرته لن تستفيد بهذه الطريقة من نصيحتي القانونية، فأجابه عليه السلام بأنه لم يعتمد يومًا على نصيحتي القانونية، بل كان اعتماده على الله تعالى وحده. وأضاف أنه وكّلني فقط باعتباره سببًا ضروريًا ومطلوبًا، ولأنه عرفني رجلًا مستقيمًا وصادقًا. وقال عليه السلام إنه لا يبالي إن أُدين في النهاية، لأنه سيكون سعيدًا بأنه ثبت على الصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى. وكان هذا الصدق سببًا في تبرئته عليه السلام في النهاية من هذه التهمة الباطلة.
وكان محامو المسيح الموعود عليه السلام قد نصحوه بأن يقول إنه لا يعرف عبد الحميد ولم يلتقِ به قط. وأنه إذا قال ذلك فستتم تبرئته حتمًا، وإلا فستتم إدانته لا محالة. فقال المسيح الموعود عليه السلام إنه لن يترك الصدق أبدًا، حتى لو أدى ذلك إلى الحكم عليه بالإعدام. وأوضح عليه السلام أن عبد الحميد كان يزور قاديان، وأنه يعرفه، ولذلك لا يستطيع أن يكذب ويدّعي أنه لا يعرف مَن يكون عبد الحميد. فنصحه المحامون بأن يعطي على الأقل جوابًا مبهمًا يمكن أن يُفهم منه أنه لا يعرف عبد الحميد. غير أن المسيح الموعود عليه السلام عندما سُئل في المحكمة، قال بوضوح بأنه يعرف عبد الحميد. وكان المحامون على يقين من أن المسيح الموعود عليه السلام سيخسر القضية. إلا أنهم اندهشوا عندما رأوا حضرته عليه السلام، بثباته الكامل على الصدق، قد كسب القضية.
واقتبس أمير المؤمنين أيده الله تعالى بنصره العزيز قول المسيح الموعود عليه السلام بأنه عندما يتبنى الإنسان الصدق، فإن هذا الصدق يصبح نورًا، وذلك النور يحفظه من شتى أنواع الشدائد والمصاعب. ودعا الله أن يوفق الجميع لإدراك هذه الحقيقة، وأن يثبتهم على أسمى معايير الصدق، آمين.
