ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 15/05/2026



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 15/05/2026 حيث تحدث عن تواضع النبي ﷺ وقال:

الإنسان الكامل الوحيد في العالم هو النبي الكريم محمد ﷺ، فلم يبلغ أحد قبله ولا بعده تلك الدرجة من الكمال. وقد جسّد أسمى المعايير في أداء حقوق الله وحقوق العباد، واتصف بالأخلاق الكاملة.

يستطيع المرء أن يأخذ أي خُلُقٍ كريم فيجد كماله متجليًا في شخص النبي ﷺ. ومن تلك الصفات "التواضع"، الذي بلغه النبي ﷺ إلى أكمل درجاته. كما علّم أتباعه أن يتحلّوا بهذه الصفة. فرغم أن الله تعالى منح النبي ﷺ مقام خاتم الأنبياء وصاحب الشريعة الأخيرة، إلا أنه أمره مع ذلك أن يعلن تواضعه بقوله: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ".

يقول سيدنا المسيح الموعود عليه السلام حول سبب نزول آيات سورة عبس:

"أن بعض كبار قريش كانوا جالسين عند حضرة رسول الله ﷺ وكان ينصحهم، إذ دخل عليه أعمى وطلب منه أن يعلِّمه الدين. فطلب منه حضرتُه الصبرَ، فغضب الله تعالى على ذلك كثيرا، فذهب النبي ﷺ أخيرا إلى بيت الأعمى ودعاه ومدّ له رداءه وطلب منه أن يجلس عليه."

 وتدل هذه القصة على أن الذين يحملون حب الله في قلوبهم لا بد أن يتحلّوا بالتواضع وهذه ليست مجرد قصة، بل درس ينبغي لنا أن نقتدي به.

يقول النبي ﷺ: "ما من آدمي إلا وفي رأسه سلسلتان؛ سلسلة في السماء وسلسلة في الأرض، فإذا تواضع العبد رفعه الملك الذي بيده سلسلة من السماء، وإذا تجبّر جذبته السلسلة التي في الأرض."

وقال ﷺ أيضًا: "ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه".

وروي أنَّ رجلًا قال: يا محمدُ، يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسولُ الله ﷺ:
"
يا أيها الناسُ، عليكم بقولِكم، ولا يَستهوِيَنَّكم الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، عبدُ اللهِ ورسولُه، ما أُحبُّ أن ترفعوني فوقَ منزلتي التي أنزلني اللهُ عز وجل".

وقال النبي ﷺ: "لن يُدخِلَ أحدًا عملُه الجنةَ. قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمَّدَني اللهُ برحمةٍ منه وفضلٍ."

إذن، ينبغي لكل إنسان أن يؤدي أعماله بعناية ساعيًا إلى نيل قرب الله تعالى.

وكان رسول الله ﷺ يدعو: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين". كما ورد أن النبي ﷺ لم يكن يمانع في السير مع الأرامل أو الفقراء ليستمع إلى ما يريدون قوله. فإلى جانب مقامه الروحي السامي، كان النبي ﷺ يحرص على الاستماع حتى إلى الضعفاء في المجتمع، ويصغي إليهم باهتمام.

وروى عدي بن حاتم رضي الله عنه: "أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فاستوقفته امرأةٌ كبيرةٌ، فوقف معها طويلًا تكلمه في حاجتها. فقلتُ في نفسي: واللهِ ما هذا بملك. ثم دخل بي النبي ﷺ إلى بيته فألقى إليَّ وسادةً من أَدَمٍ محشوّةً ليفًا، فقال: "اجلسْ على هذه."

فقلتُ: بل أنتَ."

فقال: "بل أنت."

فجلستُ عليها، وجلس رسولُ الله ﷺ على الأرض. فقلتُ في نفسي: واللهِ ما هذا بأمرِ ملك."

وقد بلغ تواضع النبي ﷺ حدًّا أنه كان يُظهر اللطف للأطفال ويُسلّم عليهم. وقد ورد أنه كلما لقي الأنصار، سلّم على أطفالهم، ووضع يده على رؤوسهم، ودعا لهم.

وأتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فأخذتْه الرِّعدةُ، فقال له النبيُّ ﷺ: "هوِّنْ عليك، فإني لستُ بملك، إنما أنا ابنُ امرأةٍ من قريشٍ كانت تأكلُ القديد."

وعند الهجرة، لما وصل النبي ﷺ إلى المدينة، استقبله بعض الأنصار الذين لم يكونوا قد رأوه من قبل. وكان أبو بكر رضي الله عنه مع النبي ﷺ، فاجتمع الأنصار حول أبي بكر رضي الله عنه ظانين أنه رسول الله. وخلال ذلك بقي النبي ﷺ صامتًا. ثم وقعت أشعة الشمس على النبي ﷺ، فقام أبو بكر رضي الله عنه بتظليله بردائه. وعندها فقط أدرك الأنصار أن الشخص الجالس هو النبي الكريم ﷺ.

وقد نصح النبي ﷺ أتباعه بألا يبالغوا في الحديث عنه فقال: "لا تُطْرُونِي كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه."

وجاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا خيرَ البرية. فقال رسول الله ﷺ:
"
ذاك إبراهيم."

وهكذا كان تواضع النبي ﷺ، فعلى الرغم من أنه بالفعل خير الخلق جميعًا، إلا أنه من شدة تواضعه صرف هذا اللقب إلى إبراهيم عليه السلام.

 

يقول المسيح الموعود عليه السلام:

"اسم أحمد مظهرٌ للجمال ويقابله اسمُ محمد وهو مظهرٌ للجلال، وسببُ ذلك أن اسم محمد يتضمن سر المحبوبية لأنه جامع المحامد وإن إحراز الكمال في الجمال وكون أحد جامع المحامد يقتضي الجلال والكبرياء، بينما يتضمن اسم أحمد سر العاشقية لأن الحامدية يلزمها التواضع وتدللُ العاشقين وخشوع وخنوع، واسم ذلك حالة الجمال وهذه الحالة تقتضي الخضوع، وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يتمتع بشأن المحبوبية الذي يتطلبه اسمُ محمد، لأن كون أحد محمدًا أي جامع جميع المحامد يولد فيه شأن المحبوبية كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حائزا على شأن المحب أيضا الذي يقتضيه اسمُ أحمد، لأن الحامد ينبغي أن يكون محبا، فأي إنسان لا يحمد أحدا بصدق وكمال إلا إذا أحبه بل عشقه، ومن لوازم الحب والعشق التواضعُ، وهذا هو حالة الجمال التي تلازم حقيقة أحمد، فالمحبوبية الكامنة في اسم محمد ظهرتْ على أيدي الصحابة، فالذين كانوا مستهزئين ومسيئين ويتمنون القتل فقد قضى عليهم بجلاله لكونه محبوبا إلهيا"

وكان رسولُ الله ﷺ يعودُ المريضَ، ويشهدُ الجنائزَ، ويجيبُ الدعوةَ، ويقبلُ الهديةَ. ويروي سيدنا أنس رضي الله عنه أن خياطًا دعا رسولَ الله ﷺ لطعامٍ صنعه، قال أنسٌ: فذهبتُ مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرَّب إلى رسول الله ﷺ خبزًا من شعيرٍ ومرقًا فيه دُبَّاءٌ وقديدٌ (أي خضارٌ ولحم). قال أنسٌ: فرأيتُ النبيَّ ﷺ يتتبَّع الدُّبَّاء من حوالي القصعة. قال: فلم أزل أحبُّ الدُّبَّاء من يومئذٍ.

وتعقيبًا على هذه القصة، قال حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز): إن في ذلك درسًا لنا اليوم أيضًا. فبعض الناس في وقت الجلسة السنوية، عندما يُطبخ اللحم والبطاطا، يطلبون أن يُعطَوا اللحم فقط. لكن النبي الكريم ﷺ ضرب المثال بأن الإنسان ينبغي أن يأكل مما يُحضَّر ويُقدَّم له.

وفي طريق غزوة بدر كان ثلاثة أشخاص يتناوبون على جمل واحد. فلما جاء دور النبي الكريم ﷺ للمشي، طلب منه صاحباه أن يبقى راكبًا على الجمل بينما يمشيان هما. فأجاب النبي ﷺ بأنهما ليسا أقدر منه على المشي، وأنه ليس مختلفًا عنهما، وأصرّ على أن يركبا الجمل بينما يمشي هو ﷺ.

وفي ختام الخطبة قال أمير المؤمنين نصره الله إن هذه هي أسوة النبي الكريم ﷺ التي يجب علينا أن نسعى للاقتداء بها في حياتنا.