ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 22/05/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في الثاني والعشرين من مايو الجاري حيث تابع الحديث عن تواضع النبي ﷺ وقال:
قال رسول الله ﷺ: "آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد". وبعبارة أخرى، لم تكن فيه ﷺ صفات الكِبر والتفاخر كما تكون عند ملوك الدنيا.
وكان للنبي ﷺ ناقة تُدعى العضباء، وكانت معروفة بأنها الأسرع. وذات مرة جاء أعرابي على ناقته، فأجرى سباقًا بينها وبين العضباء، فسبقت ناقة الأعرابي العضباء. وعند ذلك غضب الصحابة لأن ناقة النبي ﷺ قد سُبقت، وانزعجوا من أن الأعرابي لم يمنع ناقته من التقدم عليها. فعندها قال لهم النبي ﷺ "إنَّه حقٌّ على اللهِ عزَّ وجلَّ أن لا يرتفِعَ شيءٌ في الدُّنيا إلَّا وضَعه". فالنبي ﷺ لم يتكبر ولم يغر من كون ناقته قد سُبقت في السباق، بل أظهر تواضعًا حقيقيًا بقوله هذا.
وطلب سيدنا عمر رضي الله عنه مرة من النبي ﷺ الإذن لأداء العمرة. فلم يكتفِ النبي ﷺ بأن أذن له، بل قال أيضًا: "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ من دعائك." وقال سيدنا عمر:" كلمةً ما يَسُرُّني أنَّ لي بها الدنيا" وهكذا كان النبي ﷺ يطلب من أتباعه أن يذكروه في دعائهم.
وذات مرة مرّ رسول اللهِ ﷺ بغلامٍ يَسلخُ شاةً، فقال له: تَنَحَّ حتّى أُرِيَكَ، فأدخل رسولُ اللهِ ﷺ يدَه بين الجلد واللحم، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم قال:
"يا غلام، هكذا فاسلخ."
ومرَّ مرةّ بامرأةٍ ومعها شاة، فقال: "هل عندها من لبن؟" قالت: نعم.
فدعا بإناءٍ، فحلب فيه حتى امتلأ، ثم سقى القوم.
وكلما صافح شخصٌ النبي ﷺ، لم يكن ﷺ يترك يد ذلك الشخص حتى يتركها هو أولًا، ولم يكن يصرف وجهه عن الشخص حتى ينصرف ذلك الشخص أولًا.
وكان النبي ﷺ يحثّ على التواضع بحكمة بالغة. ففي إحدى المرات كان بعض الناس يتفاخرون بأموالهم وبكثرة ما يملكون من الغنم أو الإبل. فذهب إليهم النبي ﷺ وقال: بُعِثَ موسَى وهوَ راعي غنَم، وبُعِثَ إبراهيمُ وهوَ راعي غنَمٍ، و بُعِثْتُ أنا وأنا أرعَى غنمًا لأهلي بأجيادٍ". وبهذا كان النبي ﷺ يراعي مشاعر الرعاة الذين كان يُقال لهم إنهم أقل مالًا من غيرهم.
وكان ﷺ يراعي مشاعر كل من يلقاه، بمن فيهم الفقراء. فقد كان في الأعراب رجل يُدعى زاهر، وكان يجلب للنبي ﷺ أشياء من قريته، كما كان النبي ﷺ يرسله محمّلًا بأشياء كثيرة. وذات يوم كان زاهر يبيع بعض السلع في السوق، فمرّ به النبي ﷺ واحتضنه، ثم قال ﷺ: "من يشتري هذا العبد؟" فقال زاهر: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا. فقال ﷺ: "لكنك عند الله لست بكاسد".
وكان وقت النبي ﷺ في بيته ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لله تعالى، وقسم لأهله، وقسم لنفسه. إلا أنه كان يقسم الوقت المخصص لنفسه بين لقاء أصحابه وتعليمهم الدين. وكان ﷺ إذا خرج لا يتكلم إلا فيما فيه فائدة. وكان يجمع بين أصحابه ولا يدعهم يتفرقون. وكان يُظهر الاحترام للجميع. وكان يراعي أحوال الناس ويتفقدهم، ويلقى الجميع ببشاشة وسرور. وكان يسأل عن أحوال الناس، ويستحسن الخير ويحذر من الشر. وكان يختار الاعتدال في جميع الأمور. وكان دائم الاستعداد لكل ظرف أو حال. وكان عادلًا في مراعاة حقوق الآخرين. وكان أعظم الناس منزلة عنده من كان أكثر رأفةً بالناس وأكثر نفعًا لهم. وإذا جاءه أحد يطلب شيئًا وكان عنده ما يعطيه أعطاه، وإن لم يكن عنده شيء اعتذر إليه بلطف ومحبة. وكانت مجالسه مجالس علم وأدب، فلم تكن تُرفع فيها الأصوات، ولا تقع فيها غيبة، ولم يكن أحد يُفضل على أحد إلا بالتقوى. وكان يعتني بالفقراء، كما كان يراعي الغرباء.
وذات مرة جاء رجل نصراني إلى النبي ﷺ، فأكرمه غاية الإكرام، وأطعمه حتى شبع. وفي الليل لوّث ذلك الرجل فراشه، فخرج من شدة الخجل مسرعًا. فلما رأى النبي ﷺ الفراش في الصباح أخذ ينظفه بنفسه. فألحّ الصحابة أن يقوموا هم بتنظيفه، لكن النبي ﷺ أصرّ على أن ينظفه بنفسه لأنه كان ضيفه. وبعد مدة أدرك الرجل النصراني أنه نسي سلسلة صليبه الذهبية، فرجع ليأخذها. فلما رأى تواضع النبي ﷺ وهو ينظف الفراش بنفسه، تأثر بشدة وأسلم.
وكان النبي ﷺ ينام مرة على سرير منسوج ترك أثره على ظهره المبارك. فطلب بعض الصحابة أن يُهيَّأ له فراش أكثر ليونة. فقال ﷺ إنه لا يهتم براحة الدنيا، وقال إنه كراكب استظل تحت شجرة قليلًا ثم مضى وتركها.
وكان النبي ﷺ دائم الإحسان حتى مع أصحاب الأخلاق السيئة. فمرة جاء رجل إليه ﷺ يطالبه بحقه بطريقة شديدة وخشنة، فغضب الصحابة لذلك، لكن النبي ﷺ قال لهم: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالًا. ثم أمر الصحابة أن يشتروا للرجل بعيرًا بمقدار ما يطلبه. فلما ذهبوا للبحث لم يجدوا إلا إبلاً أغلى من قيمة ما كان يطلبه الرجل. فقال النبي ﷺ إن ذلك لا يضر، وحتى لو كان البعير أغلى من الدين الذي له، فليُشترَ ويُعطَ له.
وعند فتح مكة، لما دخل النبي ﷺ المسجد الحرام، جاء سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بأبيه إلى النبي ﷺ. فلما رآه ﷺ قال لأبي بكر رضي الله عنه: كان ينبغي أن تتركه في بيته، وأنا كنت آتي إليه. فقال سيدنا أبو بكر: بل هو أحق أن يُؤتى به إليك يا رسول الله. وفي هذه المناسبة أسلم والد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه.
وكان النبي ﷺ يكنس المسجد بنفسه لتنظيفه، ولم يكن يرى هذا العمل دون منزلته.
قال المسيح الموعود عليه السلام:
"إن الله تعالى رحيم وكريم، ويربّي الإنسان من كل الجوانب والنواحي ويرحمه، وبسبب رحمه يُرسل أنبياءه ورسله لينقذوا الناس من حياة ملوّثة بالذنوب. ولكن الاستكبار مرض خطير جدا ومَن أصابه كان له بمنـزلة موت روحاني. أعرف يقينا أن هذا المرض أسوأ من القتل. المتكبر يصبح أخا للشيطان لأن الاستكبار هو الذي أخزى الشيطان وأذله، لذا يجب على المؤمن ألا يكون مستكبرا بل ينبغي أن يتسم بالتواضع والانكسار. هذه ميزة المبعوثين من الله تعالى، إذ يحتلون أعلى درجات التواضع، وقد تحلّى رسول الله ﷺ بهذه الصفة الحسنة أكثر من غيره على الإطلاق. ذات مرة سُئل خادمه كيف يعاملك النبي ﷺ؟ قال: الحق أنه يخدمني أكثر مما أخدمه أنا.
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وبارك وسلّم.
هذا هو نموذج الأخلاق السامية والتواضع. والحق أن الخدام يكونون أقرب الناس إلى المرء عادة لأنهم معه دائما، لذا إذا أُريدَ الاطّلاع على تواضع أحد وصبره وجلَده فيمكن معرفته منهم".
وفي الختام، دعا أمير المؤمنين نصره الله أن يوفقنا الله تعالى لاتباع مثال التواضع الذي أرساه النبي ﷺ، ثم ذكر أنه سيصلي الغائب على أحد المرحومين وذكر نبذة من حياته.
