ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 04/09/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 04/09/2026 حيث تحدث عن توكل النبي ﷺ فقال:
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
يقول المسيح الموعود عليه السلام:
إن نظرة إلى وقائع حياة سيدنا خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم توضح بجلاء تام أنه كان مخلصًا، وكان إخلاصه في أعلى درجاته، وكان طاهر الباطن، مستعدًا للتضحية بروحه في سبيل الله، زاهدًا تمامًا في كل رجاء من المخلوق أو خوف منه، متوكلًا على الله وحده. فقد فني تمامًا في مشيئة الله ومرضاته، ولم يبالِ قط بما قد ينزل به من البلايا نتيجة إعلانه التوحيد، ولا بما قد يتحمله من إيذاء ومعاناة على أيدي المشركين. بل تحمّل جميع المشاق والمعاناة والمصائب في سبيل تنفيذ أمر ربه، وأوفى بحق المجاهدة والوعظ والنصيحة، ولم يبالِ بتهديد أحد.
ونقول صدقًا وحقًا: إن مواطن الخطر التي ثبتت في وقائع حياته لا نجد لها مثيلًا في حياة سائر الأنبياء، كما لا يثبت أن أحدًا منهم واجه الشرك وعبادة المخلوق بمثل هذا الحسم والوضوح، متوكلًا على الله، كما فعل صلى الله عليه وسلم.
ويقول عليه السلام:
إن رسولنا صلى الله عليه وسلم هو القدوة العملية للتبتل، فلم يبالِ بمدح مادح ولا بلوم لائم. وكم كابد من المعاناة والأذى، ولكنه لم يكترث لذلك، ولم يمنعه طمع ولا إغراء من مواصلة المهمة التي جاء من عند الله تعالى لإنجازها. فعلى المرء ألا يهدأ ولا يطمئن حتى يبلغ هذا المقام وينجح في هذا الامتحان.
واعلموا أن المتبتل يكون متوكلًا أيضًا، وهذا يعني أنه لا بد للمرء من التوكل لكي يكون متبتلًا؛ إذ كيف يمكنه أن يتوكل على الله بصدق وإخلاص ما دامت علاقاته بالآخرين قائمة على الاعتماد عليهم والثقة بهم؟
حين ينقطع الإنسان إلى الله تعالى، ينقطع عن الدنيا ويرتبط بالله تعالى، ولا يتأتى له ذلك إلا إذا توكل على الله توكلًا كاملًا. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم كاملًا في تبتله، كما كان كاملًا في توكله، ولذلك لم يأبه بزعماء الأقوام والقبائل ذوي القوة والمنعة، ولم يكترث لمعارضتهم قط.
وكان لديه يقين عظيم بالله تعالى، ولذلك حمل هذه الأمانة الثقيلة، ولم يكترث بالعالم كله ولم يعبأ به شيئًا. وهذا هو النموذج العظيم للتوكل الذي لا نظير له في العالم؛ لأن المرء في هذه الحال يختار الله تعالى ولو جعل العالم كله عدوًا له.
ولكن لا يبلغ أحد هذا المقام ما لم ير الله تعالى بنفسه، إن صح التعبير، وما لم يكن على يقين بأن بابًا آخر سيفتح له حتمًا. فإذا تولد لديه هذا الأمل واليقين، فإنه لا يبالي بأن يصبح أقاربه أعداء له في سبيل الله، لأنه يعلم أن الله تعالى سيجعل له أقارب وأصدقاء جددًا، ولا يبالي بخسارة المال والعقار، لأنه يوقن بأن الله سيعوضه خيرًا منهما.
وخلاصة القول أن تقديم رضا الله على كل شيء سواه هو التبتل. والتبتل والتوكل توأمان؛ فسر التبتل هو التوكل، وشرط التوكل هو التبتل. هذا هو مذهبي في هذا الموضوع.
ويقول عليه السلام:
لا تظنوا أن الله تعالى ضعيف، كلا، بل هو شديد القوى المتين. فلو توكلتم عليه في أموركم لأعانكم يقينًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
وكان أول المخاطَبين بهذه الآيات أهل صلاح ودين، وكانت جل همومهم متعلقة بالدين، وقد فوضوا أمر دنياهم إلى الله تعالى، ولذلك طمأنهم الله بأنه معهم.
وباختصار، فإن من بركات التقوى أن الله تعالى ينجي الإنسان المتقي من الصعاب التي تعيقه عن خدمة الدين.
ثم إن الله تعالى يرزق المتقي رزقًا خاصًا. وسوف أتحدث هنا عن رزق المعارف. فقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمي، أن يواجه العالم كله، بمن فيهم أهل الكتاب والفلاسفة وكبار المثقفين والعلماء، فمنحه الله من الرزق الروحاني ما مكّنه من الغلبة عليهم جميعًا، وكشف لهم أخطاءهم. وكان هذا رزقًا روحانيًا لا نظير له.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله، لرُزقتم كما تُرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا".
وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبت بها أرغب فيها لو أنها أُبقيت لك".
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن من قلب ابن آدم بكل واد شعبة، فمن اتبع قلبه الشعب كلها، لم يبال الله بأي واد أهلكه، ومن توكل على الله كفاه التشعب".
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال:
"بسم الله، توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل، أو نضل، أو نظلم، أو نُظلم، أو نجهل، أو يُجهل علينا"
وفي رواية كان يقول:
"بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل، أو أزل أو أُزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل علي، أو أبغي أو يُبغى علي".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إذا دخل بيته:
"اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا" ثم يسلم على أهله.
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال رضي الله عنه، فوجد عنده صُبَرًا من تمر، فقال:
"ما هذا يا بلال؟ فقال: تمرًا ادخرته لك. فقال: "ويحك يا بلال، أما تخاف أن يكون له بخار في النار؟ أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا".
يقول المسيح الموعود عليه السلام:
يجب على الإنسان ألا يتخلى عن التقوى، وأن يتوكل على الله، فعندئذ لن يتعرض لمشكلة. ولكن التوكل على الله لا يعني أن يترك المرء اتخاذ التدابير، وإنما يعني أن يستكمل التدبير ثم يترك العاقبة على الله، وهذا هو التوكل. فإن لم يتخذ التدبير واكتفى بالتوكل، كان توكله عقيمًا، وإذا اعتمد على التدبير وحده ولم يتوكل على الله، فلن يجدي تدبيره شيئًا.
كان رجل راكبًا على ناقة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم نزل عنها تعظيمًا له، وأراد أن يتوكل دون أن يتخذ أي تدبير، فلم يعقلها. فلما عاد من زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدها، فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم واشتكى إليه أنه كان قد توكل ولكنه فقد الناقة، فقال له إنه قد أخطأ، وكان عليه أن يعقلها أولًا ثم يتوكل.
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، مسندًا إلى صدر عائشة رضي الله عنها، قال: "يا عائشة، أين تلك الدنانير؟" قالت: "هي عندي".
قال: "أنفقيها" ثم أُغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على صدرها. فلما أفاق قال: "أنفقت تلك الدنانير يا عائشة؟" قالت: لا والله يا رسول الله، ما أنفقتها بعد.
قالت عائشة رضي الله عنها: فدعا بها، فوضعت في كفه، فعدها فإذا هي ستة دنانير، فقال: "ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده؟" ثم تصدق بها كلها في سبيل الله، وتوفي في ذلك اليوم.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك وسلم، إنك حميد مجيد.
