ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 18/09/2026
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 18/09/2026، حيث تابع الحديث عن توكل النبي ﷺ ومن ذلك ما قاله سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه:
"لقد قرأتُ سوانح كبار الشجعان ولكن الحالة التي يعانونها في مثل هذه المناسبات لا يمكن مقارنتها مع ما واجهه النبي - صلى الله عليه وسلم -. يعرف المؤرخون كيف كانت حالة "نابليون" وكيف كانت آثار الحسرة بادية على وجهه، ويعرفون أيضا كيف كان الملك المغولي "همايون" يستعد مرة بعد أخرى لتسليم نفسه للأعداء، ولولا بعض القادة الباسلين معه لعله كان فعَل. كذلك خلا كثير من القادة الباسلون الآخرون الذين أتت عليهم أيام صعبة وقلقوا واضطربوا في تلك الظروف حين كان الأعداء منتشرين في كل حدب وصوب بحثا عنهم، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من هؤلاء الناس الدنيويين بل كان نظره مركَّزا على الله تعالى وما كان ينظر إلى الأسباب المادية ولم يقلق في هذا الوقت العصيب أنه وحيد وماذا يستطيع فعله مع وجود رفيق واحد معه؟ وما هي الأسباب المتوفرة لديه لمقاومة العدو إن واجهه في هذا الطريق الخطير؟ بل كان يرى أن معه إلها ظل يحمي عباده الصالحين دائما، ولا يستطيع أيّ عدو أن يقاوم هجومه.
إن ذلك الإله الذي كان ربّ نوح، وربّ إبراهيم وربّ موسى وربّ يونس وربّ أيوب وربّ داود وربّ سليمان وربّ المسيح الناصري عليهم السلام هو ربي أيضا الذي لا تزول قدراته ولا يغفل للحظة واحدة. لقد لاحقه سراقة بن جعشم نشوانا في الطمع والعداوة مطلقا فرسه إليه - صلى الله عليه وسلم -، هاج الأمل في قلبه كالبحر الزخار، وما كان يريد أن يصبغ يديه بدم شخص يسيء إلى دينه ويهدِّئ قلبه الملتاع فقط، بل أعلَتْ همته أيضا جائزة مئتي بعير التي كانت تكفي لتكسبه مكانة مرموقة في قومه. فانقضَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ينقض الصياد على صيده وأراد أن يهاجمه - صلى الله عليه وسلم - حاملا الرمح والقوس في يديه. والمهاجم ليس وحيدا بل كان بإمكانه أن يجمع حوله آلاف الناس برفع هتاف واحد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندئذ كان يمر من منطقته هو. ولكن ماذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - آنذاك؟ هل فر من المكان؟ أو هل سلّم نفسه إليه خائفا؟ هل تزعزعت قدماه؟ هل فقد صوابه؟ أو هل حاول قتله ليمشي بعد ذلك بسبيله. كلا، بل هذا الإنسان المتوكل على الله لم يعمل أيّا من هذه الأشياء ولم يهتم بسراقة حتى بقدر ما يهتم المرء بالثور. أما أبو بكر - رضي الله عنه - فكان على الرغم من شجاعته وإيمانه ويقينه وتوكله يلتفت إلى الوراء ليرى كم اقترب سراقة منهما. ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبال به قط ولم يلتفت إلى الوراء ولا مرة واحدة لينظر إليه أيضا دع عنك القلق أو الخوف، الأمر الذي جعل سراقة يحتار في أمره وأيقن بعظمة الشخص الذي كان يلاحقه، ولم يستطع أن ينسى هذا المشهد طول العمر بل ترك هذا الحادث غير العادي في قلبه تأثيرا كبيرا حتى كان يسرد ذلك دائما ويقول: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ. أي قد اقتربتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرسي لدرجة كنت أسمع قراءة النبي القرآن الكريم، ووجدت أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يلتفت قط بينما كان أبو بكر يفعل ذلك.
سبحان الله! ما أعظم هذا التوكُّل على الله. لقد اقترب العدو كثيرا مع فرسه لدرجة يستطيع أن يسمع صوته - صلى الله عليه وسلم - أيضا وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في متناول الرماح ولكنه ظل يقرأ القرآن الكريم بكل هدوء دع عنك القلق، ولكن أبو بكر - رضي الله عنه - كان يلتفت مرة بعد أخرى ليرى مدى اقتراب العدو منهما. هل يمكن العثور على نظير هذا التوكل؟ هل يوجد إنسان أظهر هذا النوع من عدم القلق والاضطراب في وقت عصيب وخطير مثله؟ لو كانت في باله أدنى فكرة لاستخدام الأسباب المادية لكان من المفروض إما أن يحاول الهجوم على سراقة أو يسعى للخروج من هناك سريعا ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يختر أيا من هذين الخيارينِ إذ لم يُسرع للخروج ولم ينوِ قتل سراقة بل ظل يقرأ القرآن الكريم بكل هدوء ماشيا بسرعته العادية بكل هدوء وسكينة دون إظهار أدنى خوف أو قلق. ما الذي قوّى قلبه - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الدرجة؟ أية قوة رفعت همته إلى هذا الحد؟ أية روح خلقت فيه هذه الحياة غير العادية؟ إنها تجليات التوكل على الله تعالى وكانت نتيجة توكله على الله - سبحانه وتعالى -. كان يعلم أن الأسباب المادية لا تستطيع أن تضره شيئا، ولا تقدر القوى المادية أن تهلكه لأن الإله في السماء الذي خلق هذه الأسباب يراقبه، وأن الأسباب لا تستطيع أن تعمل شيئا على عكس مشيئة خالقها. لم يُضِع الله تعالى توكلّه هذا بل حققه فعاد سُراقة الذي كان قد جاء طامعا في مئتي بعير معتذرا ومستعفيا. وقد ألقى الله تعالى في قلبه رُعبا فرأى سلامته في العودة صامتا واجما بل أقنع الملاحقين الآخرين أيضا بالعودة.
هذا هو التوكل الذي لا يوجد نظيره في العالم. يوجد نظير توكلٍ مثله في حياة موسى - عليه السلام - أيضا ولكنه أدنى من توكّل النبي - صلى الله عليه وسلم - بكثير لأن أصحاب موسى عندما رأوا فرعون وجنوده قالوا: "إنا لمدرَكون"، فقال لهم موسى: {إن معي ربي سيهدين} ولكن توكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم لدرجة أثّر في رفيقه أيضا. لم يقل أبو بكر - رضي الله عنه - فزعا مثل أصحاب موسى "إنا لمدركون" بل قال: لو طأطأوا قليلا لرأونا. هذا الإيمان كان نتيجة نور النبوة الذي كان نازلا على قلبه حينذاك.".
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً فَقَالَ " لَيْتَ رَجُلاً صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ". قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلاَحٍ فَقَالَ "مَنْ هَذَا". قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَا جَاءَ بِكَ". قَالَ وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ نَامَ. وفي رواية أخرى عن عائشة أيضًا قَالَتْ:كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ ".
اللهم صل على محمد وآل محمد.
