ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 16/10/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 16/10/2026 والتي استهلها بقوله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾
ثم قال: إن الله تعالى أمر النبيَّ الكريم ﷺ في هذه الآية بأن يعلن أن الرسالة التي كان يبلّغها إنما هي لمصلحة الناس وحدهم، ولإصلاح حياتهم في الدنيا والآخرة، وأنه لا يطلب منهم أي أجر أو مقابل على ذلك. فأجره على مَن يملك خزائن الكون جميعها، ولم يكن بحاجة إلى خزائن الدنيا، ولا كانت له رغبة فيها. فقد كان الله تعالى يتكفّل أصلًا بجميع احتياجاته الأساسية، ولم يكن بحاجة إلى أكثر من ذلك. وهكذا كانت بساطة النبي الكريم ﷺ، التي تجلّت في مظاهر شتّى طوال حياته.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أَحِبُّوا الْمَسَاكِينَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللّٰهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ.
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ اشْتَكَى فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ أَغْنِيَاءَهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاءِ أَلَا أُبَشِّرُكُمْ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ تَلَا مُوسٰى هٰذِهِ الْآيَةَ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ۔ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُوْلُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ ـ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ ـ يَقُوْلُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ لَا تُطْرُوْنِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.
وعَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: "السَّيِّدُ اللهُ" قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: "قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ".
قَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، جَاءَ النَّبِيُّﷺ یَدْخُلُ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا، يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ.
بعد الهجرة من مكة إلى المدينة، أُعدَّ لسيدنا المصطفى ﷺ مسكنٌ بجانب المسجد النبوي. وما كان المسكن إلا حجرةً صغيرة تبلغ مساحتها نحو عشرة في خمسة أقدام، وجُعل بين هذه الحجرة والمسجد بابٌ يمر منه ﷺ إلى المسجد لأداء الصلوات وغيرها. وحين تزوج نساءً أخريات، أخذت الحجرات تتوالى تباعاً بجانب تلك الحجرة الأولى.
وتفصيل ذلك أن صحابياً جليلاً مخلصًا من أصحاب النبي ﷺ، وهو حارثة بن النعمان رضي الله عنه، كانت له عدة بيوت قريبة من المسجد وفي جواره. وكلما دخلت زوجة جديدة في عصمة رسول الله ﷺ، تبرع له حارثة رضي الله عنه بأحد بيوته، حتى آلت دُور حارثة جميعها إلى رسول الله ﷺ.
وهكذا، بلغ مجموع تلك البيوت تسعة بيوت، أمضى فيها رسول الله ﷺ السنوات العشر الأخيرات من عمره الشريف، وفي أحدها كانت وفاته ودفنه. وكان كل بيت يتألف من غرفة صغيرة وفناء أصغر منها. وكانت الإنشاءات في غاية البساطة؛ فلم يُستخدم فيها طوب قطّ ولا حجر، مع أن المنطقة بأسرها كانت مليئة بالحجارة؛ بل تشكل البيت بأسره من جريد النخل، والطين. وأما أفنيتها فقد أحاطت بها جريد النخل، وأُلقيت عليها مسوح من شعر الحيوانات لئلا ينكشف ما بداخلها من خلال الفجوات بين السعف.
وبلغت أبعاد كل غرفة نحو خمسة أمتار طولاً بأربعة أمتار عرضاً، بينما كان عرض الفناء أصغر من ذلك؛ نحو ثلاثة أمتار ونصف المتر، وطوله مساوياً لطول الغرفة. أما ارتفاع السقوف فكان قريباً بحيث يمكن لمسها باليد عند رفعها.
قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول یوم هدم هذه المنازل: والله لوددت أنهم تركوها على حالها. ينشأ ناشئ من أهل المدينة ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها، يعني الدنيا.
وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويروا ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
يقول المصلح الموعود رضي الله عنه:
وكان فراشه كذلك بسيطًا. لم يستخدم الأَسِرَّة أبدًا أو المتكآت، وكان ينام على حصير مفروش على الأرض، وكان فراشه هذا من جلد أو من نسيج من شعر الإبل. وروَت السيدة عائشة أن هذا الفراش كان ضيقًا، حتى إنها كانت تنام على جانب منه وهي متمددة الأقدام، فإذا قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليلاً للتهجّد، فهبط للسجود؛ جمعت رجليها، حتى إذا قام ونهض .. مدتها، فإذا سجد انكمشت ثانية وهكذا.
ويقول المسيح الموعود عليه السلام:
يجب التأمل كيف استقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصمد على إعلانه النبوة من أول يوم إلى آخر لحظة من حياته مع ظهور آلاف الأخطار ونهوض مئات الآلاف من المعاندين والمعارضين والمخوِّفين، وواجه إلى سنين عديدة من المصائب وتحمّل من الإيذاء ما كان من شأنه أن يؤدي إلى اليأس والقنوط من النجاح تماما. وقد ظلت تلك المصائب تزداد يوما إثر يوم بحيث ما كان ليُتصور أو يخطر على البال تحقق أيّ هدف دنيوي نتيجة الصبر عليها، بل الحق أنه - صلى الله عليه وسلم - فقدَ أصدقاءه السابقين أيضا بسبب إعلانه النبوة. وبقيامه بإعلان واحد فقد اختار لنفسه مئات الآلاف من المعارضات، واستدعى لنفسه آلاف البلايا والآفات؛ فقد نُفي من وطنه، ولوحق للقتل، وقطعت أسباب معيشته، ودُسّ له السمُّ مرارا. لقد تحول المتعاطفون إلى أعداء، وعكف الأصدقاء على العداء. واضطر - صلى الله عليه وسلم - لتحمّل أنواع المرارة والمعاناة إلى زمن طويل لا يسع مكّارا ومزيِّفا أن يصبر خلاله عليها بأقدام راسخة. ثم حين حصلت للإسلام الغلبة بعد مدة، فما جمعَ - صلى الله عليه وسلم - لنفسه كنزا في أيام الازدهار والتقدم، وما شيَّد بناية وما أعدّ بلاطا، وما اختار أسباب الرفاهية وعيش الملوك، وما جلب لنفسه منفعة. بل أنفق كلّ ما جاءه في رعاية اليتامى والمساكين والأرامل والمثقَلين بالديون، ولم يأكل - صلى الله عليه وسلم - ملء بطنه ولا مرة واحدة.
سُئِلَتْ عَائِشَةُ، مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِكِ؟ قَالَتْ: "مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ"
وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً فَقَالَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا.
وفي ختام الخطبة، طلب أمير المؤمنين نصره الله الدعاء للأحمديين في باكستان، وقال إن أناسًا ظالمين يرتكبون المظالم بحق الأحمديين باسم الله ورسوله ﷺ. وبسبب الخوف من المشايخ، لا يجرؤ المسؤولين حتى على إطلاق سراح السجناء الأحمديين الذين اعتُقلوا لمجرد إيمانهم. ودعا الله أن يعجل بمحاسبة الظالمين وبطشهم، وقال إن على الأحمديين في باكستان أن يولوا اهتمامًا خاصًّا للصلاة على النبي ﷺ، والاستغفار، والتركز على الأدعية التي أوصى بها قبل مدة.
وقال أمير المؤمنين إن وضع الأحمديين في ماليزيا أيضًا محفوف بالمخاطر، إذ تمارس الحكومة هناك الظلم بحقهم، وتُنفَّذ مداهمات عشوائية لمساجدهم، ودعا اللهَ تعالى أن يحفظهم من مكايدهم وشرورهم.
